سفيان الغانمي
سفيان الغانمي
1.1 k

أفلا يتدبَّرون القرآن

27/5/2017
في رمضان، الكلُّ يُقبل على القرآن، حتَّى أُولئك الذين لا يُجِيدون القراءة ولا الكتابة، يقبلون عليه بنَهم شديدٍ، بعضُهم يَشْتري المصاحفَ ويُوزِّعُها على المساجد، ومَن لَم يَستطع منهم ذلك، يكتفي ولو بالاستماع له كيفما أُتيحتْ له الفُرصة، في السيارة أو العمل أو غير ذلك، في هذا الشهر يكفي أن تمرَّ بأيِّ شارع عربي، لتُشنِّف آذانك آياتٌ بيناتٌ من الذِّكر الحكيم، بصوت عبد الباسط أو المنشاوي، منبعثة من مِأْذنة جامعٍ، من مذياع بإحدى المحلاَّت، أو منزلٍ مُجاورٍ أو شِبه ذلك، ولعل أروع مثالٍ مُعبِّر للإقبال على القُرآن في رمضان، هو ذاك الجمهور الغفير الذي يَؤمُّ المساجد بُغْية أداء صلاة التَّراويح.
 
الكلُّ يعود إليه في هذا الشهر، بعدما يكون قد هجره طول السَّنة، بل وحتى سيدنا الإمام، الذي يَعْتلِي صوته مآذن الجَوَامِع في صلاة التَّراويح، لا يعرف للقرآن سبيلاً إلا في هذا الشَّهر، كيف لا يُقْبل عليه وهو يقبض من ورائه الملايين! قد تزيد أو تنقص بحسب صوته الرَّخيم الذي تَخْشع له القلوب وتَذْرِف له العيون، إنه يَقْبِض جرَّاء ذلك أجراً يكفيه لسَدَادِ مَؤُونة أسرته لسنة بكاملها! كيف لا يُقبل على القرآن؟ لا تَظُننَّ أني أتقول على أحد، ولا أنكر عليهم ذلك إذا جاء طواعية طَيِّبة به نفس أهله، لكن لو تعلم كيف تُعقد تلك الصفقات وراء الكواليس لحزَّ ذلك في خاطرك يا صاحبي.

بين ذا وذاك، دعنا نتأمل هذه الآية العجيبة، التي يَحُثُّ فيها الله على تدبُّر كتابه وفهم معناه، بدل الوقوف على سطحه ومَبْناه، يقول سبحانه: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ اَلقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ اَقْفَالُها". إليك ما قال الشيخ الشعراوي في معنى الآية: وتدبره يعني تأمُّله، بحيث لا نقف عند ظاهر الآيات وسطحيَّتها، بل نغوص في أعماقها ونتأمَّل معطياتها، ونتَلَمَّس أسرارها، ففي القرآن كنوز نكتشف منها كل يوم جديداً".

وُصِف القرآن بأنه روحٌ، والرُّوح لها خاصيتان: أولاهما أنها شفافة لا تظهر، وثانيهما أنها مصدر للحياة، اسأل نفسك وأنت تردد آياته، هل فعلا تشعر بتلك الروح تسري في جسدك، وأنك بمجرد ما تبدأ في قراءته تشعر بالحياة.
هنا يكمن الإشكال أخي، هل فعلا نقرأ القرآن بتدَبُّر حتى نفقه مراد الله منه ونكْتشف هذه الكنوز؟ أم إن قراءتنا له لا تتجاوز تَرَاقِينا، لا يغرنَّك هذا الإقبال الكثيف على القرآن في هذا الشهر، إنَّه لا يعدوا أن يكون تلبيَّة لتلك الحاجة النفسيَّة التي يشعر بها كلُّ مسلم تجاه هذا القرآن، لأنَّه ما من مسلم إلاَّ ولديه ميل وجدانيٌّ لهذا القرآن، وقد يختلف من شخص لآخر، لكنه للأسف عندما يقرأه يكون غرضه مُجرد تلبية هذه الحاجة دون تجاوزها، ومحاولة الغوص في معاني الآيات..

أتذكَّر كيف أنَّنَّي كُلَّما ولجت مسجداً في هذا الشهر قُبيْل الصَّلاة، إلا وأندهش لتلك الحالة العجيبة التي أَرى عليها الناس، الكل مُنكَبٌّ على هاتف أو ممسك لمصحف بيده، ودندنات تنبعث من هنا وهناك، الكل يكون في سكون رهيب، من بين هؤلاء وأُولئك، قد تجد، شباباً، شيوخاً، ذووا أعمال وغير ذلك... زمرة من جميع فئات المجتمع، لا أدري أين يكون كل هؤلاء طوال السنة! أوليس هذا الوقت الذي يقرؤون فيه الآن يكون متاحا لهم باقي السنة؟ أم ترى أنهم لا يشعرون بالحاجة لهذا القرآن إلا في هذا الشهر!

إن المشكلة أيها القارئ الكريم ليس أن تردد حروف القرآن، صحيحٌ أنَّك ستُؤجر على ذلك، وأن الحرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها.. لكن ما لهذه الغاية نزل يا أخي القرآن، هذه ربوع العالم العربي أمامك، أُنظر كم من حافظ، ومجود، وقارئ له.. وحالنا كما ترى في آخر قافلة الأمم، القرآن هو منهاج حياة، وليس كلاماً يُتلَى وانتهت القصَّة، إذا كان الأمر يتوقف على مجرد سَرْد آياته، فما كان تردد أحد في الإيمان به، لكن الأمر أعظم من ذاك، صحيح أنَّه كلام لكنه كلام مُفيد بتعبير النُّحاة، كلام يقرع الآذان إذا قُرئ بتدبُّر، وذلك يقتضي أن يُؤثر، في نفسك وسلوكك، بل وفي منهاج حياتك كله، وإلا فأنت لم تقرأ القرآن بعد..

وُصِف القرآن بأنه روحٌ، والرُّوح لها خاصيتان: أولاهما أنها شفافة لا تظهر، وثانيهما أنها مصدر للحياة، اسأل نفسك وأنت تردد آياته، هل فعلا تشعر بتلك الروح تسري في جسدك، وأنك بمجرد ما تبدأ في قراءته تشعر بالحياة تدب في جسمك من جديد، وتحس بقلبك وهو يكابد وقع حقائقه الملتهبة كالجمر، أم أنَّك فقط حامل بضاعة ولا يدري ما طبيعتها وما هي؟

لأَن تقرأ آية وتفهم معناها، خَير لك من خمس أو سبع خَتمات وأنت لا تفقه شيئا منهن، وما سبب تأزم وضع أمَّتنا اليوم إلا ذاك لو تتأمَّل، وليس حديث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك ببعيد، وكيف أنه كان عندما يحفظ أحدهم آية لا يتجاوزها إلى غيرها حتى يمتثلها.
الكثير من الشباب المتحمِّس اليوم، يضع برنامجاً لقراءة القرآن في هذا الشهر، وهذا شيء حسن وجميل، لكن المشكل أن هؤلاء يكتفون بمجرد القراءة السطحية، ويتنافس بعضهم مع بعض في خَتْم أكبر عددٍ مُمكن، لكن المشكل ليس في عدد الختمات، وإنما هو ماذا غيرت فيك تلك الختمات؟ أم أنك فقط أرحت ذهنك الذي يظل الدهر يُؤنِّبك على عدم قراءتك للقرآن؟ اسأل نفسك ما ذا تعلمت منه؟ هل غير فيك شيئاً؟ بل والسؤال المُرّ هو هل أثر في نفسك عندما كنت تقرأه؟ أم ترى أن قلبك أشدُّ صلابة من الجبل الذي أخبر عنه الله بأنه لول أُنزل عليه القرآن لتصدع من خشيته.

بعد كل هذا نقول هلا تدبرنا القرآن؟ الأمر بسيط وسهل، بدل أن تختم خمس أو أربع ختمات، اقرأ ولو واحدةً أو أقلَّ لكن ذلك يكون بمنهج التدبر، والأمر بسيط إن شاء الله، معنى التدبر هو النظر دُبر كُلِّ شيء، بمعنى النظر والتأمل في دُبر الأمور وما تؤول إليه، وذلك لا يقتضي منك سوى الفهم العام للآيات التي ستقرؤُها، باعتماد تفسير مُبَسَّط، وكلما قرأت آية إلاَّ وتتأمَّلها وتَنظُر وقعها في نفسك وفي المجتمع، فتسعى جاهدا، إلى امتثال ما تأمرك به واجتناب ما تنهاك عنه، وكل ذلك بقدر استطاعتك.

ولأَن تقرأ آية وتفهم معناها، خَير لك من خمس أو سبع خَتمات وأنت لا تفقه شيئا منهن، وما سبب تأزم وضع أمَّتنا اليوم إلا ذاك لو تتأمَّل، وليس حديث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك ببعيد، وكيف أنه كان عندما يحفظ أحدهم آية لا يتجاوزها إلى غيرها حتى يمتثلها، ويرتوي من فيض نورها، وعلى ذلك تخَّرج أبطال داك الجيل الذي تربى في المدرسة النبوية، واستطاع حمل مشعل النور النبوي، حتى أضاء به أرجاء المعمورة كلها. فهلا تَدَبَّرنا القرآن؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة