أسامة النشار
أسامة النشار
312

قال لي الأزهر "زمانك لا يلين فكن أبيا"

2/5/2017
قال لي الأزهر: "فيا أيها الأزهري بلغ ما حملت من رسالة دينك واصدع بالدعوة والله يعصمك كما عصم دعاة الحق من أسلافك، فعسى أن تخلص المنبوذين من براثن النابذين، كما خلص بني إسرائيل من قبل.. ولا يهولنك عنف الصراع بين الباطل والحق، فالباطل إذا تسامى إلى منارة الحق هوى وانحدر وإذا ارتطم موجه بصخرة رد وانحسر، وإذا أطبق عليه كان المخرج والظفر.


اعلم أن للملأ من القرب عيون ناظرة، وقلوبًا واجفة، ورصدًا في الخفاء مبصرة، وإيماننا أن لكل من مشاعل النور ما يحرس عليك سماء وحيك، ويحمي حصون أسرارك، ويرد كيد الكائدين من أعدائك.. ارفع لواء دينك ووطنك داخل وخارج ديارك وسجل في أبرز صفحات التاريخ الإسلامي مجد جامعتك".

لا شك أن غياب الأزهر سيقابله أكبر اختلال في نظام الأمن العام بسبب فقدان التعاليم الدينية، وذهاب الأخلاق التي هي جوهر النهضة والرقي بالشعوب، ولأن النفوس إذا لم تجد رادعًا قويًا ووازعًا شديدًا، يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر.

هذا بيان للناس ولعله الأسى لحال بعث أسى يعتلج من أزمنة خوال وما أراه من توالي هذه النكبات على الأزهر وعلى الدين، ثم لا نستيقظ، في وقت استنسر بغاثه، ولؤم ناسه وقد أطار من القلب شرارا، وأخرج من الشجر الأخضر نارا، ولعل الله يهيئ لنا من أمرنا رشدا.


رسالة الأزهر أشد الرسائل خطورة، وأكبرها مسؤولية، هي نشر تعاليم الديانة الإسلامية السمحة بين جميع الأوساط والبيئات، لا فرق عندهم بين نابذ ومنبوذ بل كله العدل والإحسان والمساواة في الحقوق.

ولئن كان من أخص صفات المرسلين الصدق والأمانة والتبليغ والفطانة فتلك صفات رجال الأزهر قد انتظمها عقد أخلاقهم وسجايا هي مبلغ العهد بهم. بل والإشراف على تنفيذها الفعلي حتى تؤتي أكلها وينعم الشعب بثمرة تلك التعاليم فيعرج معارج الرقي ويستنم ذروة المجد.

وقد ظل الأزهر يترقب فرصة تمكنه من استخراج كنوزه وعرضها كلما صلح العرض، ولا أشد سنوحا من هذه الفرصة التي تقبل الأمة فيها على شدة ضراء، والأزهر الذي ساير جميع النهضات والنكبات وساهم في الرقي بالأمة، وهو الذي يفزع لما يرى من صور السوء الحسي المائل بألوانه وأشكاله على مسرح الحياة فيتقدم الصفوف قيامًا بواجبه وحفظًا للشريعة.

ولا شك أن غياب الأزهر سيقابله أكبر اختلال في نظام الأمن العام بسبب فقدان التعاليم الدينية، وذهاب الأخلاق التي هي جوهر النهضة والرقي بالشعوب، ولأن النفوس إذا لم تجد رادعًا قويًا ووازعًا شديدًا، يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر تنطلق في سبيل غوايتها، وطريق ضلالتها، لأنها لا تعرف الله وليس في قلبها نور يهديها الصراط المستقيم، وقلوب الشعوب إذا قست وظلمت وأجدبت أرضها من خصب التعاليم الدينية السليمة، ستصبح كالفحمة السوداء وهناك تستولى عليها الأهواء وتلعب بها كيف تشاء وتسول لها الشر، وتقودها إلى مهاوي التهلكلة فتتحول من ملاك طاهر إلى شيطان رجيم، وتكون قوة لإبليس يضل بها في الأرض ويعيث فسادًا. 


ولا يمكن أن نقتصر على المؤسسات الأمنية ولو غصت بالأثمة والأشرار قدر وسعها.. سنظل في حاجة شديدة إلى الدواء الناجع.. فهل يا ترى الدواء في دور القضاء وتلك اليد القوية التي تمسك بتلابيب المجرم فقط؟! الدواء لا يكون إلا بإصلاح النفوس وتقليم أظافرها وأشواكها.. فالنفس الخبيثة أشبه بغصن الشجرة الشائكة الذي لا يصلح لأن يكون (عصاه) يحملها الإنسان إلا إذا قشر لحاؤه وصقل سطحه ومشت عليه يد الصانع الماهر فأخرجته عصاه مصقولة.

الأزهر العتيد "زمانك لا يلين فكن أبيا"
في هذا الوقت العصيب الذي نرى فيه البلاد تقسمت مذاهب متحفزة للنضال وإفساح المجال، وفي الوقت الذي تعددت فيه المذاهب كل مذهب لا يتورع عن سفك الدماء وتدمير البلاد نحو من خالفه رأيه، نجد أنه لا يمنعنا تباين الألوان والأديان والأوطان، من أن تخطب ود من شاطرتها عقيدتها، لتتخذ منها أداة لنصب حبائلها، واغتيال فريستها، من كل أمة لا تدين بمذهبها، أو تقف في طريق مطامعها. 

لو أراد أي باحث مدقق أن يعرف أين تموت العلوم الشرعية وأين تموت العلوم الحياتية وأين تموت اللغة العربية لو جدها تموت في كل مكان، ووجدها لا تزال تحيا وتتنفس في هذه المكان.. سيظل الأزهر مفخرة الشرق والإسلام والمورد العذب لدين القرآن ولغة القرآن.

ولعل الأزهر هو أول من يلفت النظر إلى تلك الحقيقة الراهنة، فوصى بما وصانا الشرع الحكيم في محكم الآيات على التعاون والاتحاد. لا نود أن نرجع إلى الماضي، وأن نستنطق التاريخ، لنوضح حالنا أيام تحالفنا وتآخينا، ونقارن حاضرنا بماضينا، فذلك أمر فرغنا منه. وإنما نقول لعل الله جل علاه سيؤمننا بعد خوفنا، ويقوينا بعد ضعفنا، ويرينا لبوس العز بعد هذا السؤدد، ويزيل عنّا لبوس الذل والهوان.

لشد ما يسعدني كوني أزهري وأن الأزهر وفق في سعيه إلى حد كبير بدليل هذه الوفود الكثيرة التي تفد عليها لطلب العلم.. وسنظل كطلاب نعلي من زعامته، وعلى الدين ننشر من ضيائه وعظمته، سنظل نساعد الأزهر في نشر دعوته، وانبعاث صيحته التي تترجح في الجو وفي النفس، وتتردد في المكان والقلب وتلمس مكمن القلب من الإنسان فتعطيه من العظات والآيات كما يعطي الغيث النبات فإذا هو مورق، أو كما يمد نور الله غسق الفجر فإذا هو مشرق، فقد وقف الأزهر نفسه على خدمة طلابه وخدمة الشعوب الإسلامية وغيرها وخدمة الشريعة واللغة.

وقام علماء الأزهر بما يعجز العد، ويستنفد الجهد، ولأمور ما لم يكن لشمس العلم مطلع من غير سمائه، ولم يكن للتعليم والتهذيب والقضاء قبلة في غير بنائه، ولم يكن للصدارة والزعامة مقعد لغير أبنائه؟! فإذا كنا الآن نقف على سواحل الحياة نرقب السفائن لتنقلنا إلى مختلف البلاد لنؤدي الرسالة ونرفع لواء الحق والنور، فإنما هو دأب أسلافنا في الأزهر يجالدون في حفظ أمانة الأسلاف والأجداد، ويخلصون فيما يخدم الدين واللغة والبلاد، ويفزعون لما يؤذي الدين والوطن، ولا يعتريهم في طريق نصرتهما يأس ولا وهن.

وإذا كان الأزهر قد أصابه خلال السنوات الأخيرة وهن زلزل من مكانته، أو أضعف من خدماته، فذلك لأنه لم يعدم حاقدين يعملون على إضعافه وإضعاف طلابه وإبراز من لا يفرق بين العين والحاء، ولا بين الأرض ولا السماء فجر ذلك شرًا مستطيرًا.

يتفق الكل على تعظيم منارة الأزهر الشريف وعلمه وعلماءه فكلهم انتفعوا منه وأثنوا عليه وحملوا إلى الأفاق سيرته العطرة، ومواقفه المشهودة في الدفاع عن الدين والأمة، وعن السنة المطهرة والنضال عن العقيدة السليمة:
فإذا أتتك مذمتي من ناقص
فهي الشهادة لي بأني كامل

أما هؤلاء الخفافيش الذين عميت بصائرهم عن فضل الأزهر، فهم في الحقيقة إنما يذيعون من فضله من حيث لا يشعرون:
وإذا أراد الله نشر فضيلة 
طويت أتاح لها لسان حسود

لو أراد أي باحث مدقق أن يعرف أين تموت العلوم الشرعية وأين تموت العلوم الحياتية وأين تموت اللغة العربية لو جدها تموت في كل مكان، ووجدها لا تزال تحيا وتتنفس في هذه المكان.. سيظل الأزهر مفخرة الشرق والإسلام والمورد العذب لدين القرآن ولغة القرآن.

عزم (الجبال) الرواسي لا يزعزعه
والدين لله.. من تعلو عقيرته
أما ترون شراك الغي ينصبها
كمن يجيء إلى بيتي ليشتمني
طول البحار ولا موج ولا خصب
لنصرة الدين؟ إلا العلم والأدب
لؤم المضلل ((لا ذوق ولا أدب))؟
وليس يمنعه عما جنى حسب!!.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة