مرةً أخرى.. هل باع الفلسطينيون أرضهم؟

19/5/2017
حينما كنت في إحدى الدول العربية قبل أعوام تعرفت على مجموعة من الأصدقاء هناك، وعندما اشتدت صداقتي بأحدهم أراد أن يعبر لي عن نظرته للفلسطينيين، وكان بمنتهى اللطف ولكن كلماته كانت عكس ذلك دون أن يشعر.فقد قال لي إن القليل من الفلسطينيين شرفاء والباقي خونة أو باعوا أرضهم، وربما كاد أن يقول لي: "لم أكن لأتخيل بأن أجد فلسطينيًا لا يزال متمسكًا بأرضه وحقه".

يومها تجشمت كثيرًا وضبطت نفسي؛ لأنه في النهاية ضحية لبعض الكُتاب والإعلاميين الذين فقدوا ضمائرهم أو كانوا مأجورين لترسيخ الأكذوبة عند جزء من الشعوب العربية. وقلت له: "وأنت أيضًا وفق هذا التعميم المُفرط إما مفرط بفلسطين أو بائع لها"، وسألته: ألست مسلما؟ وأليس واجب استعادة ديار المسلمين والعمل على ذلك هو مسؤولية الأمة جمعاء والمسلمين جميعًا؟ ولنفرض أن أهل فلسطين جميعًا تخلوا عن واجب الجهاد وفرطوا في الأرض فهذا يعني أن واجب الجهاد وقع تمامًا على عاتقك ويكون فرض عين عليك خصوصًا وأنك تسكن في دولة من أقرب الدول إلى فلسطين. وأيضًا ذكرته بحديث رسولنا الحبيب عليه الصلاة والسلام الذي يقول فيه: "إذا فَسدَ أهلُ الشَّامِ فلا خَيرَ فيكُمْ".

ومن المعلوم أن فلسطين هي من بلاد الشام، يعني أنه إذا ثبتت فريتك حينها تكون الخيرية انتزعت من الأمة جمعاء، كما أن رسولنا أخبر ببقاء طائفة من أهل بيت المقدس وأكنافها على الحق ظاهرين ومرابطين إلى يوم الدين، وقد أوصى بالشام وزكى جندها من بين أجناد المسلمين في آخر الزمان.

واجب الحكومات أن تعمل على تثبيت الفلسطينيين ودعم صمودهم قدر المستطاع لا تخذيلهم والتخذيل عنهم كما جرى مع الشهيد عبد القادر الحسيني الذي طلب للمجاهدين الفلسطينيين دعمًا ماديًا وعسكريًا قبيل النكبة بأيام لكنهم خذلوه.
وبعدها شرحت له أوجه المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون وكيف أنه يكاد لا يخلو أي بيت فلسطيني من شهيد أو جريح أو أسير أو مقاوم، وكيف أن نساء فلسطين يدفعن أبناءهن بكل حبٍ ورضا إلى طريق الجهاد والمقاومة، تحدثت إليه عن الصبر الطويل الذي عاشه أهل غزة في ظل الحصار، وكيف نحيا على الأمل نهارًا بعد نهار، وقلت له: "صدقًا لم أكن أتوقع حين خرجت من غزة أن أجد العالم بهذا الجحود والنكران". قلت له: "الآن عرفت لماذا لم تكن الشعوب تتحرك بالشكل الكافي حين كنا ننتظر لقمة العيش في ظل الحصار، وكان الغريب يأتينا من آخر الدنيا قبل الجار".

كانت هذه المواقف وغيرها لربما من أهم المحطات في حياتي والتي دفعتني لأهتم أكثر في مجال الإعلام حتى أعمل قدر المستطاع على دحض هذه الافتراءات، ولنكن واقعيين لم تكن هذه الافتراءات وليدة الصدفة ولا فرية ابتدعتها الشعوب، بل كانت نتيجة جهود صهيونية مضنية تزعمها "ديفيد بن غوريون" بنفسه وهو أول رئيس وزراء للاحتلال، حين استكتب عددًا من المؤرخين والكُتَّاب لترويج أكذوبة تقول إن الفلسطينيين تركوا بلادهم طوعًا لا نتيجة المجازر والإعدامات والقتل الجماعي.

والأدهى من ذلك أن بعضهم قال إن الجنود الصهاينة حاولوا ثني الفلسطينيين عن ذلك لكن دون جدوى، وتعاونت معهم في ترويج ذلك أجهزة إعلام واستخبارات عربية وغربية متصهينة رسخت هذه القناعات ولا تزال حتى اليوم تحاول؛ بغرض ضرب كل حماسة واهتمام شعبي بالقضية الفلسطينية ومعاناة الشعب الفلسطيني. ومع ذلك فمن أراد البحث عن الحقيقة فهناك العديد من الكتب والشهادات التي تفند هذه الأكاذيب من بينها كتب للصهاينة أنفسهم ومن ذلك كتاب "خطيئة إسرائيل الأصلية".

الفئة التي تروج هذا الافتراء وتصدقه باتت تضمحل اليوم مع مشاهد البطولة التي تأتي من فلسطين ومشاهد الصمود والمواجهات شبه اليومية، وبعض الذين يصدقون هذا الافتراء لا يعرفون عن فلسطين سوى اسمها، لدرجة أنني وجدت عربًا ومسلمين يعرفون غزة ولا يعرفون فلسطين أو القدس أو الأقصى لأنهم سمعوا به ذات مرة من القرآن، والأفضل حالًا منهم كان يوصيني حين أعود إلى غزة أن أدعوا له حينما أصلي في المسجد الأقصى ظانًا أنه في غزة!

وهذه ليست مبالغات بل نماذج عايشتها بنفسي ولكن هذا قبل سبعة أعوام ولا أدري إن كانت المشكلة ضعفًا بالتبليغ عن القضية أو تقصيرًا منهم في البحث أم كلاهما معًا، غير أنني أعتقد بأن الكثير من الأمور تغيرت وتبدلت إلى الأفضل بشكلٍ واضح وربما جذري؛ بعد انتشار مواقع التواصل الاجتماعي وزيادة عمل الفلسطينيين عليها لصالح قضيتهم، وهذا ما ألمسه شخصيًا، وكذلك فإن هذه الحالات لا تلغي وجود عرب ومسلمين لديهم معرفة بفلسطين وتاريخها وجغرافيتها ولديهم انتماء لقضيتها أكثر بكثير من بعض الفلسطينيين.

المجاهدون أو المقاومون أو المرابطون في فلسطين يقومون بواجب الجهاد والمقاومة عن الأمة جمعاء، ومن يرى أنهم غير ذلك فهو يتهم نفسه وعليه شخصيًا أن يقوم بواجب استعادتها ولو بأقل القليل بيده أو لسانه أو ما استطاع.
ولا أزعم بأن الفلسطيني معصوم وأن كونه فلسطينيا يعطيه حصانة، بل إن الفلسطينيين بشر ومثلهم في الطباع؛ فمنهم الصالح ومنهم الطالح، ومنهم المقاوم ومنهم المفرط، ومنهم القوي ومنهم الضعيف ومنهم الشجاع ومنهم الجبان حال كل شعوب هذه الأرض، ولعل الخذلان الذي عايشه السوريون خير شاهد على الخذلان الذي عايشه الفلسطينيون، رغم أن الحق أظهر وأوضح في فلسطين، وكيف أن الحرب والمجازر لا ترحم، وأن البشر قد يهجرون من أرضهم بالملايين وكذا ما يحصل مع العراقيين واليمنيين وغيرهم من الذين ضاقت بهم بلادهم فلم يخرجوا طوعًا وإنما كرهًا.

واجب الأمة والحكومات أن تعمل على تثبيت الفلسطينيين ودعم صمودهم قدر المستطاع لا تخذيلهم والتخذيل عنهم أو خذلانهم كما جرى مع الشهيد القائد عبد القادر الحسيني الذي طلب للمجاهدين الفلسطينيين إسنادًا ودعمًا ماديًا وعسكريًا قبيل النكبة بأيام لكنهم خذلوه، رغم أنه ومن معه كانوا في أوج انتصاراتهم حسب رسالته الأخيرة للجامعة العربية.

المجاهدون أو المقاومون أو المرابطون في فلسطين يقومون بواجب الجهاد والمقاومة عن الأمة جمعاء، ومن يرى أنهم غير ذلك فهو يتهم نفسه وعليه شخصيًا أن يقوم بواجب استعادتها ولو بأقل القليل بيده أو لسانه أو ما استطاع، فإذا ما غابت المسؤولية الجماعية تكون المسؤولية فردية وليبدأ بنفسه، غير أن الفلسطينيين منذ النكبة وما قبلها مستمرون بجهادهم وانتفاضاتهم وعملياتهم ضد الاحتلال، و"إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم".

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة