عمرو أبو خليل
عمرو أبو خليل
904

سيكولوجية أصحاب الثروات

15/5/2017

كان لي صديق يعمل مسؤول تسويق بإحدى الشركات وكان يحصل على نسبة من المبيعات في حدود 1٪ كجزء من راتبه وكان يتميز بالنشاط والذكاء في مجال عمله، فوجئت به في أحد الأيام يتصل بي حزينا مندهشا ويقول لي: صاحب الشركة يستكثر عليّ نصيبي من المبيعات لهذا العام ويقول لي: لقد حققت من ورائي مبلغ ضخم، رغم أن ٩٩٪ قد دخلوا جيبه هو، ولكنه ينظر لبضع الآلاف التي اجتهدت بشدة للحصول عليهم، ولا ينظر للملايين التي حصل هو عليها.. "حاجة غريبة، هي الكعكة في يد اليتيم عجبة".. ضحكت وقلت له: هذا جزء من سيكولوجية أصحاب المال ولكنك لم تنتبه لها.

 

إن القرآن الكريم قد شرح نفسية أصحاب الأموال في أربعة مواقع بالتفصيل بشكل رائع ومعجز.. فتعالوا نستعرض هذا التشريح النفسي:

 

١_لنبدأ بقصة صديقنا مسئول التسويق وصاحب شركته، في سورة ص يحكي القران عن الخصمين اللذين اختصما إلى سيدنا داود.

 

وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَب،  إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ، إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ

 

إذن حالة صاحب التسع وتسعون نعجة الذي لا يرى نعاجه ولا تشبع نفسه بهم وتمتد عينه إلى صاحب النعجة الواحدة هي رمز ونموذج نفسي يقدمه الله لنا ليصف حالة الأغلبية لأن تعقيب سيدنا داود هو أن الأكثرية تتصف بهذه الصفة من الشره إلى المال وعدم الاكتفاء بل والنظر إلى من هم أقل والرغبة في الاستحواذ ليكون الاستثناء هو القليل من الذين آمنوا وعملوا الصالحات لتكون المفارقة في قصة صاحبنا أن نسبته هي ١٪ مقابل ٩٩٪ لصاحب الشركة وكأن القصة تتكرر في ثوب حديث ليضحك صاحبنا ضحكة ملؤها المرارة وأنا أشرح له الموقف.

 

٢_لننتقل إلى صفة نفسية أخرى في سورة الكهف في قصة صاحب الجنتين

 

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرا، وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا،  قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً، فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْها حُسْبانا ًمِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً، أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا، وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا

 

إن القران الكريم مثلما يشرح لنا تفاعلاتنا النفسية ونحن نتعامل مع الأموال يقدم لنا روشتة العلاج المعرفية السلوكية بكل وضوح لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد.

صفة نفسية خطيرة هي الاغترار بالمال لدرجة التكبر على خلق الله الاقل ما لا واعتبار أنه صاحب مال لأنه صاحب مكانة عند ربه فلذا أعطاه المال دون غيره فهو يتعامل مع الله بنفس منطق البيزنس أنه طالما صاحب أموال فسيحاسبه الله حتى في الآخرة مثلما حباه في الدنيا، فالأمور مقياسها الوحيد عنده هو امتلاكه للمال ولا يوجد مقياس آخر.

 

والروعة في هذه الآيات أنها تقدم العلاج النفسي لهذه النزعة النفسية المرضية من خلال حوار صاحبه معه وهو أن يتذكر صاحب المال المغرور المتكبر أنه مخلوق من طين ثم من ماء مهين فلا يوجد سبب لغروره لأن أصل خلقه هو محض فضل من الله، وأنه بدل من ذلك التكبر على خلق الله إذا رأى نفسه أكثر مالا هو أن يذكر نفسه بأنها مشيئة الله وأنها قوة الله، لأن الله قادر أن يرزق غيره بنفس القدر وربما أكثر، وأن ينزع عنه هذه الثروة في غمضة عين؛ ليكون العلاج السلوكي لهذا المغرور المتكبر هو أن تزول النعمة منه ليقلب كفيه على ما أنفق فيها ويستوعب الدرس لنفهم كثير من المشاهد لزوال ثروات مليونيرات كانوا ملء السمع والبصر. ونحن نتعجب ونتساءل عن السر ولا نعلم أنه الدرس من الله ليعالج اعوجاج نفسي وليتهم جميعا يفهمون الدرس كما فهمه صاحب الجنتين لأن هناك من لا يفهم الدرس كما حدث مع قارون الذي سنعيش مع آياته في الفقرة القادمة.

 

٣_لتستمر رحلتنا مع فهم نفسية أصحاب الأموال مع أخطر قصة لأن نهايتها مأساوية مرعبة لتحكي لنا سورة القصص ضمن ما تحكي من قصص قصة قارون

قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُلا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ، وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ، قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ، فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ، فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ

 

إنها صفة نفسية جديدة، إنه لا يتكبر على الخلق فقط ولكنه يتكبر على الخالق فعندما يذكره الناس بالله وأنه صاحب النعمة والفضل في كل الأموال الرهيبة التي يمتلكها يرد ردا يستبطنه معظم أصحاب الأموال ويعلنه قليل منهم: إنما أوتيته على علم عندي، إنها مهاراتي وإمكاناتي وعبقريتي هي ما جلبت لي الأموال، وهو أخطر ما يبتلى به صاحب المال نفسيا، فلا يرى الرزاق ذو القوة المتين ويتصور أنه يرزق نفسه بنفسه.

 

لقد تحدث القرآن مباشرة تعقيبا على هذه المقولة عن إهلاك الأمم الأكثر قوة وجمعا عندما داخلها هذا الشعور ولم يكتف قارون بذلك بل اخرج مشهدا متكررا في سلوك أصحاب الأموال وهو التظاهر بالمال والاستقواء به في تفسير نفسي ملفت لسلوك رجال الأعمال لأفخم السيارات واليخوت والقصور أنه الخروج على الناس بالزينة لإبهارهم والتأكيد أنه صاحب الفضل في ما وصل إليه من ثروة فهو يستعرض مفردات هذه الثروة وتصيبه النشوة وهو يرى في أعين الناس نظرات الإعجاب والتمني لثروته ولحظه لتكون النهاية غير السعيدة هذه المرة لأن صاحبها لم يسمع للناصحين ولم يعطي نفسه فرصة للرجوع ليكون الخسف دون أي عقوبة أخرى أي أن ينمحي هذا الرجل من الأرض تماما هو ثروته التي جعلت نفسه تتحدى الله.

 

مشهد نفسي متكرر بدرجات مختلفة، إنها أطياف، إنما أوتيته على علم عندي، نضبط أنفسنا متلبسين بقولها بأشكال مختلفة لنلقى أيضا مصائر متفاوتة حسب درجة تمكن المعنى من نفوسنا وقلوبنا ليفسر كثيرا من المشاهد التي تمر أمام أعيننا وتحتاج قلوب يقظة لتعيها.

 

٤_ لتكون قصة أصحاب الجنة هي نهاية تطوافتنا النفسية في سورة القلم لتكتمل لدينا صورة كاملة نفسية لأصحاب الأموال قد تكتمل كل جزئيتها في شخص واحد وقد يكون البعض حظ من بعضها في بعض الأوقات أو المواقف.

 

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ  وَلَا يَسْتَثْنُونَ  فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ  فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ  فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ،  أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ

 

إنها بانوراما نفسية متكاملة تضعنا أمام أنفسنا ليس بكلام نظري قد يفهمه البعض ولا يستوعبه البعض بل من خلال مواقف عملية تشرح خبايا النفوس بشكل نلمسه ونعيشه

إنها صفة نفسية جديدة وهي الشح والبخل الذي يعتري أصحاب الاموال فيعتبرون أن ما يبذلونه من صدقات أو زكاة هي انتقاص لأموالهم التي بذلوا الجهد فيها ليأتي هؤلاء الفقراء الكسالى ليحصلوا على ثمرة كدهم بسهولة فلنتخفى من هؤلاء الفضوليين المتطفلين حتى لا يحصل هؤلاء على أي أموال منا وهم لا يعلمون أنهم ربما يرزقون من اجل هؤلاء وان هذا حق الفقراء وليس تفضلا منهم ولذا كان الدرس قاسيا عمليا سلوكيا ليستوعبوا الدرس الذي كان أوسطهم قد نبههم إليه وأنهم نسوا الله الرازق المنعم الذي يؤدون شكر نعمته من خلال زكاتهم بجزء من ثمرهم ليتصوروا أيضا أنها ملكهم هم وثمرة جهدهم هم.

 

نسوا الله فذكرهم الله بنفسه فذهبوا يتلاومون ثم يعلنوا رغبتهم في العودة إلى الله والتخلص من هذا الشح النفسي الذي أوضح صورته النبي الكريم في حديثه عن ابن ادم الذي لا يشبع حتى لو أوتي جبل من ذهب حيث لا يملأ جوف ابن ادم إلا التراب وحيث تؤكد الآية الكريمة أن ابناء آدم لو امتلكوا خزائن رحمة الله لبخلوا وقتروا خشية الانفاق.

 

وختاما، إنها بانوراما نفسية متكاملة تضعنا أمام أنفسنا ليس بكلام نظري قد يفهمه البعض ولا يستوعبه البعض بل من خلال مواقف عملية تشرح خبايا النفوس بشكل نلمسه ونعيشه.

 

والأعجب أنها لا تجعله قدرا محتوما على كل أصحاب الأموال بل إنها تقدم العلاج النفسي الناجح، ففي كل موقف هناك المعالج النفسي الذي يقدم النصيحة والسبيل للتخلص من هذه الصفات النفسية المذمومة فداود عليه السلام مع الخصمين والصاحب مع صاحب الجنتين ثم قوم موسى مع قارون والاخ الأوسط مع أصحاب الجنة.

 

إن القران الكريم مثلما يشرح لنا تفاعلاتنا النفسية ونحن نتعامل مع الأموال يقدم لنا روشتة العلاج المعرفية السلوكية بكل وضوح لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة