محمد مختار الشنقيطي
محمد مختار الشنقيطي
4.5 k

أوراق الربيع (19).. السلفية الجهادية الشيعية (1)

16/5/2017

انشغل أغلب الدارسين والمحللين السياسيين في العالم العربي اليوم بالسلفية الجهادية السُّنِّية، وأهملوا السلفية الجهادية الشيعية، رغم أن السلفية الجهادية الشيعية أخطرُ وأعمق جذورا في تاريخ المنطقة وثقافتها من نظيرتها السُّنِّية. ويدل ذلك الانشغال وهذا الإهمال إلى انفعال ثقافتنا السياسية بأولويات الآخرين ومقاصدهم، وعدم تأسيسها على أرضية صُلبة من تحديات واقعنا الموضوعية. وسنسعى إلى الإسهام في سدِّ هذا الفراغ المعرفي والسياسي، خلال هذا المقال ومقالات آتية إن شاء الله.

 

ولا بد من التنبيه في صدر هذه المقالات إلى أني لستُ ممن يرون التضييق على الشيعة في عقائدهم أو شعائرهم، بل أنا من المؤمنين إيمانا عميقا بقول الله عز وجل: (لا إكراه في الدين)، وبأن الله تعالى هو الحسيب المحاسِب في ذلك فلكل إنسان أن يعتقد بما يشاء من عقائد وأديان، ويمارس ما يشاء من شعائر وعبادات، ما لم يترجم ذلك إلى ظلم وعدوان، وتأبيدٍ لأحقاد القرون، وتشتيتٍ لصف الأمة. كما أني من المؤمنين بأن لا حلَّ للمعضلة السنية-الشيعية إلا ببناء دولة العدل والحرية التي لا ازدواجية فيها ولا مثنوية. فالباعث على الكتابة هنا هو تشريح الظاهرة الشيعية في بعدها النفسي والاجتماعي والسياسي، وفيما ترتب على هذه الأبعاد من ظلمٍ وبغيٍ ضد غالبية الأمة، وتمزيقٍ لقلبها.

 

والمقصود بالسلفية الجهادية الشيعية هنا هو الدولة الإيرانية بنظام الفقهاء الشيعة الذين يحكمونها منذ ما قارب أربعه عقود، والحركات السياسية والعسكرية الشيعية العنيفة المرتبطة بإيران، والتي تمارس خروجا على مجتمعاتها، وتنتظم في ميليشيات عسكرية، وتستلهم تعليمات القادة الإيرانيين، حتى أصبحت امتدادات عسكرية وأديولوجية وسياسية لإيران، وأذرعا ضاربة لها، تنشر من خلالها الخراب والدمار في أرجاء المشرق العربي (الجزيرة العربية والعراق بلاد الشام). وقد دعونا هذه الظاهرة الشيعية "سلفية"-تجوُّزاً- بناء على استئسارها الشديد للماضي، ودعوناها "جهادية" -تجوزا أيضا- تماشيا مع اصطلاح شائع اليوم في توصيف الظواهر العنيفة ذات التسويغات الدينية المغلقة، مع علمنا أن هذه الظاهرة أبعدُ ما تكون عن منهاج السلف الصالح، وعن روح الجهاد كما بينه القرآن والسنة.

 

العدو في العقل الشيعي عدو مسلم داخلي، والدعوة نشرٌ المذهب داخليا بين المسلمين، والفتوح تمددٌ عسكري داخلي في الجسد الإسلامي

وعلى عكس السلفية الجهادية السنية التي كانت -ولا تزال- ظاهرة هامشية في المجتمعات السنية، تفتقد إلى الشرعية في نظر أغلب أهل السنة، وتحاربها أغلب حكومات الدول ذات الغالبية السنية، وتخاصمها أغلب الحركات السياسية الإسلامية السنية ذات المنزع الديمقراطي... فإن السلفية الجهادية الشيعية اجتاحت جل المجتمعات الشيعية في العالم، فحازت الشرعية داخل تلك المجتمعات، وساندتها إيران -أكبر دولة شيعية في العالم اليوم- وأمدتها بالمال والسلاح والخبرة والتأطير الأديولوجي والسياسي. لذلك اعتبرنا إيران جزءا محوريا من السلفية الجهادية الشيعية، بل هي مركز الثقل فيها، بينما لا يمكن أن نحسب أي دولة سنية ضمن تيار السلفية الجهادية السنية، إذا لا تتبناها دولة سنية ولا تدعمها، بل تعاديها كل الدول ذات الغالبية السنية.

 

وسنبدأ هذه السلسة بالبحث في الجذور النفسية والثقافية لظاهرة السلفية الجهادية الشيعية، قبل أن نعرِّج على دلالاتها الاستراتيجية، وأهميتها للقوى الدولية الساعية إلى تفتيت المنطقة من جديد، المصرَّة على تعويق ظهور قاعدة صلبة في قلب العالم الإسلامي تلملم شتاته، وتدرأ عنه المخاطر. كما ستتضمن هذه المقالات الفروق بين السلفية الجهاية الشيعية والسلفية الجهادية السنية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، دون أن يكون لها من التأثير والأهمية الاستراتيجية ما للسلفية الجهادية الشيعية.

 

لا يمكن فهم ظاهرة السلفية الجهادية الشيعية التي يلتهم حريقها المشرق العربي اليوم، ويغرقه في الدماء والدموع منذ ثلث قرن، دون فهم ظاهرتين عميقتين في التاريخ الشيعي، إحداهما ثقافية وأسميها "الذاكرة الموتورة"، والأخرى سياسية وأدعوها "المنطق الإحلالي." أما "الذاكرة الموتورة" فهي ثقافة الانتقام والثأر الضاربة الجذور في العقلية الشيعية. وهي تكشف عن منزع نفسيٍّ عليل، يعيش الزمن كله في التباريح والأحزان، ويغذِّي روح الانتقام والثأر، ويورِّثها من جيل لجيل، عبر عدد هائل من الطقوس والشعائر، تنطبع كلها بطابع الحزن الظاهر والمُضمَر، والمزاج المأساوي السوداوي المعتم. وأما "المنطق الإحلالي" فهو إحساس الشيعة بأن رسالتهم الدينية والإنسانية هي إزاحة الوجود السني، والتمدد على حسابه، سواء بالدعوة أو بالقتال. فالعدو في العقل الشيعي عدو مسلم داخلي، والدعوة نشرٌ المذهب داخليا بين المسلمين، والفتوح تمددٌ عسكري داخلي في الجسد الإسلامي.

 

وكان الباحث المصري المتخصص في الشأن الإيراني والتركي الدكتور مصطفى اللباد، وعالم الاجتماع العراقي علي الوردي من بين الباحثين العرب المعاصرين الذين انتبهوا للظاهرة الأولى -ظاهرة الذاكرة الموتورة- وعمقها في الثقافة الشيعية، وإن لم يسمِّها أي منهما بهذا الاسم. فلم يكن مصطفى اللباد مبالغا حين عنون أحد كتبه عن إيران وولاية الفقيه بعنوان (حدائق الأحزان)، وقد لاحظ في صدر الكتاب "حزن الايرانيين الدائم الذي يبدو ركنا أساسيا في وجدان المسلمين الشيعة عموما، والايرانيين خصوصا"  (مصطفى اللباد، حدائق الأحزان: إيران وولاية الفقيه، ص 8). وتوقف اللباد في أكثر من موضع من كتابه عند "الحزن الشيعي الدفين" (ص 19)، وهو حزن يشبُّ عليه الصغير، ويشيب عليه الكبير، وتتوارثه الأجيال، وكأنه كنز ثمين لا يستقيم أمر الدين أو الدنيا إلا بالمحافظة عليه، واستلامه من الأجداد، وتسليمه إلى الأحفاد! يقول اللباد: "تطالعك الرايات السود أينما توجهت في طهران خلال الأيام العشرة الأولى من شهر المحرم، وهي ذكرى أيام عاشوراء... وتلاحظ أن الأطفال لا يلعبون كعادتهم في الشوارع والطرقات، بل يبدو عليهم الوجوم." (اللباد، حدائق الأحزان، ص 18).

 

أما عالم عالم الاجتماع العراقي الراحل الدكتور علي الوردي (1913-1995) -وهو منحدر من أسرة شيعية- فقد أدرك جوهر التشيع كمخزون نفسي وثقافي فهما عميقا للغاية. ومن النظرات العميقة التي خلَّفها لنا علي الوردي تشبيهه التشيع بالبركان الخامد الذي يُتوقع ثورانه في كل لحظة، فكتب منذ عقود يقول:

 

الغريب في الدول الشيعية الكبرى في التاريخ الإسلامي أنها تسير في الاتجاه المعاكس تماما، ويتحكم في مسارها منطق إحلالي، يجعلها تتمدد اعتقاديا وعسكريا داخل الجسد الإسلامي ذاته

"إنهم [أي الشيعة] اليوم ثوار خامدون، فقد خدَّرهم السلاطين، وحولوا السيوف التي يقاتلون بها الحكام قديما إلى سلاسل يضربون بها ظهورهم، وحرابا يجرحون بها رؤوسهم، ومن يدري فقد يأتي عليهم يوم تتحول فيه هذه السلاسل والحراب إلى سيوف صارمة من جديد... إن موسم الزيارة في كربلاء يمكن تشبيهه بموسم الحج لكثرة الوافدين إليه، هذا ولكن الزيارة الشيعية تختلف من بعض الوجوه عن الحج، إذ هي تحمل في باطنها بذرة من الثورة الخامدة، ومن يشهد هرْج الزوار في كربلاء يدرك أن وراء ذلك خطرا دفينا... شبَّهنا التشيع في وضعه الراهن بالبركان الخامد، فهو قد كان في يوم من الأيام بركانا ثائرا، ثم خمد على مرور الأيام، وأصبح لا يختلف عن غيره من الجبال الراسية إلا بفوهته والدخان المتصاعد منها، والبركان الخامد لا يخلو من خطر رغم هدوئه الظاهر، إنه يمتاز على الجبل الأصم بكونه يحتوي في باطنه على نار متأججة، ولا يدري أحد متى تنفجر هذه النار مرة أخرى." (علي الوردي: وعاظ السلاطين، ص 255).

 

ومن الواضح أن البركان الشيعي الخامد الذي تحدث عنه الوردي قبل الثورة الإيرانية قد انفجر انفجارا مدويا. فقد فتح البركان الخامد فوهته على مصراعيها، فغطى إيران بلهبه، وألقى بحُممه فأحرق العراق، وامتد حريقه في أيامنا إلى سوريا واليمن. ولا يكفي تفسير هذا الانفجار البركاني بظلم الشاه أو بدور الاحتلال الأميركي للعراق أو بالمزاج الثوري الذي رافق الربيع العربي. فقد عانت شعوب عديدة من الاستبداد ومن الاستعمار وجربت الثورات، فلم تكن ثمرات كل ذلك انفجارا بهذه الروح والمزاج. وإنما يحتاج الأمر إلى أخذ ذلك المخزون النفسي الذي تحدث عنه اللباد والوردي في الاعتبار.

 

أما المنطق الإحلالي الذي نراه اليوم في التمدد الشيعي وما نتج عنه من تغييرات ديمغرافية، فهو ظاهرة ضاربة الجذور في التاريخ السياسي الشيعي. وقد تكررت هذه الظاهرة من قبل خلال حقبتين من التاريخ الإسلامي، كانت للشيعة فيهما صولة ودولة. فقد كان العرف التاريخي في عصر الفتوح الإمبراطورية أن أي دولة مسلمة وُلدت على الأطراف تتوسع على حساب غير المسلمين، نشرا للدين بالدعوة، وتوسيعا لحدودها بالقوة. لكن الغريب في الدول الشيعية الكبرى في التاريخ الإسلامي أنها تسير في الاتجاه المعاكس تماما، ويتحكم في مسارها منطق إحلالي، يجعلها تتمدد اعتقاديا وعسكريا داخل الجسد الإسلامي ذاته.

 

كانت الدولة الفاطمية (297-567هـ/909-1171م) أُولى الدول الشيعية الكبرى في التاريخ الإسلامي، وقد ولدت هذه الدولة في القيروان، فكان يُفترض -بمنطق عصر الفتوح الامبراطورية- أن تتوسع جنوبا في إفريقيا الوثنية، أو شمالا في أوربا المسيحية. لكنها توسعت شرقا، فغزت مصر، واتخذتها مركزها، ومنها ظلت في صراع دائم مع الدولة العباسية على بلاد الشام، بل وعلى العراق ذاته الذي كان يومذاك مركز الخلافة الإسلامية السنية. وقد استنزف صراع الفاطميين مع العباسيين قلب الحضارة الإسلامية، ومهَّد للغزو الفرنجي والمغولي المدمر.

 

لكي يفهم جمهور المسلمين حالة التفجر الشيعي داخل الجسد الإسلامي اليوم، فهو بحاجة إلى فهم ظاهرتيْ "الذاكرة الموتورة" و"المنطق الإحلالي"، وهما ظاهرتان تكوينيتان في الثقافة الشيعية

ثم ولدت الدولة الصفوية (907-1148هـ/1501-1736م) فكانت ثاني دولة شيعية كبرى في التاريخ الإسلامي، وكان يُفترض -بمنطق عصر الفتوح الامبراطورية مرة أخرى- أن تتوسع الدولة الصفوية شرقا تجاه الصين، أو شمالا تجاه روسيا وشرق أوروبا. لكن ما حدث -كما حدث مع الفاطميين من قبل- هو أن الدولة الصفوية بذلت كل طاقتها في السعي إلى التوسع على حساب العثمانيين في العراق وشمال الشام وشرق الأناضول. ومرة أخرى استنزف صراع الصفويين مع العثمانيين قلب العالم الإسلامي في حروب مدمرة، وأضعف الدولة العثمانية التي كانت درع العالم الإسلامي ضد أوروبا المسيحية آنذاك.

 

وما نراه اليوم من توسع السلفية الجهادية الشيعية بقيادة إيران، وتمددها العنيف في جوارها العربي الإسلامي، امتدادٌ لذلك المسار التاريخي الذي عرفه التاريخ الإسلامي من قبل، ما بين القرن الثالث والسادس الهجريين مع الدولة الفاطمية، وما بين القرنين العاشر والثاني عشر الهجريين مع الدولة الصفوية. إنه دائما مسار التمدد الشيعي العنيف داخل الجسد الإسلامي بذاكرة انتقامية موتورة، ومنطق إحلالي لا يرضى بأقل من إزاحة الوجود السني، والحلول محله. وهو ما أدى في الماضي وفي الحاضر إلى تفتت نواة الأمة، وتمزيق قلبها، وانكشافها أمام كل عدوٍّ طارق. فلكي يفهم جمهور المسلمين حالة التفجر الشيعي داخل الجسد الإسلامي اليوم، فهو بحاجة إلى فهم ظاهرتيْ "الذاكرة الموتورة" و"المنطق الإحلالي"، وهما ظاهرتان تكوينيتان في الثقافة الشيعية.

 

(يتواصل)

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة