فرح أشباب
فرح أشباب
1.7 k

فلسطين النكبة.. الندبة العالقة بروحنا

18/5/2017

لا أدري هل هي مجرد صدفة أم أن القدر قرر وحبك بإتقان
كي أنهي منذ يومين كتاب "بينما ينام العالم" "Mornings in Jenin " للكاتبة الطبيبة الفلسطينية الأمريكية "سوزان أبو الهوى" التي حكت عن قصة أربعة أجيال من الفلسطينيين الذين هجروا وقتلوا وسلبوا تاريخهم وأرضهم وإنسانيتهم ودماءهم ولازالوا يدفعون ثمن شيء لم يقترفوه، دافعين بذلك ضريبة الهولوكوست الذي قام به هتلر بينما تنعم ألمانيا برغد وهناء وتعتبر من أعظم الدول في حين أن الفلسطينين المرضى لا زالوا يموتون على المعابر في انتظار العبور إلى مصر "الشقيقة".

الصدفة وعبقرية القدر تكمن في ذكرى مرور 69 سنة بالتمام على النكبة، السنة التي توقف عندها المستقبل والتي سطرت لتاريخ جديد وحفرت وديانا وأخاديد وجبالا من الرعب والشجاعة والدم والعظام والدموع والأمل وصيحات المواليد الجدد في المخيمات وصرخات النسوة اللواتي يودعن شهيدا واستماتة أم ثكلى لا تريد أن تبكي على استشهاد فلذة كبدها لأنها ستنهار لو فعلت العكس.

بعيدا عن الحماسة الطفولية التي كنت أجوب بها الشوارع في مدينة فاس في المغرب أنا وأصدقاء المدرسة مطالبين بمحاكمة الصهاينة الذين لم يسلم من غدرهم لا صبي ولا عجوز ولا امرأة ولا شجرة زيت وبعيدا عن كوني عربية كانت تدافع ببلاهة الأطفال عن قضية متجدرة في التاريخ بطرق بسيطة وخيالية إلا أنني أومن بكل جوارحي أن القضية الفلسطينية عادلة وأن الإنسان العاقل وصاحب الضمير أينما كان وكيفما كان سيشاطرني الرأي.

غسل الشباب أنفسهم من الأحلام، صاروا عجزة في أجساد شبان، صارت نظراتهم شاردة تحدق في الفراغ وتنظر إلى حياة انتهكت طفولتها وعلق مستقبلا بين الخوف واليقين، ذلك اليقين الفلسطيني الراسخ الذي لا يحتمل الشك مطلقا بعدالة القضية.

"مهما كان شعورك اكبتيه داخلك" هذه هي الوصية التي أوصت بها دائما الفلسطينية داليا ابنتها آمال مؤكدة بذلك على ضرورة القوة والثبات خلال الحرب لأن الموقف لا يستحمل الضعف من طفلة اختلطت في حياتها الدمى والدماء والبنادق. لكنني لم أستطع أن أكبت شعوري داخلي وأنا أقرأ قصة عائلة أبو الهيجا منذ النكبة إلى نهاية الرواية، لذلك بكيت على شط البحر وفِي القطار والشارت والسيارة وكل مرة تذكرت فيها مشهدا لسع روحي وفؤادي.

تسعة وستون عاما ويومان ومحرقة ونكبة واستيطان ومخيمات لجوء ويتامى وأرامل وثكالى وأم منزوية في ركن تجلس القرفصاء فوق حجرة ناتئة، تنساب دموعها وتسقط على الجانب الخطأ، على محيط لا قعر له داخلها. ضاع كل ما كانت تملك وكل ما كان يملكها، أبناؤها وزوجها وحبها الأول، جواهرها ومطبخها وغرفة نومها ودشتاشتها ووشاحه الذي أهداها إياه رفيق دربها الذي عرفت من يد جثة طائشة أنه استشهد. كيف لذلك للرجل الذي لا ينزع الكوفية من على رأسه وكأنه يشم فيها رائحة فلسطين أن يموت بهذه الطريقة دون أن يرى أرضه قد حررت من المغتصب.

هناك حين تجتمع كل أمنيات طفلة صغيرة فتصير رؤية والدها ولو لمرة وحيدة وأخيرة لتنتزع بذراعيها وخياشيمها رائحته التي تجمع كل الذكريات والقصص والقصائد والكتب التي قرأها على مسامعها عند الفجر كل يوم. كان يحفر في ذاكرتها الذكرى التي لا تموت أبدا. ذكرى الأرض، حقول الزيتون، كروم عين حوض، ينابيع قلقيليه، تلال طول كرم، منازل خان الخليلي، قبة الصخرة، القدس، سهول حيفا، جمال يافا، غزة البحر، أريج الياسمين والتفاح والورد، عبق الزعتر والحبق والزيتون وزيت الزيتون التي تقطفها أيادي الفلسطينيين وتعصر في معصرة القرية.
 

لاحت أحلام أخرى في خيال الطفلة بعدما أيقنت وفاة والدها ودخلت الميتم، كانت تتمنى سريرا حقيقيا، قسما وليس خيمة، منزلا تسمع فيه كلمة أبي وأمي من أخويها، دمية حقيقية، فستانا ملونا بالزهور خال من آثار الخيط المرمم وأمنية أخيرة رغم أنها كانت تراها بعيدة بعد الزمن: أن ترى البحر ولو لمرة واحدة. كانت تحلم كذلك بحياة لا جنود فيها ولا دبابات ولا بنادق. يعيش الموت هناك وكأنه فرد من أفراد الأسرة حين يغيب قليلا يترقبه الجميع لأنه سيكون حتما في الخيمة المقابلة أو الزقاق المؤدي إلى بوابة المخيم.

غسل الشباب أنفسهم من الأحلام، صاروا عجزة في أجساد شبان، صارت نظراتهم شاردة تحدق في الفراغ وتنظر إلى حياة انتهكت طفولتها وعلق مستقبلا بين الخوف واليقين، ذلك اليقين الفلسطيني الراسخ الذي لا يحتمل الشك مطلقا بعدالة القضية. "بأن القدس التي طبع الطغاة أقدامهم على ترابها قد غزيت ونهبت ومحيت وأعيد بناؤها مرارا وكأن حجارتها تمتلك الحياة التي منحتها إياها دروب من الصلاة والدم" وكأنها طائر العنقاء الذي ينبعث من النار.

مخيم جنين، تلك الرقعة من الارض التي مساحتها كيلومتر "مربع واحد، مستأصل من الزمن ومحبوس في ذلك العام للذي لا نهاية له "1948, حيث يقف الموت في كل ركن تسطع في وجهه أشعة الشمس، في بقعة صغيرة من الارض حيث استوت أكواخ اللاجئين.

تاريخ المحتل مصنوع من عظام الفلسطينيين وتقاليدهم
أولئك الذين استوطنوا لم يعرفوا الحمص ولا الكبة المقلية ولا المسخن ولا ورق الدوالي ولا كفتة دَاوُدَ باشا ولا اللخنة النابلسية ولا المجدرة ولا عرفوا الفلافل ولا المقلوبة ولكن سموها في وقت لاحق "طعاما يهوديا أصيلا"، "ادعوا أن بيوت حي القطمون في القدس "بيوت يهودية قديمة "، لا يملكون صورا لأجدادهم قبل الاستيطان وهم يحبون الأرض ويزرعونها، وصلوا من دول اجنبية وكشفوا عن عملات نقدية معدنية من عهد الكنعانيين والرومان والعرب والعثمانيين ثم باعوها للسياح على أنها إرث يهودي مجيد، جاؤوا إلى حيفا ووجدوا برتقالا بحجم البطيخ وقالوا "انظروا اليهود، مشهورون ببرتقالهم" لكن تلك البرتقالات كانت تتويجا لقرون من إتقان الفلاحين الفلسطينيين لفن زراعة الحمضيات ". هم يوهمون التاريخ بأنهم صانعوه لكن التاريخ نفسه يكذب مزاعمهم.

"كان الألم يظهر أحيانا في شكل فرح، وغالبا كان من الصعب على الأجيال التي ولدت في المخيّمات، معرفة الفرق بينهما. جاء الموت ليشابه الحياة والحياة لتشبه الموت" صارت النسوة تبكين لولادة رضيع وتزغردن لاستشهاد شاب برصاص الاحتلال. قلبت موازين الدموع والألم والأمل، أم يذبح كبدها مرات عدة، أب تكسر كرامته أمام أطفاله وطفل يدفع برأسه بندقية الجندي الذي يهاجمه في حين أن أقرانه لا يعرفون شيئا سوى اللعب. صار اليوم العادي لدى الفلسطيني يعادل الرعب عند الآخرين لأنه أصبح مخدرا ضد صفارات الإنذار ودوي القنابل والبنادق المصوبة نحوه باستمرار غير آبه بها هو الذي رشق بالحجارة الدبابات خلال الانتفاضة واعتقله الاحتلال وهو ابن السادسة وطلب فدية من والديه لإطلاق سراحه.

مخيم جنين، تلك الرقعة من الارض التي مساحتها كيلومتر "مربع واحد، مستأصل من الزمن ومحبوس في ذلك العام للذي لا نهاية له "1948, حيث يقف الموت في كل ركن تسطع في وجهه أشعة الشمس، في بقعة صغيرة من الأرض حيث استوت أكواخ اللاجئين، هناك حيث كان الحب هو الأروع من بين كل الاحتمالات الممكنة في الحياة. هناك تجلس طفلة قرب جدها سائلة إياه "جدو، كيف كنّا زمان قبل الحرب والدمار؟" ليبتسم بمرارة ويحكي لها بثقة عن التاريخ والذاكرة كي لا تنسى. فالخيانة العظمى هي أن ننسى من كنّا وكيف أصبحنا.

رغم الحرب كنتَ هناك تسمع أشياء لا تسمعها في لغة أخرى: عبارات الشكر والتحايا "الله يسلم ها لأيد اللي أعطتني هالهدية" "عينيك الحلوة هي اللي شافتني جميلة" "الله يطول عمرك"، "الله يفرحك"، "عقبال لفرح بنتك، ابنك". كانت كلمة شكرًا تعبيرا جافا غير كاف للتعبير عن الحب الذي يتغلب على الموت وينبض بالحياة رغما عن كل شيء.
 

كيف يمكن لإنسان أن يعيش في عالم يتجاهل ويتعايش مع مثل هذا الظلم كل هذه السنين؟ هل هذا مايعنيه أن يكون المرء فلسطينيا؟ أن يخسر كل شيء ويظل متشبتا بالأرض التي اختلطت فيها دماؤه بالتربة والذكريات والجذور والمياه.

كل شيء شاخ في فلسطين غير ذكرى النكبة وكأنها وقعت الأمس فقط. لا زلت أتساءل كيف استطاعت صبية تحمل رضيعة بطنها مبقور أن تستمر في الحياة، أي قوة تلك التي مدها الله بها كي تستمر وتعيش وتحب وتنجب؟ كيف استطاع الناجون من دير ياسين وصبرا وشاتيلا أن يعيشوا بعد ذلك وكيف عاشوا؟ هل ينامون؟ وإن ناموا هل يقايضون الكوابيس؟ والأطفال الذين اختطفوا ولَم يعودوا، هل غادر النوم جفون أمهاتهم؟

تلك المرأة التي كانت قد نجت من رصاصة إسرائيلية في صباها، وماتت بالرصاصة التي استهدفت صغيرتها لتحميها وتعطيها حياة جديدة غير تلك التي عاشت. ذلك المعمر الفلسطيني الذي عاش مائة عام كلها لكي يسحق حتى الموت بواسطة جرافة مستوطن.. ذلك الطفل الذي كان ينظر إلى أمه وهي تذبح في صبرا وشاتيلا منتظرا دوره؟ بماذا كان يشعر؟

يا لصعوبة التخيل! ويا لتفاهة أحزاني التي اعتقدت يوما أنها أحزان. كيف يمكن لإنسان أن يعيش في عالم يتجاهل ويتعايش مع مثل هذا الظلم كل هذه السنين؟ هل هذا مايعنيه أن يكون المرء فلسطينيا؟ أن يخسر كل شيء ويظل متشبتا بالأرض التي اختلطت فيها دماؤه بالتربة والذكريات والجذور والمياه.
 

فلسطين جذورها أقدم من التاريخ نفسه، هي كالجينوم الذي يحمل إرث العائلة، هي التاريخ والأزل، هي أرض الله التي تعرف صغارها، هي أم حنظلة وناجي العلي وغسان كنفاني والشيخ ياسين ومحمود الدرة وكل أولئك الأحياء الذين غادروها ليبقى نبضها فينا خالدا خلود الزيتون والزعتر.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة