معاذ يوسف
معاذ يوسف
319

عن أثر أسلوب الدعوة

19/5/2017
في غزوة أحد أصدر الرسول صلى الله عليه وسلم، أمرًا إلى الرماة بألا يتحركوا من مكانهم مهما حدث، وبالفعل بدأت المعركة ونجح المسلمون في تحقيق تقدم مبدئي، فنزل الرماة من مواقعهم لجمع الغنائم، واستغل خالد بن الوليد -لم يكن قد أسلم في وقت الغزوة- هذا الموقف ليعود إلى المعركة مرة أخرى، ويحقق المشركون تقدمًا في المعركة.

تعرّض الرسول للإيذاء، وأشاع بعضهم أنه قد قُتل، وانتهت الغزوة بموت 70 شهيدًا من المسلمين، من بينهم حمزة بن عبد المطلب، في مقابل أكثر من 20 قتيلًا من المشركين. يمكننا النظر إلى ما فعله الرماة في هذا الوقت على أنه خطأ كبير، فهم خالفوا أمر الرسول، قائدهم الحربي في المعركة، وليس فقط رسول هذا الدين الجديد. لو كنّا سنفكر في الموقف بتفكيرنا نحن، قد نتوقع أن الرسول سيغضب منهم، يحملهم الذنب لما حدث، لا سيما أن الرسول حزن كثيرًا بسبب وفاة عمه في هذه الغزوة.

ثم دعونا نتوقف عند الأمر الإلهي الذي نزل على الرسول: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ".

إن كانت دعوة شخص كافر بالله وظالم مثل فرعون تتم باللين، فكيف نجد بعض الناس يدعون من هم يؤمنون مثلهم بطرق قد تجعلهم ينفرون من دعوتهم؟!
الله عز وجل يخبر رسوله بثلاثة أشياء:
1- لولا أن الله زرع في قلبك يا محمد صفة الرحمة، لما استمع الناس إليك، ولو كنت فظًا معهم ما جالسوك بل لانفضوا من حولك. رغم أن سيدنا محمد يحمل الدين الصحيح لهم، لكن صفات الرسول وطريقة دعوته هي التي تجعل الناس يقبلون ما يقوله أو لا.

2- الله عز وجل يطلب من الرسول أن يعفو عن خطأ المسلمين في الحرب، ألّا يعلق المشانق لهم ويقسو في حسابهم على الخطأ.
الله يريد أن يقول لرسوله أن هناك خطأ حدث بالفعل، لكن كيف يمكن التعامل معه؟ العفو هو الحل الأفضل.

3- لم ينتهِ الأمر عند العفو فقط، بل يخبر الله عز وجل رسوله أن يشركهم في الأمر، يأخذ مشورتهم فيما يريد فعله لنصرة الدين في الأيام القادمة.

عندما أرسل الله عز وجل موسى وهارون لدعوة فرعون، أخبرهم بالأمر بالصورة التالية: "اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى".

هل يوجد من هو أكثر طغيانًا من فرعون في ذلك الوقت؟ فرعون الذي يعذب ويقتل ويرى أنه الإله!
لكن الله عز وجل يخبر موسى أن الطريقة الأفضل للدعوة هي "القول الليّن".

رغم كل ما يفعله فرعون من خطأ وجحود، لكن لا يمكن أبدًا أن تكون الدعوة إلى الله إلا بالقول الليّن، لأن هذا هو مفتاح الاستجابة الحقيقي للدعوة.

أسألك يا صديقي أن تراقب كلماتك التي تقولها للآخرين دائمًا، وأن تتذكر أن الله عز وجل أخبر رسوله، أنه لولا الرحمة التي وضعها في قلبه، ما جلس معه أحد. رغم أننا جميعًا نعرف أن سيدنا محمد يحمل الدين الصحيح.
حسنًا، دعونا نعود إلى واقعنا ونتفكر في بعض الأشياء.
1- إن كانت دعوة شخص كافر بالله وظالم مثل فرعون تتم باللين، فكيف نجد بعض الناس يدعون من هم يؤمنون مثلهم بطرق قد تجعلهم ينفرون من دعوتهم؟
أنا أتفهم غيرتك على الدين، ورغبتك في أن يُصلح الله حال الجميع، لكن هذا لن يحدث إلا باستخدام الطريقة الصحيحة في الدعوة.

2- رحمتك بالمخطئ قد تكون هي الدافع لكي يستجيب لك فيما تقوله، فلماذا لا نرحم ضعف الآخرين ونتقبل أنهم بشر يخطئون؟ ولماذا يعلق البعض المشانق للمخطئ كأنه فعل شيئًا يستوجب محاكمته؟ ربما نتحمل نحن أيضًا جزءًا من أخطاء غيرنا بطريقتنا في التعامل معهم.

3- المخطئ يجب أن يحصل على فرصته لتصليح الخطأ، ولا يتم إبعاده من الصورة أبدًا، فنظل دائمًا نذكّره بالخطأ كلما أراد أن يفعل شيئًا، فالنصح الحقيقي هو في كيفية التعامل مع الخطأ، وقبول المخطئ دون أي مزايدة على خطئه السابق.

أسألك يا صديقي أن تراقب كلماتك التي تقولها للآخرين دائمًا، وأن تتذكر أن الله عز وجل أخبر رسوله، أنه لولا الرحمة التي وضعها في قلبه، ما جلس معه أحد. رغم أننا جميعًا نعرف أن سيدنا محمد يحمل الدين الصحيح، لكن أحيانًا كثيرة يكون الأسلوب في الدعوة هو الفيصل، لا المحتوى فقط.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة