منير رجوب
منير رجوب
1.1 k

تسعُ رصاصاتٍ وسكين.. أنت الآن في أورشليم

3/5/2017

ما زال الريح يهمس في أذني، والأفكار في عراكٍ داخل مخيلتي، والسماء تميلُ للحُمْرةِ، وأنا جاثِم الجسد،ِ يكادُ الحِبْرُ أن ينفَذ من قلمي، والكهرباءِ تتقطَّعُ كأن المشهدَ أقربُ إلى الرعبِ. نعم أوشكت ساعةَ الغروبِ، الكل إلى منزله ذاهب، ولا أحدٌ يمتلك الجرأة للسؤال أو إلى الالتفات جانباً.. عفواً ماذا سوف يسأل؟ هل أحد يرى لِيَسأل؟ وهل إذا رأى سيفهمَ شيئاً؟ نحن في حالةٍ أقرب إلى غيبوبةٍ مميتة .

الخوف يسيطر على الجميع الآن، نعم الكل تحت السيطرة، نعم الكل يرى الحلول دماء حمراء، وصرخات أمّهاتٍ وآهاتٍ ممزوجة بنقاوةِ الوجع. لأقرِّب أليك الصورة، نحن من حيث الزمان في العام 2017، نعم عصر التكنولوجيا المُخيف، ومن حيث المكان نحن في إحدى القرى الفلسطينية القريبة من القدس، هل سمعتَ بها؟ إذا لم تسمع بها فلعلك سمعتَ بمدينة تُسمى أورشليم؟! أجل أورشليم!

تسعُ رصاصاتٍ في جسدها وسكيناً مُلقى إلى جانبها، يتناوب حولها مجموعةٍ من الغربان السوداء المخيفة بأسلِحتها يُطلق عليهم جنود الكيان.

كـَ تلك الأحلام المتطايرة في طفولتنا، كَـ براءة سؤالِ طفلٍ تحت الأنقاض، متى ستنتهي لُعبتنا؟ لماذا أختي الصغيرة ترتدي لباسٌ متسخ بإحمرار؟ لماذا تنام طويلاَ وأُمي بجانبها تصرخ؟ ثم يصرخ أحدهم قائلاً: انتظر ودعها! لقد تم استدعاء محققاً يّحكى ويقالُ عن ذكائه ويُمدحُ بعدلهِ. في تلك اللحظة لم يكن أحد يعرف حينها أنّ المحقق من الإفرِنجِ مُـتزوجٌ من امرأة يهودية.

في أثناء طريقهِ إلى القدس العتيقة.. نعم هنا قُبَيْلَ إحدى الأبواب التي تحملُ تاريخاً لم يُكْتَبْ لمدينةٍ أخرى غير القُدس يجد ثلاثة أطفالٌ يتقاسمون رغيفاً من الخبزِ دُهِنَ عليهِ قليلٌ منَ الجُبْنِ، فينطر أحدهم إليه بابتسامةٍ بريئة أثلجت صدر المحقق، وأخبرته ابتسم أنت على أعتابِ القدس، فينظر إلى الجهةِ المعاكسة من القدسِ ،فيرى ثلاثُ أخوةٍ صغار يتحادثون فيما بينهم ويقولون متى نكبَرُ وندخلُ مثل ذلك الرجل الأشقر إلى القدس.

وقف المحقق قليلاً يتأمل خارج الأسوار، فسمع امرأةً تبكي بحرقةٍ قد مُنعت من الصلاة في رحيقِ الأقصى. كانت الدمعةُ من على خدها تتساقط كما يتساقط الياسمين في وهجِ الصباح، وتمعنّ في وجهها قليلاً فوجدَ آثار كدماتٍ في طرفِ عينها اليسرى، من يراها يشعر للوهلة الأولى بأنّ الشريان من عينها سيتفجّر.
 

دخل هذا المحقق الأشقر بعد هذه المشاهد إلى المدينة المقدسة وكان يَعلم أن هذه الأسوار العظيمة تُخبّئ لهُ داخلها الكثير من القصص والروايات العظيمة، فأنت هنا ليس في أيّ مكان، أنت في القدس، أم الحضارات، هنا أصبح للأبطالِ من التاريخِ مجداً، أنت في المهبط والمعراج السماوي.

ملأ في نفس المحقق شعوراً بالرهبة، فتراهُ باهتاً يقول في نفسه هل هذه الجدران العظيمة تشدوا نواحَ ما بعد الموت، أم أنني أوشكتُ على اكتشاف إحدى حقائق أورشليم؟ توقفت نبضات الساعة بدخولهِ إلى أحياء القدس التي لَطالما رآها فقط في الصور، فكانت أعظم وأوسع مما في مخيلته.

كانت القبة المشرفة تُرَىْ في لمحاتٍ متقطعة، ولكن لمحة واحدة كانت كافية لتُدهِشه بجمالها، ثم صعد المحقق على درجاتٍ تتخللها الساحة الرئيسية للمسجد الأقصى، وهناك رأى العروس وليست بأي عروس، وقف المحقق عشرُ دقائق في دهشة وانبخاع تتخللها نظرات الدهشة من عينيه بجمال المنظر.
 

لم تدُم الدقائق طويلاً حتى نظَر إلى الطرف السفلي من الجانب الغربي للصخرة، وكانت هنا مسرح الجريمة، حيث رآها طفلة لم تتجاوز السابعة عشر عاماً تلبس طرحةً بيضاء مشَبّعة بالعشقِ الأحمر، تسعُ رصاصاتٍ في جسدها وسكيناً مُلقى إلى جانبها، يتناوب حولها مجموعةٍ من الغربان السوداء المخيفة بأسلِحتها يُطلق عليهم جنود الكيان. ثم نظر المحقق إلى القبّة مرة أخرى، فكانت الرؤيا مختلفة عمّا قبلها، وكأن الصخرةَ تقول له انظر إلى الطفلة! إنها العروس وليست أنا.. إنها بطلة القصة، إنها حقيقة أورشليم. ففحص المحقق موقع الجريمة، وتأكد حينها بأن تلك الأيدي الصغيرة الناعمة لا تقدر على الإمساك بذلك الوحش (السكين).

أعلم أنك لوهلةٍ ظننت بأنكَ في إحدى المدن الأوروبية، ولكن هذه أيضاً القدس، نعم تم دبلجة وترجمة كلّ شيءٍ تراهُ إلى اللغة العبرية حتى الشخوص.

في اليوم التالي كان المشهد مشابه لما قبله، أنت الآن في الجهة الشمالية من السور المحيط بالقدس، نعم هذا هو باب العمود، وتلكَ فتاةٌ سمراءَ عربيةٍ سالَ الكِحلُ من عينها، وداعب ملامح وجهها لتُناسب الموقف العصيب، وآثارُ نقابها الممزّق يُخرِجَ العقل من الروح. الفتاة تبكي والكل من حولها في ذُعرٍ، فأحد الشبّانِ أخذ يدافع عنها من غصب جنديٍ أراد نزع نقابها، فانتُزِعت روحه في ثوانٍ بتسعِ رصاصاتٍ وأُلْقيت إلى جانبه سكين.

بعد فحصٍ طالَ وأطال، وشرود المحقق في الأذهان وألف سؤالٍ في ضميره يقول: ما من شيءٍ هان! ويصارخ نفسه في تكتم ما أقصى أن تحيا هنا عام. الليل طويلُ الآن وأذرعه السارقة للنوم دقائقها تحبس الأنفاس، فالرعب يلبسَه وهو في فراشِه مع مدللةِ الإجرام.

يستيقظ صباحاً فيسمع زوجته تتكلم سراً في هاتفها، فتقَع في أذنهِ جملة تقول فيها: إنه متكتم جداً، ولا أعرف إن كان قد فهم اللعبة أم لا؟! الآن ملامح وجه المحقق أشبه بليمونةٍ صفراء، شحبت وجهه في ذعرٍ حقيقي، فخرج مسرعاً نحو موقعي الجريمة ومعه السكينين، فرأى طفلةٍ تجوب الساحات ركضاَ تلحق في طائر قد يُرافقها، وشابٌ يدرِّسُ القانون في الساحات أيضاً ويهمس لزميله عن حقٍّ يسمى العودة.. ماذا قصد بذلك بالتحديد؟ لا أعرف!

لم يمكثُ المحقق طويلاَ في التفكير حتى اخترقت جسده تسعُ رصاصات لم يدري أيّ غرابٍ قد أطلقها، ولكن البشاعة تجسدت في نظرته الأخيرة ورؤيته لزوجتهِ تضع إلى جانبه السكين، نعم غردت البلابل والعصافير أثناء ذلك المشهد وكأنها على حتفِه تنوح.

هنا في إحدى الحارات الغربية لمدينة القدس خارج الأسوار.. عفواً.. أورشليم، نعم هذه تُسمى أيضاً أورشليم. أعلم أنك لوهلةٍ ظننت بأنكَ في إحدى المدن الأوروبية، ولكن هذه أيضاً القدس، نعم تم دبلجة وترجمة كلّ شيءٍ تراهُ إلى اللغة العبرية حتى الشخوص، فتلك الشقراء الجميلة هي فتاةٌ روسيةُ الأصل تحمل الهوية الزرقاء وتتحدث العبرية، أنظر إلى تلك الشوارع النظيفة والجميلة، وأنظر إلى الجهة المقابلة من هذا الشارع، ستجدُ شباباً من العربِ تلهو في حاراتِ القدس العبرية باحثين عن فتاةٍ شقراء يتغزلون بها، وأنظر إلى تلك المقاهي الممتلئة بالنساء! هل تراهُنَّ؟ هكذا يريدون القدس.
 

بعد العراك الذي خضته مع نفسي لأكتب وأُقرِّب إليك الصورة، لنلقي نظرةً أخرى على القدس. ها قد رأيت الكل صامت، الكل خائف، وإذا عَلمَ شيئاً لم يراه، وإذا رأى شيئاَ لا يعرفه.. حتى الآذان صوتُ التوحيدِ أوقفوه. جميعُنا خائفون؛ لأننا إذا أظهرنا غير ذلك، ستجد في جسد كلٍّ منا تسعُ رصاصاتٍ وسكين، وإذا سمعت بتسعِ رصاصاتٍ وسكين فاعلم بأنَّكَ في أورشليم.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة