عصام القيسي
عصام القيسي
424

تحديات معاصرة أمام الإسلام

27/5/2017
تشغلني منذ سنوات ظاهرة ارتداد الشباب المتدين عن الإسلام، التي زادت وتيرتها بعد فشل ثورات الربيع العربي. فخلال السنوات السبع الماضية عرفت الكثير من هؤلاء وممن أكلت الشكوك قلبه وعقله. وأكثر من عرفت منهم كان من ذوي السمت الأخلاقي النبيل، ومن أصحاب الهمم العالية. هذا فوق أن بعضهم من ذوي التخصصات العلمية الراقية. أقول هذا حتى نستبعد من البداية تعليل الظاهرة تعليلا أخلاقياً أو ذهنياً. فنحن لا نتحدث عن شباب يرغبون في التخلص من قيود الشريعة لأنها أثقلتهم، ولا عن مجموعة من الأغبياء الذين لا يحسنون الفهم.
 
بالطبع هناك علل نفسية وذهنية قد تكون وراء ظاهرة الإلحاد تحديداً، إلا أن هذه العلل ليست أساسية. وإذا طلب مني حصر الأسباب والدوافع التي تقف وراء ظاهرتي الشك والإلحاد لدى هؤلاء الشباب سأقول أنها تنتهي إلى سببين رئيسين، الأول شعور -مدعم بالشواهد- بعدم اتساق الخطاب الديني، والآخر شعور بأن الزمن قد تجاوز فكرة الدين.

بالنسبة للشعور الأول فقد أحدثت ثورة المناهج والمعلومات والاتصالات انفجارا للأسئلة في أذهان الشباب. أسئلة ذات طبيعة فلسفية عميقة لم تعد تجدي معها تلك المعالجات القديمة. أو حتى تلك الإجابات الذكية المحدودة التي تركها مفكرون معاصرون كمصطفى محمود وعباس العقاد وغيرهما. فأسئلة هؤلاء الشباب تغوص عميقاً حتى تصل إلى مستوى نظرية المعرفة وفلسفة الأخلاق في الإسلام. وهذا المستويات الفلسفية لم تحظ بدراسات إسلامية كافية. ولا يجد الشاب منهم مرجعاً معتبراً في هذا الشأن.

الإسلام يقف في قفص الاتهام أمام الديمقراطية وحقوق الإنسان. أعني الإسلام كما يقدمه الفكر الإسلامي التقليدي. وليس من اليسير على محامي الإسلام اليوم أن ينتصر في مواجهة مع محامي الديمقراطية بمفهومها الليبرالي.
أما بخصوص الشعور الثاني فمن الواضح أن الدين – والإسلام خاصة – في العصر الحديث تقف أمامه تحديات صعبة لا نظير لها في العصور الماضية. تحديات أفقدته الكثير من قوته الحجاجية والكاريزما التي كانت له في الماضي. وإذا شئنا الدقة فإن هذه التحديات تقف أمام الفكر الديني لا أمام الدين نفسه. فقد عجز الفكر الديني عن تقديم الدين بوصفه ظاهرة ديناميكية متجددة وعجز عن تأصيل مقولاته تأصيلا فلسفياً وتاريخياً كافياً. وكانت النتيجة أن تحمل الدين وحده تبعات هذا العجز.

كان من عيوب الفكر الإسلامي جهله أو تجاهله للظروف التاريخية التي أسهمت في إعطائه زخماً قوياً في القرون الثلاثة الأولى. وهي الظروف التي انحسرت تماماً في العصر الحديث وتحولت إلى النقيض. تجاهل الفكر الإسلامي أن قوة الخطاب الإسلامي في الماضي لم تأت دائماً من ذاته، بل من الظروف التي أحاطت به عند ظهوره ولم تعد موجودة الآن. فقد جاء الإسلام في القرن السابع الميلادي حيث كانت المجتمعات الإنسانية تعاني أشكالا من الظلم لا حصر لها، وعندما كانت الدول والمجتمعات في حالة ضعف وانحلال. كما أن مستوى التحديات العقلية للدين آنذاك كانت محدودة للغاية. وهذه كلها ظروف مساعدة لانتشار الإسلام وبلوغه آنذاك أرفع مقام، بما يقدمه من خطاب عن العدل والإحسان، ووعود بالمجتمع المثالي النظيف، وبالحيوية العالية التي بدت في أتباعه آنذاك.

لقد كان الإسلام بالنسبة لتلك المجتمعات لاهوت تحرير بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى. تحرير للنفس من أوهامها، وتحرير للإنسان من طغيان السلطة السياسية، وتحرير للأرض من مغتصبها الأجنبي. ولم يكن على وجه الأرض آنذاك أيديولوجيا أو فكرة تنافس الإسلام في هذا المضمار. هذه العوامل الخارجية عملت جنباً إلى جنب مع عوامل القوة الذاتية للخطاب الإسلامي في انتشار ساحق له على قارات العلم القديم.

وبنظرة سريعة يمكننا معرفة أن هذه العوامل الخارجية لم تعد متوفرة اليوم. بل إن المتوفر هو نقيضها تماماً. فالديمقراطية نظرية حديثة ذات بريق أخاذ، تنافس الإسلام في الوعد بمجتمع العدالة والحرية، وتتفوق عليه من وجهة نظر البعض في مجال الحقوق والحريات على الأقل. وحال المجتمعات الإسلامية المعاصرة في مقابل المجتمعات الديمقراطية هو أكبر دليل على نجاح هذه وفشل ذاك كما يقولون.

أصبحت دواعي المراجعة النقدية للتراث الإسلامي كثيرة جداً، خصوصاً بعد أن أصبح الإسلام في مرمى التشويه المتعمد من قبل دوائر دولية محترفة في التشويه.
الإسلام اليوم هو الذي يقف في قفص الاتهام أمام الديمقراطية وحقوق الإنسان. أعني الإسلام كما يقدمه الفكر الإسلامي التقليدي. وليس من اليسير على محامي الإسلام اليوم أن ينتصر في مواجهة مع محامي الديمقراطية بمفهومها الليبرالي. فما بالك إذا دخل في مواجهة مع أسئلة الفلسفة الحديثة وأسئلة العلم. والمشكلة أن المؤسسة الدينية الإسلامية ترفض حتى الآن الاعتراف رسمياً بأن الفكر الإسلامي التقليدي يعيش أزمة كبيرة. خوفاً من الاعتراف بضرورة مراجعته ونقده.

لقد أصبحت دواعي المراجعة النقدية للتراث الإسلامي كثيرة جداً، خصوصاً بعد أن أصبح الإسلام في مرمى التشويه المتعمد من قبل دوائر دولية محترفة في التشويه. وسيكون من ضعف الفقه والجهل بالسنن الزعم بأن كل ما يجري للمسلمين اليوم سببه الآخر المعادي للإسلام فقط لا غير. فمسئولية الذات عما يجري لها ثابتة بنص القرآن: قل هو من عند أنفسكم.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة