مضر محب الدين
مضر محب الدين
212

نكبتهم ونكبتنا

16/5/2017

لا أكون مبالغا إن قلت: إن مأساة الشام قد بدأت منذ فتح القسطنطينية. وستسألني: ما علاقة الشام بالقسطنطينية؟ وكيف يكون الفتح بداية للمأساة؟ نعم هو كذلك.
 

كانت الأمة الإسلامية تنتشر في كل الأرجاء بسرعة وثبات، وتكتسب معه كل يوم مؤمنين جدد، وما تكاد هذه الأمة تمرض حتى تقوم من سقطتها أقوى مما كانت، لا أستطيع أن أصف واقع المسلمين مع انحسار العباسيين في الشرق، والأمويين في الأندلس وتشريد المغول لمسلمي الشرق إلا بحالنا اليوم، قمة الضياع والتشرذم والتشتت، فقذف الله الإيمان في قلوب أقوام من التركمان، حملوا راية الدين وخلافة المسلمين، وجمعوا كلمتهم وحموا بيضتهم، كل ذلك لم يكن كافيا لتستشعر أوربا خطر الإسلام الوجودي، فهي استرجعت إسبانيا، ومازالت بقبضتها قلعتها العظيمة القسطنطينية، وهي وأن كسرت حملاتها الصليبية على الشام، إلا أن الأمر بين أخذ ورد وجزر ومد وإرخاء وشد، وقد كان سيف الأوربيين في القسطنطينية وعينهم على الشام.
 

لكن ما أيقظ الأوربيين من هذه الأحلام، ورد عينهم عن الشام، وكسر سيفهم في القسطنطينية، ليس كونها فتحت وأصبحت إسلام بول أي مدينة الإسلام بعد أن كانت مدينة قسطنطين، فحسب، بل ما راعها هو قدرة الإسلام على إعادة التكون والتشكل والتنظيم، فكل جرح جديد يزيد أبناءه قوة إلى قوتهم.
 

في ذلك اليوم الذي كنا نشرب فيه شراب النصر، كان الأوربيون مع تجرعهم كأس الهزيمة، ينهلون أيضا دروسا من هذه الخسارة، إن المتتبع لتاريخ النهضة الأوربية، يعلم كيف شكل سقوط القسطنطينية نقلة نوعية من عقلية التصدي المباشر للمشروع الإسلامي إلى التعلم من حضارة الإسلام، وأستطيع أن أقول أنهم هضموا علوم المسلمين الدنيوية وطوروها وتجاوزوها، فقط العلوم المادية، أما علوم الشريعة فلوا اعتنقوها لانتهى الخلاف معهم، لقد أخذوا كل علومنا وزادوا عليها، فلما بنوا أنفسهم وحصنوا أوطانهم، تفرغوا لبلادنا على مرحلتين، الأولى كانت هدم ما كنا بنيناه ببطء، وتتوجت هذه المرحلة بالاستعمار المباشر، وإسقاط الخلافة العثمانية، والمرحلة الثانية التحكم بذيولهم عن بعد والتدخل عند الضرورة.
 

لقد خرج الفلسطيني يوم نكبته في تغريبة مضنية، يحمل مفتاح بيته المقدسي وحلم العودة، أما السوري فقد خرج على فتحات الموت عاريا متخليا في كثير من الأحيان عن بعض أجزاء جسده، ولا داعي ليحمل مفتاح باب منزله الذي انتزعته قذيفة المحتل.

لم يكن نابليون وهو يمخر عباب المتوسط يسعى لسيطرة مؤقتة على الشرق، لقد جاء ليستمر، كانت سفنه تأتي إلى الشرق محملة بالمطبعة والعلماء المستشرقين، وتعود بالآثار والطلاب المتغربين، فماذا فعلنا في مواجهته؟ لم نفعل أكثر من لا شيء يستحق الذكر. لم يكن الإنكليز ليستمروا في استعمارهم طول الزمان في الشرق، لكنهم يريدون الاستمرار عن طريق ذيل صهيوني يزرعونه في الأرض المباركة التي لا يتخلى عنها مسلم ولا كافر.
 

نفس المشهد الذي نراه اليوم في الشام كان في فلسطين من أكثر من نصف قرن، شعب أعزل معه الإيمان والشرف والكرامة لا يملك سلاحا، وجنود معهم البنادق والمركبات والبارود، ولا ينقصهم إلا الإيمان والشرف والكرامة.
 

مجازر دامية وقذائف حامية وشعوب مجاورة لاهية، ينتشر الدم في كل طريق وعلى كل مفرق، وتكوم جثث الأطفال كأنها أكياس قمامة، يخنق الأطفال في أحضان أمهاتهم بالحبال أو بالسارين، لا فرق فالموت واحد والقاتل واحد، تسجن النساء ويعبث بشرفها من عديمي الشرف، يعتقل الرجال ويجوعون حتى الموت، تمحى مدن من على الخريطة ويغير اسمها وتغير معالمها ولا يرفع فيها الأذان، يمنع أصحاب الأرض من الجنسية وجوازات السفر والتعليم والصحة، ويأتي تافه أخرق من خلف البحار ليمتص كالذبابة القميئة خيرات بلدك . كلها قصص حدثت في فلسطين يوم احتلها الصهاينة وما تزال مستمرة إلى اليوم في فلسطين وسوريا والموصل وسائر الأرض المباركة حول المسجد الأقصى فماذا يفعل أولئك المستضعفون، غير أنهم سيفرون ويهربون، وكيف يكون قتال وجهاد بدون تدريب وإعداد وخسارة المعركة ليست وليدة اللحظة بل هي خسارة متراكمة وسوء إعداد.
 

لقد خرج الفلسطيني يوم نكبته في تغريبة مضنية، يحمل مفتاح بيته المقدسي وحلم العودة، أما السوري فقد خرج على فتحات الموت عاريا متخليا في كثير من الأحيان عن بعض أجزاء جسده، ولا داعي ليحمل مفتاح باب منزله الذي انتزعته قذيفة المحتل.
 

إن النكبة التي يكون التغيير الديموغرافي أكثر صورها بشاعة وقسوة على الأحياء واقع لابد منه، فكيف للمحتل أن يبني ويشيد ما يثبته في الأرض دون طرد شعبها؟ وكيف لمن يقول إن سوريا لمن يدافع عن نظامها أن يستمر نظامه دون زرع شذاذ الآفاق مكان أهل البلد؟ هذا أمر يجب أن نستوعبه، لكن كيف نستفيد من نكبتنا في فلسطين وكل الشام كما استفاد الأوربيون من نكبتهم في القرون الوسطى، وكم من الوقت سنحتاج لندرك ثم لنخطط ثم لننفذ نهضة هذه الأمة؟ التي ليست الأرض أكبر خساراتها، لكن خسران الجيل وتغريبه وإبعاده عن دينه هو النكبة الحقيقية.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة