بشار حمدان
بشار حمدان
1.8 k

مخلوق من زيت.. وذاكرة السينما فلسطينه "مثلاً"

4/4/2017
في وداع بشار إبراهيم..
"أنا مخلوق من زيت، زيت الزيتون على وجه الدقة" بهذه الكلمات يصف الكاتب والناقد السينمائي الفلسطيني-السوري بشار إبراهيم نفسه، ويقهر ذاكرتنا الصعبة على الجمع لتناثرها وتشتتها ليعلن بأنه مخلوق من زيت الزيتون، الزيت الذي لا يكاد يخلو بيت أي فلسطيني منه.

انتصر على مرارة اللجوء، وتحدى الشتات الفلسطيني حينما لاحق فلسطينه بجمع وتوثيق الأفلام عنها، من الداخل إلى المنافي والشتات.. إلى كل مكان يُذكر فيه اسم فلسطين، قبل أن يلجأ ابن الخالصة في شمال فلسطين إلى رحمة الله بعد صراع مع المرض في الثلاثين من آذار الماضي.. في يوم الأرض الفلسطينية التي أحبته وأحبها.. بعد أن عاش حياته من أجلها يعاند النسيان ويحفظ الذاكرة.

رحل بشار المولود في الثالث من آب عام ١٩٦٢ في مخيم خان دنون بسوريا، وهو سادس أولاد أمه السبعة، الذين بقوا لها على قيد الحياة، والتي كان يراها كما يقول "تصرّ زوّادتها من بيضة مسلوقة وحبتي بندورة، أو من بقايا طبخة البارحة، وتذهب إلى الحقول المجاورة للمخيم، حيث التعشيب والحصيدة والرجيدة واللقاط...قبل أن تركب أول ميكروباص وصل إلى مخيم «دنون»، فتعمل في المطحنة، والمعامل، والورشات الصغيرة، للنايلون والبلاستيك، وصناعة الشحاحيط، والأحذية الكاوتشوكية السوداء، التي طالما أكلت من حوافي أقدامنا المقشّبة، والمتشقّقة....تطبخ، تغسل، تجلي...تخوض الحروب على «الحنفية» العامة.. فارسة في كل شيء.... فارسة!.. إلا أمام نظرات والدي الغاضبة، أو تحت وقع قشاطه الجلدي العتيد، الذي لم يكن يوفّر صغيراً ولا كبيراً، في لحظة غضب، لم نكن نعدم زيارتها بين حين وآخر... أرى صورة أمي،تنطوي في الذاكرة، يلفُّها الغياب، وتعاند النسيان...لم يكتبها أحد...لم يرسمها أحد.. لم يصوّرها أحد...تكتفي بأنها سينما الحياة".

هو الذي أحب السينما وكانت عنده القضية أولا، ويقولها بصراحة "عندما تكفّ السينما عن قول ما يهمني إنسانياً ووطنياً وقوميا.. تنتهي". هي السينما التي لا يمكن أن تكون للفلسطيني ترفا بل طريقة تعبير وقول وصرخة احتجاج، معتبرا بأن الفلسطيني "يحاور ويسائل وجوده ومصيره عبر السينما، ريثما يُمكن له أن يصنع سينما مثل الآخرين من شعوب الأرض، ويحبها كما يفعل غيره".

أمضى عشرين عاما يجمع ويوثق لأفلام فلسطين وحده دون كلل أو ملل، ولم يثنه ذلك عن مواصله عمله كباحث وناقد للسينما العربية والعالمية وكقاص وكشاعر.
انخرط في الثورة، يوم كانت الثورة ثورة.. وحينما اتهمت يوما المثقفين الفلسطينيين بالتقاعس تجاه القضية وغيابهم عن العمل الجمعي أرسل لي معاتبا "كنت مشروع شهيد طيلة عقد ونصف من السنوات، وبيدي هاتين شيعت أكثر من من صديق، أخرجته من البراد، ودسسته في التراب، وبعد أن وصلت الأمور إلى حائط مسدود سقفه أوسلو تحولت إلى الثقافة سلاحا أناضل من خلاله لتأكيد الهوية الفلسطينية، بدءاً من الشعر والقصة والرواية وانتهاء بالسينما، مع خيبة الثورة التي انتهت تحت سقف أوسلو فقدت الثقة بأي عمل جمعي وتحولت إلى العمل الفردي، هكذا اعتقدت حينها.. ربما كنت مخطئا".
وربما كان محقا لعلمه أن واقعنا الفلسطيني المليء بالخلافات والانقسامات والخيبات السياسية قد ينعكس سلبا على أي عمل جمعي، فكان عمله الفردي تطوعا ومقاومة وإيمانا منه بأهمية حفظ ذاكرتنا الفلسطينية.

عمل بشار وحده على جمع شتات السينما الفلسطينية وتوثيقها ليس فقط من خلال كتبه عنها "السينما الفلسطينية في القرن العشرين"، و"إيليا سليمان، رشيد مشهراوي، ميشيل خليفي:ثلاث علامات في السينما الفلسطينية الجديدة"، و"فلسطين في السينما العربية"، وإنما من خلال مشروعه الذي بدأه منذ حوالي عشرين عاما بجمع بياناتها أنجز منها ما يقارب من 700 صفحة، وضع فيها ما أمكن من قواعد بيانات للأفلام، مشروع لم يُكتب له أن يرى النور بعد.. وطوال هذه السنوات كان دؤوبا في عمله متناولا ما يمكن من أفلام فلسطينية بالنقد والتحليل والتوثيق عبر المقالات في الصحف والمجلات، وهو الدائم المتابعة للمخرجين والمنتجين بسؤالهم عن آخر أفلامهم، وهو الدائم التشجيع للشباب على الاستمرار في إخراج أفلامهم لمواجهة الإحباط والواقع العربي المر.

كان بشار ذاكرتنا التي تحفظ لنا نتاجنا من الأفلام عن فلسطين، فما كان يقوم به تعجز مؤسسات عن القيام به.. وبالتالي لم نكن نخشى عليها من الضياع وهو يحرسها كسنديانة تغرس جذورها بالأرض التي رحل في يومها. كان حلمه جمع هذه الأرشيف وتوثيقه، وحين حدثته عن مشروعنا (أفلام فلسطين) والذي أطلقه منتدى فلسطين الدولي للإعلام والاتصال، رد علي "هل تتخيل كم شخصيا تواصل معي خلال العشرين سنة الماضية؟ كلهم يبدأون بحماس شديد ويؤكدون على أهمية هذا الأرشيف السينمائي ولكن يختفون بعد ذلك".. قبل أن يوافق لاحقا على أن يكون معنا في المشروع، ونعرض عليه أن يكون مشرفا عليه فيرد بالقول "أنا لا أحب الإشراف ولا الإدارة، أنا أحب الشغل والإنجاز.. كن أنت المشرف والمدير واترك لي المحتوي".

كنت تنهي كل منشور لك على صفحتك بكلمتك الشهيرة "مثلا"، وقد كنت في حياتك وستظل بعد غيابك مثلا واضحا كوضوح الشمس.
يرحل بشار إبراهيم تاركا حملا ثقيلا على كل من يصنع أفلاما من أجل فلسطين، وعلى كل فلسطيني مهتم بذاكرة السينما وتوثيقها، وحينما قلت له بأنني متطوع في مشروع (أفلام فلسطين) غضب مني، فقد كان يخشى أن يقتل النفس القصير للتطوع هذا العمل، وهو الذي أمضى عشرين عاما يجمع ويوثق لأفلام فلسطين وحده دون كلل أو ملل، ولم يثنه ذلك عن مواصله عمله كباحث وناقد للسينما العربية والعالمية وكقاص وكشاعر، ومساهمًا في العديد من الدوريات والمجلات المتخصصة بالسينما ومحكما في العديد من المهرجانات السينمائية.

يمكننا كفلسطينيين التذرع بأن الاحتلال والشتات والانقسام الذي تعيشه الساحة الفلسطينية يعيق أي مشروع لحفظ ذاكرتنا الفلسطينية لكن بشار إبراهيم لم يترك لنا حُجة، فقد كان مقاوما وثائرا وحده، أرسى مشروعه أمام الملأ متحديا كل الصعوبات مواجها العدو بذاكرته العنيدة. ينعاه المخرج السوري الكبير محمد ملص فيقول عنه "فقدنا تلك الجسارة التي تحمي ذاكرة السينما وتدافع عن وجودها.. فقد كانت فلسطينه أيضا". وأكاد أجزم بأنه ربما يكون اللاجىء الفلسطيني الوحيد الذي عاد لفلسطين من خلال الأفلام عنها، فقد كانت فلسطينه فيها.. وقد كان يطارد الأفلام في كل مكان كما قال لي ذات يوم، حينما سألته كيف يجمعها. ذات يوم أرسلت له ورقة عمل عن "توثيق الذاكرة السينمائية الفلسطينية: سينما الثورة نموذجا" ليزودني بملاحظاته، بدأتها بتحذير الكاتب والأديب الفلسطيني الراحل سلمان ناطور،وهو أيضا من أهم حراس ذاكرتنا الفلسطينية، على لسان أبو صلاح اللواح أحد أبطال "ذاكرته" بأنه (ستأكلنا الضباع إن بقينا بلا ذاكرة، ستأكلنا الضياع).. أعجبه يومها الاستشهاد بهذه المقولة.
واليوم بعد رحيله لا بد لنا أن نُحذر أنفسنا بأن الضباع ستأكلنا أيضا إن لم نحفظ ذاكرة بشار إبراهيم وذاكرتنا السينمائية.

بشار إبراهيم أيها المخلوق من زيت الزيتون، ستظل قطرات زيتك تُغذي ذاكرتنا، وستظل عصيا على النسيان، لامعا في جبين كل فلسطيني. وأنت الذي كنت تقول بأن "سينما القضية الفلسطينية نُحتت من حجر" بينما ما كان لها أن تكتمل وتزداد جمالا وألقا وتدوم لولا أنك كنت تنحت تاريخها بمداد قلمك وروحك..  كنت تنهي كل منشور لك على صفحتك بكلمتك الشهيرة "مثلا"، وقد كنت في حياتك وستظل بعد غيابك مثلا واضحا كوضوح الشمس على كيف ينبض قلب الفلسطيني ثورة ومقاومة حتى لو كان وحده.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة