د. علي الزبيدي
د. علي الزبيدي
253

استغباء الجماهير.. سلطة الخطاب السياسي

19/5/2017
إلى النجوم تشد تفكيرنا عبارات هلامية: الإخوان المسلمين في مصر وراء سقوط الأندلس التي نطقها المحاور التلفزيوني دون أن يرف له جفن من خجل، وهي تمر منه إردافا على كلام ضيفة لتحل هي في الصدارة؛ في أسلوب إعلامي تخصص في التصدير واقتناص اللحظات والترويسة الصحفية كعبارة: أوباما من الإخوان المسلمين وغيرها من العبارات، إلى عالم لا يخضع لأبجديات الفهم البسيط إذ تضعنا على ممارسات إعلامية هي أشبه بالطقوس التي يعيش الناسك فيها مخدرا لا يعي ما يسمع ولا يلقي بالا لما يقول غير أنه في حالة من التقمص لا تسمح له بالانصراف إلى جوهر ومكنون التاثير الذي يخضع له.
 
أمية الشعوب، وجهلهم قد يكون سببا وجيها لاستلابهم في تلقي الغث والسمين كحاطب ليل دون تمحيص لكنني لا أستسيغ كغيري أن الحكام يعملون فقط على جهل الشعوب وأميتهم لتمرير كثير من الخطابات السياسية التي تؤسس لقضايا مصيرية مما يشكل خطابا إعلاميا يصبح ذا طابع لا يتغير ليسير بعد ذلك كل التوجه الإعلامي بناء على أن الجهة المخاطبة مسطحة ولا تفكير لها..

لا نعد مبالغين إذا قلنا إن هذا الخطاب الإعلامي ينجز ما لا تنجزه المواجهات العسكرية، بل إنه في كثير من حالاته كان تمهيدا أو مسوغا لعمليات عسكرية شنيعة.
نعم إلى هذه الدرجة يظن الحاكم بل ويجزم ومعه الترسانة الاعلامية التي تعطي للحاكم شرعيته بتسويق ما يقول وتزيين الهلوسات والخرافات السياسية على أنها حقائق لا تقبل التشكيك، بل إن الأمور تجاوزت إلى الفتاوى في الدين والدخول في صلب المحرمات مما هو معلوم من الدين بالضرورة ، لقد انتحى الإعلام منحا مخالفا لما هو الأصل في مهمته ودوره فالإعلام: هو التعبير الموضوعي عن عقلية الجماهير واتجاهاتها؛ فهو من أهم مؤسسات التشكيل الثقافي، ولا نجافي الحقيقة إذا قلنا أن جميع مصادر التشكيل الثقافي على تنوعها أصبحت بحوزة الإعلام (وخير دليل هو انخراط كثير من المثقفين أو ممن يحسبون كذلك في هذا التسويق؛ إذ يقفون بكل صلف ليروجوا هذا الخطاب، بل ويدافعون عنه، وفي حالات كثيرة يجرمون الآخر ويشيطنونه تحاشيا لتشويه خطابهم .

خطاب مر يُمارسُ على أذهان الناس ويغسل أدمغتهم وهو لا يمت إلى المنطق بصلة ولا يتواءم مع عقل أو إدراك، وهو ما ربطه ميشيل فوكو للخطاب حين ربطه بالسلطة، وإذا كان هناك ارتباط وثيق بين السلطة والخطاب، كما ذهب فوكو؛ فإنّ ذلك ليس مجرّد تخطيط، وتنظيم من قبل السلطة فحسب، وإنما علاقة تجمع بين اللغة وأنماط الهيمنة الاجتماعية.

وهو –أيضا- ما ذهب إليه فان ديك وروث ووداك وفير كلاو من أن ممارسة القوة في المجتمعات الديمقراطية الحديثة لم تعد تعتمد على الإكراه بالدرجة الأولى بل على الإقناع الذي بات أحد العناصر الحاسمة للوصول بالخطاب لمختلف الفئات الاجتماعية لهذا التحليل للعلاقات، ولا شك أن الاتفاق على فكرة الهيمنة عبر الإقناع وتحقيق إجماع وتعدد شكلي داخل المجتمع، أو ما يعرف بالهيمنة الناعمة، هو ما دفع مدارس التحليل النقدي للخطاب نحو الاهتمام بتحليل الخطاب الإعلامي، الذي يعكس عملية الصراع والهيمنة عبر الإقناع وتزييف وعي الجماهير.

وقد شهدت الساحة العربية وتحديدا بعد ثورات الربيع العربي تدفق هذا الخطاب وشراسته، بل واستمراره حتى هذه اللحظة، وكأنه كان يبحث له عن محضن ينشأ من خلاله ليترعرع بعد ذلك ويقوم على صلبه، وليصبح وكأنه هو الحقيقة وما عداه هو الباطل.

قدم الإعلام المصري السيساوي الممتهن في التعبئة الإعلامية الفجة السيسي على أنه المخلص للشعب المصري وفارس الأحلام الذي سيأتي على جواد رغد العيش والرفاهية المطلقة بعد أن أزال الإعلام –في تصويره – ورق الحائط عن شيطان السلطة الشرعي. ولم تستأثر بذلك وسيلة إعلامية محددة بل إن سيلا جارفا من هذا الخطاب قد أخذ معه كل الإعلام بتقنياته ووسائله في استنفار قل نظيره.

ولا نعد مبالغين إذا قلنا إن هذا الخطاب ينجز ما لا تنجزه المواجهات العسكرية، بل إنه في كثير من حالاته كان تمهيدا أو مسوغا لعمليات عسكرية شنيعة، أثبتت مدى القسوة الإنسانية والغباء الممنهج الذي يدفعها بقصد أو بدون قصد وما أحداث رابعة في مصر عنا ببعيد .. إنه سلاح لا يقل فتكا؛ فهو قادر على إصابة الجماهير بطلقة واحدة.
 
لقد توفرت الإرادة للنخب السياسية في كثير من دول الربيع العربي مجتمعة أو متفرقة مختلفة أو متفقة على تمرير هذا النوع من الخطاب، الذي يصل إلى حد العته والبلاهة؛ غير أن الإعلام يجعله مستساغا ومقبولا مهما كان قبحه.

"أوباما من الإخوان المسلمين"! وغيرها من العبارات، تأخذنا إلى عالم لا يخضع لأبجديات الفهم البسيط وتضعنا على ممارسات إعلامية هي أشبه بالطقوس التي يعيش الناسك فيها مخدرا لا يعي ما يسمع ولا يلقي بالا لما يقول.
إنها لم تقرر تمريره فحسب؛ بل تبنيه والدفاع عنه، وجعله بوابتها لاستراتيجيات التعامل مع الواقع، ومن خلال لافتة شيطنة الآخر التي لا يدركه المتلقي العادي ولا يعلم مغزاها، بل وصل به الحد إلى الرغبة في عدم معرفتها، فهو يغض الطرف عما وراء الأمور ولا يسال نفسه في كل خطاب من هذا القبيل لماذا؟ فهل الآخر المعني بهذا الخطاب وضحية الجهد المجهري على هذه الدرجة من السوء مما يهيئ لهذا الخطاب ويمنحه تأشيرة عبور ومصداقية في الذهن العربي، أم أن قصوره في مواجهة هذا الخطاب رشح هذا الخطاب ليتفرد بالقرار والتصنيف؟ أم أن تاريخ هذا الآخر ملئ بالقصور مما شكل نواة صالحة لنهوض هذا الخطاب وانتشاره واستمراره.
 
لكن قبل هذا ما مدى قوة هذا الخطاب مؤخرا بعد أن قطع شوطا زمنيا وترك آثارا سلبية في الحياة السياسية والثقافية وعمل على توسيع الفجوة بين الشارع العربي ورواد الربيع العربي، وبعد أن شهد الشارع العربي المحكوم بهذا الخطاب ما قدمته النخب السالبة له من مستوى معيشي غاية في السوء وما لا يمكن إنكاره أن إمكانيات خطاب الربيع العربي وقلة خبرته في هذا المجال، ووقوف الموانع الدينية لديه من الكذب والتزييف والمبادئ التي تحول دون تحقيقه أبسط مستويات المواجهة في هذا المضمار كانت كفيلة بالإخفاق منذ اللحظات الأولى وإن كان قد تدارك ذلك بعد وقوع الفأس في الرأس فرأينا قنوات وبرامج وشخصيات إعلامية تتجاوز الجمود والأداء الكلاسيكي وتقف على عتبات المواجهة باقتدار.

الواقع أن هذا الخطاب قد عمل على شق العصا مع خطاب الربيع العربي وأفقد المواطن العربي الثقة فيه، لكنه من جانب آخر جلب السخط على حكام الانقلاب أو الواقفون على الضفة الأخرى بصورة غير مسبوقة بعد أن وصل الألم العظم.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة