رومانسيات ثورية

19/5/2017
في الوقت الذي نُشعل الشموع في الأمسيات الربيعية تضامنا مع الأسرى المضربين عن الطعام في سجون الاحتلال الإسرائيلي، أطلق مستوطنٌ إسرائيلي النار على الشاب الفلسطيني معتز تايه وقتله بدمٍ بارد، على حاجز حوارة العسكري جنوب مدينة نابلس، مما أدى إلى استشهاده، وحين أنهى المستوطن جريمته ذهب ووزع الحلوى على جنود الاحتلال احتفالا بقتله للفلسطيني.

قبل أيام اجتمعت اللجنة الخاصة بإضراب الأسرى الفلسطينيين بحضور مسؤولين من هيئة شؤون الأسرى للحديث عن تنظيم فعاليات تضامنية وتقصير عمر الإضراب ما أمكن، فخرجوا باقتراح أن يتم تنظيم "مسيرة سيارات" حول المستوطنات الإسرائيلية، تُطلق فيها السيارات أبواقها وتُرفع الأعلام الفلسطينية من أجل إزعاج المستوطنين، لكن بشرط عدم الاحتكاك بهم.

إحدى الفتيات المشاركات في الاجتماع قالت "إنه يمكن قبول هذا الاقتراح من المتضامنين الأجانب، ولكننا لسنا متضامنين، نحنُ جزءٌ من الإضراب". لم يُصغِ أحدٌ إليها رغم أهمية كلامها، واستمروا في نقاش فعاليتهم الرومنسية وغيرها من المارثونات التضامنية مع الأسرى ومسيرات الشموع.

تذكرتُ هذا الموقف اليوم، حين قتل المستوطن الشاب الفلسطيني بدم بارد، ترجل من سيارته وأخذ يطلق الرصاص على الفلسطينيين بشكل عشوائي. يا لرومانسيتنا الثورية! في الوقت الذي نعقد الاجتماعات لإطلاق فعاليات نُزعج فيها المستوطنين بأبواق سياراتنا، لا يفكرون هم مرتين في قتلنا بالرصاص وبشكل مباشر.

السلطة وقعت في إحراج، فبينما هي مضطرة للوقوف بجانب الأسرى في إضرابهم لأن قائد الإضراب هو مروان البرغوثي، بدأت تفكر في إيجاد طريقة لضبط الفعاليات الشعبية وعدم إحراجها مع إسرائيل.
حين تتقلص مفاهيم النضال لدى فئة تعرف جيدا ما معنى الاحتلال ولديها من أشكال التضحيات ما يكفي ليعكس الوعي الثوري في تاريخها، نبدأ بالتفكير في ماهية كل خطوة تقوم بها لمكافحة العدو. وكلما انخفض سقف النضال أطبق على أنفاس الثورة وسهل الطريق على العدو للتمادي في قتلنا ونهبنا.

ليست هناك قضية في العالم أوضح من القضية الفلسطينية، تلك القضية التي ضاعت بسبب "تياسة السياسة"، وكلما اتسعت خطواتنا السياسية تقلصت حقوقنا بالأرض التي نملكها، وبما أن معظمنا يعلم بأن المقامر في السياسة يكسب حينا ويخسر أحيانا، فإننا نُدرك أن أي مقامرة بالثورة ستودي بنا إلى بلاء لا يمكننا التخلص منه، وهذا ما نسير باتجاهه.

الرومانسية الثورية هي نتيجة حتمية لنقص إيماننا بالمقاومة أو "اعتلال" مفاهيمنا بحقنا فيها، تضرب تاريخنا "بشمعة" مُعتقدة أنها ستضيء فيها سنوات طويلة من عتمة السجون والتهجير والقتل، وتطرح من وجوهنا ماءَها، وتزيد من الخراب الذي ينهش قضيتنا وأعمار الأسرى، ثم تحفر قبور المقاومين وتسير بلطف في جنازاتهم.

المُتابع للشأن الفلسطيني وطبيعة الفعاليات التضامنية مع الأسرى الفلسطينيين في إضرابهم عن الطعام المستمر منذ السابع عشر من نيسان، يجد أنها لا تعدو أكثر من رومانسيات ثورية مُضحكة. ولكي لا يتهمني أحدكم بالمبالغة بالتطرف -الذي لا أنفيه عن نفسي حين يتعلق الأمر بفلسطين- يجب أن تفهموا بأن رفضي للرومانسيات الثورية والفعاليات الهزيلة ليس تقليلا من قيمتها، وليست لدي مشكلة في وجودها حين يكون الهدف منها إبقاء تفاصيل القضية حية في ذهن الشعب، لكن أن تتحول لنهج وحيد، ولا يُسمح بفعاليات سواها، وتكون نتيجة خطة سياسية لكسر الشعب الفلسطيني وثنيه عن حقه في المقاومة المسلحة، فهنا تكمن الكارثة.

إن ما يحدث في الشارع الفلسطيني ويبرز بشكل أكبر في الأحداث الهامة كإضرابات الأسرى والمعتقلين، يوضح لنا كيف تحولت الرومانسية الثورية إلى خطة سياسة كارثية، فالسلطات السياسية حين تنوي إفشال عمل ثوري يلتف الشعب حولة، قليلا ما تستخدم القمع المباشر، فهي تعلم بأنها لن تستطيع ضبط ردة الفعل الغاضبة التي قد تصدر عن القمع، وبدل أن تفلت زمام الأمور من بين يديها، تبدأ بامتصاص غضب الشارع من خلال فتح المجال في المشاركة بفعاليات سلمية تُنظمها من حين إلى آخر، ومثل هذه الفعاليات التي تُنظم في الوقت الذي يموت فيه مدنيون في حالة حرب - غزة كمثال - أو بعد مرور شهور من إضراب آلاف الأسرى عن الطعام، ولأنهم يعتبرونها نهجا ثوريا يُسقِط الواجب الوطني عنهم بعد المشاركة فيه، يمكن القول بكل بساطة إنها رومانسية لا تُسمن ولا تُغني من جوع مع كل هذا الخراب الذي يحيط بنا.

بات واضحا تمسك السلطة برومانسيتها الثورية من خلال الحملة القذرة الموجهة ضد الأسير المحرر الشيخ خضر عدنان، مفجر معركة الأمعاء الخاوية في سجون الاحتلال، فقد مُنع كثيرا من دخول خيم الاعتصام من قِبل أشخاص تابعين للسلطة.
مختصر القول، السلطة الفلسطينية وقعت في إحراج، فبينما هي مضطرة للوقوف بجانب الأسرى في إضرابهم عن الطعام لأن قائد الإضراب هو مروان البرغوثي ومعظم الأسرى المشاركين فيه من حركة فتح، بدأت تفكر في إيجاد طريقة لضبط الفعاليات الشعبية وعدم إحراجها مع إسرائيل، خاصة بالتزامن زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للمنطقة، حيث بدا أمر إنهاء ملف إضراب الأسرى أكثر إلحاحا للمستوى الرسمي الفلسطيني، وبدأت الاجتماعات السرية بين القيادات الفلسطينية المتمثلة برئيس جهاز المخابرات الفلسطيني ماجد فرج ورئيس جهاز الأمن الوقائي زياد هب الريح وبين الاحتلال الإسرائيلي الذي أعلن رفضه للتفاوض مع مروان البرغوثي، وما كان من البرغوثي سوى أن رد من زنزانته على رفضهم ببرود قائلا "أنا الذي لن أفاوضكم إلا حين أريد ذلك.. رغم محاولاتكم اليومية لفتح أي حديث معي".

ربط الأحداث ببعضها بعضا يؤكد "سعي السلطة الفلسطينية لإفشال الإضراب" كما صرحت فدوى البرغوثي زوجة الأسير مروان البرغوثي، كما أن قادة الإضراب لا يرغبون في المفاوضات التي تقودها السلطة، واتضح الأمر من خلال الرسالة التي نشرتها عائلة الأسير كريم يونس أحد قيادات الإضراب والمعتقل منذ عام 1983، والتي سربها من زنزانته في سجن أيالون الرملة، حيث قال فيها:" نؤكد للجميع أن الجهة الوحيدة المخوّلة بالتفاوض، هي قيادة الإضراب، ووفق المعايير والأسس التي حددتها قبل بداية المعركة".

من جانب آخر، بات واضحا تمسك السلطة برومانسيتها الثورية من خلال الحملة القذرة الموجهة ضد الأسير المحرر الشيخ خضر عدنان، مفجر معركة الأمعاء الخاوية في سجون الاحتلال، فقد مُنع كثيرا من دخول خيم الاعتصام من قِبل أشخاص تابعين للسلطة والأجهزة الأمنية، وقام البعض بشتمه ومحاولة ضربه وتشويه صورته في محاولة لاغتياله سياسيا.

وبعيدا عن تهديد الاحتلال الإسرائيلي له ولعدد من الأسرى والمقاوميين الفلسطينيين بجعلهم منبوذين داخل مجتمعهم، فإن وجود الشيخ خضر عدنان ورفاقه في فعاليات التضامن ليست من صالح السلطة الفلسطينية، فهو يُشكل حالة ثورية حقيقية ويُوجه الفعاليات من حالة الرومانسية والعاطفة إلى حالة العقل الذي يُلزم المشاركين بعدم الاكتفاء بتلك الوقفات السلمية داخل المدن، والخروج إلى نقاط التماس مع الاحتلال الإسرائيلي، وإغلاق الطرقات، فتاريخ هذا الرجل المُشرف وهمته العالية وصدق وطنيته يُجبر الشعب على السير خلفه، وبالتالي إرضاخ الاحتلال لتلبية مطالب الأسرى.

بعد كل تصريح سخيف ومصادرة أرض واقتحام للأقصى وغياب للمقاومة وقتل للحرية وإعلان للفجور لنا نكبة. النكبة الحقيقية تعني مرور عشرات الأيام على إضراب الكرامة وما زال العُهر السياسي يُشعل شموعه للرومانسية الثورية!
السلطة لا تريد ذلك، ومن يُعارضها فلن تظل رومانسية معه، ستُريه النجوم في عز الظهر، وهذا ما حصل مع أهالي الأسرى في مدينة طولكرم، حين اعتدى عليهم الأمن الفلسطيني لمجرد تنظيمهم اعتصاما بالقرب من حاجز عناب العسكري، وما حدث معهم أيضا في مدينة رام الله حين أرادوا زيارة ضريح ياسر عرفات، وتم الاعتداء عليهم لمجرد اقترابهم من مقر الرئيس محمود عباس.

كل ما يحدث الآن هو تعريف صريح للرومانسية الثورية. أن تقتصر الفعاليات على الشموع وأبواق السيارات هي رومانسية ثورية. أن تُقام خيام الاعتصام داخل المدن الفلسطينية وبعيدا عن نقاط التماس مع العدو هو رومانيسية ثورية. الإغلاق الموارب للمحالّ التجارية بعد إعلان ضراب شامل هو رومانسية ثورية، أما نبذ فتح لبقية الفصائل عندما تشارك بالفعاليات ومحاولة تحويل الإضراب إلى أمر حزبي فهذه هي القذارة الثورية والنكبة الحقيقية للشعب الفلسطيني، فلم تعد نكبتنا مقتصرة على تلك المجازر التي ارتكبت في حقنا قبل 69 عاما، بل أصبحت في قيادتنا وانقسامنا.

نكبتنا في أننا لا نتذكر نكبتنا إلا في ذكرى النكبة، ولا نجعل من الذكرى وجهة خامسة للانتقام من العدو، نكبتنا كل يوم، بعد كل اجتماع مفاوضات لنا نكبة، بعد كل تفريط لنا نكبة، بعد كل استشهاد لفلسطيني لنا نكبة، بعد كل تصريح سخيف ومصادرة أرض واقتحام للأقصى وغياب للمقاومة وقتل للحرية وإعلان للفجور لنا نكبة.

النكبة الحقيقية يا أصدقائي تعني مرور عشرات الأيام على إضراب الكرامة وما زال العُهر السياسي يُشعل شموعه للرومانسية الثورية!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة