محمد سميح
محمد سميح
67

التاريخ بين الاستمتاع والعبرة

16/5/2017
يجهل  الكثير من الناس المعنى الحقيقي لدور التاريخ في بناء المجتمعات البشرية، فالتاريخ ليس حكاية ترويها لأطفالك قبل النوم عن أشخاص عاشوا في عصر من العصور أو ملاحم وصراعات حدثت بين الأمم والشعوب تقرأها للاستمتاع بها، وهو ليس أيضا بوابة لإضاعة الوقت بين صفحاته، وليس مجرد تخليد لأسماء أحدثت تغييرا في مجتمع من المجتمعات بل إنه يتعدى هذه الأمور بمراحل.
 
إن التاريخ في البداية ينقل لنا التجارب السابقة التي خاضتها الشعوب التي مرت على هذه الأرض فمن خلال تجاربهم وما آلت إليها هذه التجارب نستطيع استنباط القواعد العملية التي أدت إلى نجاح حضارة من الحضارات والأخطاء التي أدت إلى فشل الأخرى وأسباب استقرار أمة من الأمم أمام أحداث هزت ودمرت أمما أخرى.

كيف أن الملوك في الأندلس وتحديدا ملوك الطوائف دمروا دولتهم بسبب النزاعات من أجل السلطة والانفراد بالحكم، بل وزادوا على ذلك بالتحالف مع أعدائهم!
فعلى سبيل المثال نستطيع دراسة العصر الإسلامي في عهد الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز وكيف آلت إليه الدولة الإسلامية في عهده إلى حالة من الرخاء، فعمر بن عبد العزيز لم يأخذ المُلك مَأخَذ أنه ملك أبيه ويستطيع أن يتصرف فيه كما يشاء بل أخذه مَأخذ المُستَأمن على مُلكِ سيده يتصرف فيه بما يعود على هذا المُلكِ بالمنفعة فأخذ بالشورى ورد المظالم والعدل ونشر العلم بين الناس وتدوين الحديث وغيرها من الأعمال الجليلة التي قل وجودها في حاكم من الحكام.

وقد استشار الحسن البصري في كيفية أن يكون إماما عادلا فأجابه الحسن: الإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأب الحاني على ولده يسعى لهم صغاراً ويعلمهم كباراً يكتب لهم في حياته ويدخرهم بعد مماته والإمام العادل يا أمير المؤمنين كالأم الشفيقة البّرة الرفيقة بولدها حملته كرهاً ووضعته كرهاً وربته طفلاً تسهر بسهره وتسكن بسكونه ترضعه تارة وتفطمه أخرى وتفرح بعافيته وتغتمّ بشِكايَتِه.

والإمام العادل يا أمير المؤمنين وصيّ اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم، والإمام العادل يا أمير المؤمنين كقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده، والإمام العأدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين الله وبين عباده يسمع كلام الله ويُسمعهم وينظر إلى الله ويريهم وينقاد إلى الله ويقودهم فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملَّكك الله كعبد ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله فبدَّد وشرَّد العيال فأفقر أهله وفرَّق ماله.

وما نتيجة ذلك إلا أن تنعمت الأمة الإسلامية بهذا العدل الذي عم الدولة شرقا وغربا فهذا مثال واضح لأي ملك يريد أن تنعم دولته برخاء اقتصادي وانتشار الثقافة بين أفراد المجتمع وان يُخرِجَ جيل معتز بدينه.

الإمام العادل وصيّ اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم، والإمام العادل  كقلب بين الجوانح تصلح الجوانح بصلاحه وتفسد بفساده.
على الجانب المقابل يُمكن أن نرى كيف أن الملوك في الأندلس تحديدا ملوك الطوائف كيف أنهم دمروا دولتهم بسبب النزاعات من أجل السلطة والانفراد بالحكم، بل وزادوا على ذلك بالتحالف مع أعدائهم من أجل النيل من إخوتهم وإن كان يعني ذلك ذلهم لأعدائهم وفي النهاية سقطوا الواحد تلو الآخر.

ليس العجب كيف أن الحضارات السابقة سقطت بل العجب العجاب أن الكثير من الناس من منزلة الحكام إلى الأفراد مرورا بالشركات والمؤسسات يخطئون ويقعون في نفس الخطأ الذي وقع فيه من سبقهم وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن القراءة للتاريخ يجب أن تكون قراءة ينجم عنها نتائج تعود بالنفع على قارئها لا على سبيل الاستمتاع! وهذا غيض من فيض فوائد التاريخ. 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة