أسامة الصياد
أسامة الصياد
192

مستقبل الصحافة العربية

19/5/2017
"لم تصل الصحف الإلكترونية العربية إلى مرحلة الانفصال التام عن نظيراتها الورقية مثلما حدث مع بعض الصحف الأميركية، فالصحف الإلكترونية العربية ما زالت نسخًا مصغرة من الصحف الورقية التي تديرها بنفسها هذه المواقع، ولم تستقل سواء في إدارتها أو صحفييها أو مادتها عن الصحف الورقية الأم، ولعل هذا يبدو وضعًا طبيعيًا في ظل عدم تحقيق مواقع الصحف العربية عائدات لإطلاقها بهيئة تحرير مستقلة".

"وقد أصبح للبريد الإلكتروني انعكاسات كبيرة على حقل الاتصال الإنساني، خاصة وأنه يقدم نمطًا جديدًا من الاتصال والتفاعل الإنساني السريع والمنخفض التكلفة واللحظي، ومع ذلك لم يدخل حيز الاستخدام الجماهيري أو ما يُطلق عليه critical mass رغم تزايد معدلات تبنيه عالميًا كوسيلة اتصال".

عند قراءة هذه المقتطفات لا تظن أننا قد عدنا بك إلى أواخر التسعينيات، فنحن بلا شك في العام 2017، ولن أستغرق مجهودًا ولا وقتًا كبيرًا، كي أقنعك بأن هذا الهراء المكتوب خارج سياق الزمن، وربما تؤدي دراسته إلى تخلف عقلي مع مرور الوقت.

لا تندهش عزيزي القارئ إذا ما علمت أن هذه الكلمات مقررة على طلاب قسم الصحافة في عدة دول عربية من خلال كتاب يُدَّرس الصحافة الإلكترونية لا زال يحاول إقناع الطلاب بأن الصحافة الورقية متفوقة على نظيراتها الإلكترونية في العالم العربي، دون أن يذكر لهم أن كمية الصحف المطبوعة انخفضت إلى 800 ألف نسخة في العام 2015 في مصر على سبيل المثال، بعد أن قُدِّرت بحوالي مليوني نسخة يوميًّا في العام 2010، وذلك كله لصالح الصحافة الإلكترونية.

مستقبل الصحافة العربية متخبط، ويمكن أن تكون الأسباب الرئيسية سياسية بامتياز، إذ تتصادف مع رغبة أنظمة سلطوية في ترك الصحافة فريسة للرتابة والتقليدية، حتى تؤدي وظيفة خادمة للسلطة.
ولا حاجة لذكر أن العالم اليوم بات يفكر في وسائل اتصال تخطت وتجاوزت فكرة البريد الإلكتروني، الذي يدرس طلاب الصحافة أنه لم يدخل حيز الاستخدام الجماهيري بعد، في حين يعتمد الكتاب على إحصائيات صدرت عام 2001 عن المشتركين والمستخدمين للإنترنت في العالم العربي.

لك أن تتخيل من خلال هذا النموذج الجاب الشاسع بين دراسة الصحافة في العالم العربي وبين واقعها المحلي والعالمي، وكيف لأقسام الصحافة أن تخرج صحفيين بهذه المناهج التي أقل ما توصف به أنها "متكلسة"، وبعدما أتيح لي الاطلاع على مناهج الصحافة في ثلاث بلدان عربية مختلفة، لم أعد أشعر بأي غرابة من مستوى الصحافة العربية الحالي، وأقول "الصحافة العربية" عن عمد بقصد المؤسسات، ولا أقول "الصحفيين العرب" حتى لا أعمم، لأنني أعلم أن بعضهم "ينحتون في الصخر" حرفيًا كما يُقال، من أجل التحصيل والتدريب ومواكبة مستوى الصحافة العالمي الاحترافي شديد وسريع التغير والتطور.

الانفصال عن الواقع العملي هو سيد الموقف في أقسام الصحافة العربية، بل إنني أكاد أجزم بلا تعميم أن بعض أساتذة الجامعات ممن يدرسون فنون الصحافة المختلفة للطلاب، لا يستطيعون إدارة صحيفة تحت الإنشاء من الناحية التحريرية، ويقتصر دورهم في الحياة على تدريس مناهج في كتب وضعت قبل عشرات السنيين، وسط حالة واضحة من "الاستسهال" جعلت دراسة الصحافة في العالم العربي هي والعدم سواء.

قد يخرج البعض محتجًا على هذا الطرح معللًا باعتماد الطلاب والوالجين حديثًا إلى عالم الصحافة على التدريبات العملية والكورسات الفنية الصحفية المختلفة في معاهد ومراكز الإعلام المتخصصة التي غالبًا ما تكون ملحقة بوسيلة إعلامية، وبالتالي فإن هناك حالة من عدم الحاجة إلى الدراسة الأكاديمية الصحفية التي يمكن تحصيل فنها التقني والاحترافي من الخارج بجانب الممارسة.

وفي رأيي أن هذا تصور قاصر ولا يُعطي للمجال الصحفي ثقل على المستوى البعيد، ما دام يفتقر إلى الإطار النظري الحديث و الظهير الأكاديمي القوي، ويحول الصحفيين الجدد إلى آلات قد تكون ماهرة بفعل التدريب لكنها بلا رؤية أو تصور، وستكون خاضعة للأجندات التي تُملى عليها بشكل احترافي مدروس.

إذ أن العلوم الصحفية لا تقتصر على الفنيات وإنما كيفية استخدام تلك الفنيات في توجيه الرأي العام، واستخدم الوسائل الأفضل للاتصال بالجماهير، وغيرها من السياقات النظرية الأكاديمية الضرورية لأي صحفي يُريد أن يجد أثر لعمله على أرض الواقع، ناهيك عن تأثر مراكز التدريب الخاصة بالبيئة الصحفية في المنطقة العربية تحديدًا، هذا في حالة مقارنتها بنظيراتها الغربية عل سبيل المثال، فقد أصاب تلك المراكز العربية العطب كباقي حال الوضع الصحفي العربي العام، وقد لامست ذلك في احتكاكي بمراكز عربية وغربية.

يمكن أن نرى شعاع نور يأتي من مجموعات صحفية شابة تحاول تجاوز  الواقع المزري، لتعلم نفسها، وتبحث عن معرفة واحترافية غير مدعاة، في تحد لعقبات لا حصر لها، محاولين وضع وظيفة الصحافة في إطارها الصحيح.
حتى لو سلمنا بالمسألة الحرفية المكتسبة خارج النطاق الأكاديمي والنظري، يمكن أن نلاحظ بسهولة أيضًا الجاب بين المستويات الحرفية الغربية في فنون الصحافة، ناهيك عن نقص الإمكانات العربية الواضح فيما عدا مؤسسات تدعمها دول وقد لا تستطيع أن تعدها على أصابع اليد الواحدة.

أرى أن مستقبل الصحافة العربية متخبط، ويمكن أن تكون الأسباب الرئيسية لما سردته آنفًا هي سياسية بامتياز، إذ تتصادف هذه الأشياء مع رغبة أنظمة سلطوية في ترك الصحافة فريسة للرتابة والتقليدية، حتى تؤدي وظيفة خادمة للسلطة، ولا تطور من نفسها في وظائف رقابية ومجتمعية أخرى، فبهذا المنوال تخرج الجامعات الحكومية أجيال من حاملي شهادات الصحافة بلا أي معرفة حقيقية، وبلا أي رغبة في ممارسة المهنة.

في الوقت الذي يُترك شباب الصحفيين في مواجهة عتاولة بيزنس الصحافة في مؤسسات تصدر منشورات أقرب للمنشورات الحربية، لها قوانينها الداخلية الخاصة في الترقي وفي صعود سلمها الوظيفي، حتى وإن اختلفت المسميات بين صحافة خاصة أو حكومية.

إلا أننا يمكن أن نرى شعاع نور من بعيد، يأتي من مجموعات صحفية شابة تحاول أن تتجاوز هذا الواقع المزري، لتعلم نفسها، وتبحث عن معرفة حقيقية، واحترافية غير مدعاة، في تحد لعقبات لا حصر لها، محاولين وضع وظيفة الصحافة في إطارها الصحيح.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة