عبد العالي الفاهم
عبد العالي الفاهم
290

الدولار الأمريكي عملة بدرجة ديكتاتور

15/5/2017
الدولار الأمريكي تلك العملة العالمية التي أصبحت "ذهب" العالم، والتي تمثل قوة الولايات المتحدة الأمريكية وسر تفوقها وسيطرتها على العالم. وأساس التبادل التجاري العالمي بين مختلف الدول؛ فهل حقا تستحق منا كأفراد ودول كل هذا التهافت على امتلاك أكبر قدر منها؟

اعتمد الدولار أول مرة سنة 1794م ليكون عملة بعد الثورة الأمريكية وكان الهدف من اعتماده تأسيس نظام مالي جديد خاص بالدولة عوض العملات الأوروبية التي كانت متداولة في السوق، هاته الأخيرة ظلت هي المسيطرة في الأسواق الأمريكية إلى حين أصدرت الدولة عملة ورقية ساهمت بشكل كبير من التخلص من عملات الدول الأوروبية من الأسواق الأمريكية. استغرق الأمر خمسين سنة لإخراج جميع العملات الأجنبية، وفي بدايات القرن التاسع عشر كانت الولايات المتحدة الأميركية مستعدة لتجربة العملة الورقية ثانيةً حيث طبعت الدولة أكثر من 400 مليون دولار سمي فيما بعد بالعملة الخضراء لتمويل الحرب الأهلية، لكنها فشلت وأصبحت عديمة القيمة بحلول نهاية الحرب.

وبعد انتصار الحكومة الأمريكية في الحرب الأهلية عملت الخزينة الأمريكية سنة "1863م" على إخراج الأوراق الخضر من التداول كي تصبح العملة الجديدة هي العملة الوحيدة القابلة للتداول. وعملت على ربط عملتها بالذهب في مطلع القرن العشرين، بحيث أصبح الدولار الأمريكي يساوي ما يعادل 0.88 غرام من الذهب، وذلك لضمان القوة الشرائية للعملة داخل وخارج الدولة على اعتبار استقرار الذهب كمعدن نفيس بالنسبة للعالم بأكمله، لكن القوانين اشترطت حدا أدنى لإجراء أي عملية تحويل -على الأقل ما يساوي 400 أوقية من الذهب.

في الحين الذي توقعت الدول الأخرى التزام الولايات المتحدة بطبع الدولار حسب ما لديها من ذهب قامت الولايات المتحدة بطبع الدولار حسب رغبتها غير آبهة باحترام كمية الذهب التي في احتياطاتها.
ظل العمل على قاعدة الذهب حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، حينما أوقفت العديد من الدول الأوروبية اعتماد تطبيق قاعدة الذهب، وذلك للتخلص من أي قيد لطبع النقود لتمويل الحرب. هذا الأمر أدى إلى نشوء تضخم عام شديد، ومع كل الدمار الذي حصل للدول المتحاربة، ضعفت العملات، وصعبت من عملية إعادة اعتبار الذهب كأساس للنقد الورقي. في المقابل كانت الولايات المتحدة الأمريكية تمر بفترة ازدهار اقتصادي قائم على بيع سلعها للدول المتحاربة دون المشاركة في الحرب، وهكذا خرجت الولايات المتحدة الأمريكية بمزيد من الأرباح حققت لها استقرارا دفعها نحو الريادة الاقتصادية العالمية، لدرجة لجوء دولة كبريطانيا لها، للاستدانة منها، فيما عرف ببعثة الاستجداء عام 1917م.

بعد الحرب العالمية الثانية تضرر الاقتصاد الأوروبي والآسيوي بينما بقي الاقتصاد الأمريكي سالم نسبياً نظرا للمشاركة المتأخرة للولايات المتحدة الأمريكية في الحرب وحسمها الحرب بالقوة الغاشمة "الضربة النووية على اليابان" في زمن قياسي وبأدنى حد من الخسائر والأضرار. في الوقت الذي استنفدت فيه الحكومات الأوروبية احتياطات الذهب واستدانت لسداد قيمة العتاد الحربي الذي كانت اشترته من الولايات المتحدة، تراكم لدى الولايات المتحدة كميات ضخمة من احتياطيات الذهب.

أعطى هذا المزيج في أعقاب الحرب سلطة سياسية واقتصادية نافذة للولايات المتحدة، وفي سنة 1944م نظمت الولايات المتحدة مؤتمرا لتأسيس نظام نقدي دولي لتنظيم الاقتصاد العالمي المتضرر ومواجهة الضائقة المالية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، والذي تمخضت عنه اتفاقية "بريتن وودز" -بموجب الاتفاقية تأسس كذلك صندوق النقد الدولي- وقد قدرت اتفاقية "بريتن وودز" قيمة الدولار عند 35 دولار لكل أوقية ذهب. واشترطت على الدول الموقعة أن تربط عملاتها إما بالذهب أو الدولار مما دفع ببعض الاقتصاديين إلى الاعتقاد بأن الذهب حسب هذه الاتفاقية قد أصبح أساسا للتبادل التجاري العالمي، لكن اتضح فيما بعد أن هذه الاتفاقية كرست فقط الهيمنة الاقتصادية للدولار على اقتصاديات العالم.

ويكفيك عزيزي القارئ بأن تعلم بأن الرصيد العالمي من الدولار كان إبان توقيع الاتفاقية 38 مليار دولار، امتلكت الولايات المُتحدة وحدها منها نحو 25 مليار دولار، بالإضافة على سيطرتها على أكبر احتياطي عالمي من الذهب. وفي الحين الذي توقعت الدول الأخرى التزام الولايات المتحدة بطبع الدولار حسب ما لديها من ذهب قامت الولايات المتحدة بطبع الدولار حسب رغبتها غير آبهة باحترام كمية الذهب التي في احتياطاتها. وهكذا وبعد استشعار العالم لما تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية من سرقة مكشوفة وغش مفضوح بشراء جهد العالم بمجرد أوراق مطبوعة، فقد الجميع الثقة بالدولار الأمريكي فسارع العالم لاكتناز الذهب وقامت العديد من البنوك المركزية في العالم لاستبدال دولاراتها بالذهب. فازداد سعر الذهب ليصل ثمن الأوقية الواحدة إلى 40 دولارا.

وهنا قامت الولايات المتحدة الأمريكية بلعبتها على العالم فقامت ومعها سبع دول أوروبية بإنشاء "مجمع ذهب لندن" وكانت مهمته ضخ أو سحب الذهب "حسب مبدأ العرض والطلب" من الأسواق للحفاض على سعر الذهب عند معدل 35 دولار للأوقية الواحدة، فإذا زاد الطلب على الذهب يقوم هذا المجمع بطرح الكثير منه في السوق فينقص بذلك ثمنه بالنسبة للدولار وإذا انخفض الطلب على الذهب يشتريه هذا المجمع، وذلك كله للتحكم بسعر الذهب في مقابل الدولار.

كل ما تشاهدونه من تضخم وغلاء في الأسعار -الذي يزيد عاما بعد عام- فالمتهم الأول فيه هو الدولار. والسلع لا يزداد ثمنها بل العملة التي بين يديك والتي ترتبط بشكل أو بآخر بالدولار هي من تفقد قيمتها عاما بعد عام.
لقد عمل هذا المجمع بعمله على أكمل وجه إلى أن اندلعت حرب فيتنام حيث عمدت الولايات المتحدة لطبع المزيد من الدولارات لتغطية تكاليف الحرب مما أدى بزعيم فرنسا آن ذاك "شارل ديغول" للخروج من مجمع الذهب واستبداله ملايين الدولارات بالذهب وازداد بشكل جنوني الطلب العالمي على الذهب فازداد سحب الذهب من المجمع وتم اغلاقه سنة 1968م، والذي تكبدت من خلاله الدول التي انظمت لمجمع الذهب خسائر هائلة من مخزوناتها من الذهب فقط للدفاع عن الدولار، في حين كانت الولايات المتحدة تطبع المزيد والمزيد من الدولارات على حساب هذه الدول. وهكذا ازداد الضغط على الدولار وبدأت الخزينة الأمريكية تفقد الكثير من الذهب، ولم تعد تستطيع الالتزام باتفاقية "بريتن وودز". وفي سنة 1971م أعلن الرئيس الأمريكي "نيكسون" الخروج رسميا الخروج من اتفاقية "بريتن وودز" وإيقاف استبدال الدولار بالذهب وتحرير صرفه، فهوت بذلك قيمة الدولار بالنسبة للعملات العالمية الأخرى وبالنسبة للذهب.

وفي خضم هذه الأزمة المالية قررت منظمة الدول المصدرة للنفط "اوبك" قبول الذهب فقط في شراء النفط، جراء ما وقع لها من خسائر فادحة جراء انخفاض سعر الدولار. مما خلق أزمة حقيقية للاقتصاد والنفوذ الأمريكي في العالم. هنا تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية فيما يعتبر تسوية ماكرة مع "اوبك" لزيادة أسعار النفط في العالم مقابل قبولهم للدولار فقط لشراء النفط. فازداد الطلب على الدولار الأمريكي كما ازدادت التدفقات المالية للدول المنتجة للنفط زادت عن حاجة هذه الدول؛ لتكدسها وتقرض بعضها لصندوق النقد الدولي، ليقرضها بدوره للدول الفقيرة والتي غرقت بالديون، ليتم بعد ذلك التحكم فيها وابتزازها للتحكم بقرارها السياسي.

وهكذا أصبحت جميع دول العالم تخضع لورق مطبوع تسعى لامتلاكه وتكديسه وإن تعثرت إحدى الدول لجأت لاقتراضه ليزيد فقرها وتخلفها. وهكذا سيطرت الولايات المتحدة الأمريكية على العالم بورق بلا قيمة جعلت منه ديكتاتورا يحكم مصائر الشعوب. وكل ما تشاهدونه من تضخم وغلاء في الأسعار -الذي يزيد عاما بعد عام- فالمتهم الأول فيه هو الدولار. والسلع لا يزداد ثمنها بل العملة التي بين يديك والتي ترتبط بشكل أو بآخر بالدولار هي من تفقد قيمتها عاما بعد عام.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة