علي أنوزلا
علي أنوزلا
1.2 k

هل تأخَّر تَحوُّل "حماس"؟

3/5/2017
أعلنت حركة "حماس" الفلسطينية عن وثيقة جديدة أسمتها "وثيقة المبادئ والسياسات العامة" كشفت عن تطور مهم في مواقف الحركة المقاومة، وتحولٍ جذريٍ في بعض آرائها العقائدية ذات العلاقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي. لكن أكبر تحول حمله إعلان هذه الوثيقة هو قدرة الحركة التي ارتبط اسمها بالمقاومة المسلحة على تغيير رأيها وإعادة النظر في بعض مسلماتها، وهذا هو أول باب تفتحه الحركة العقائدية لدخول عالم السياسة البراغماتي من بابه الواسع.

فبعد ثلاثين سنة من وجودها، سجلت الحركة أكبر تحول في تاريخها سيغير مفردات أطول وأعقد صراع في العالم المعاصر يعتبر واحدا من أهم أسباب عدم الاستقرار الذي تعرفه منطقة الشرق الأوسط طيلة ستين سنة الماضية، وأصبحت اليوم تداعياته تؤثر على السلم والأمن العالميين. فكل الحروب التي عرفتها المنطقة وتلك التي تتخبط فيها اليوم الكثير من دولها تجد لها سببا أو ارتباطا مباشرا أو غير مباشر بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي تحول مع مرور الزمن إلى صراع عربي إسرائيلي.. وصراع إقليمي بأبعاد عالمية.

ومن خلال الإطلاع على الوثيقة الجديدة التي أعلن عنها رئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل، سنجد أنها تحمل الكثير من المتغيرات التي تجعل الحركة تتبنى لغة أكثر واقعية وهي التي جربت الحرب والمقاومة المسلحة مع واحد من أقوى الجيوش في العالم وضد واحد من أكثر أنظمة الاحتلال التي عرفها التاريخ عنصرية وعدوانية.

حملت وثيقة حماس الجديدة في الشأن الداخلي رسائل من شأنها أن تساهم في تقريب وجهات النظر مع الفرقاء الفلسطينيين، ورأب الصدع داخل الصف الفلسطيني عموما.
الوثيقة الجديدة حملت ثلاث متغيرات مهمة ستغير معها مستقبل الصراع في المنطقة:
أولى هذه المتغيرات هو اعترافها بأن الصراع هو سياسي وليس دينيا، من خلال تأكيدها على أنَّ "الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعاً مع اليهود بسبب ديانتهم"، وليس "صراعا ضد اليهود لكونهم يهودا"، وإنما هو "صراع ضد الصهاينة المحتلين المعتدين".

المتغير الثاني الذي جاءت به الوثيقة هو تحديد الهدف من المقاومة، عندما أقرت لأول مرة موافقة الحركة على إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 كـ "صيغة توافقية وطنية مشتركة"، وتخلت عن الصيغة القديمة التي كانت تسعى إلى تحرير فلسطين التاريخية "من النهر إلى البحر".

المتغير الثالث هو التمييز بين اليهود وبين الحركة الصهيونية، فالوثيقة لا تعترف بـ "الكيان الصهيوني"، لكنها تقر ضمنيا بوجود إسرائيل كدولة عندما وافقت على قيام دولة فلسطينية على حدود عام 1967، فهذا اعتراف ضمني بوجود دولة أخرى خارج الحدود الواردة في الوثيقة حتى إذا لم تذكر دولة إسرائيل صراحة.

المتغير الرابع في الوثيقة هو لغتها الخالية من كل العبارات المعاداة للسامية، عندما تجسد الصراع بأنه صراع مع المشروع الصهيوني "العنصري، العدواني، الاحتلالي، التوسعي.."، وبأن لا مشكلة لها مع اليهود فـ "المشكلة اليهودية والعداء للسامية واضطهاد اليهود ظواهر ارتبطت أساسا بالتاريخ الأوروبي".

المتغير الخامس هو ذلك الذي تضمنته رؤية الحركة الجديدة لوسائل المقاومة التي أصبحت أكثر واقعية وبراغماتية تتبنى كافة الوسائل والأساليب لإدارة الصراع، وهو ما يعني التخلي عن خيار الحركة الأوحد الذي كان متمثلا في حمل السلاح، والعودة إلى اعتماد التوصيات الأممية وقرارات الشرعية الدولية الخاصة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي كمرجع للحل السياسي الذي باتت تتبناه الحركة.

المتغير السادس في هذه الوثيقة هو رؤية "حماس" للدولة الفلسطينية المستقبلية، التي تقوم على: " قاعدة التعددية والخيار الديمقراطي والشراكة الوطنية وقبول الآخر واعتماد الحوار..". فالحركة تعلن صراحة أنها تسعى إلى إقامة دولة فلسطينية على "أسس ديمقراطية سليمة وراسخة، في مقدمتها الانتخابات الحرة والنزيهة، وعلى قاعدة الشراكة الوطنية..".

المتغير السابع في الوثيقة هو "فك الارتباط" مع جماعة "الإخوان المسلمين"، عندما عرفت الحركة نفسها بأنها "حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينيَّة إسلامية.. مرجعيَّتها الإسلام في منطلقاتها وأهدافها ووسائلها"، ونأت بنفسها عن ذكر ارتباطها بجماعة "الإخوان المسلمين" كما هو الشأن في ميثاقها الذي جاءت هذه الوثيقة لتحل محله.

الإعلان عن الوثيقة الجديدة لحركة "حماس" من الدوحة يذكر بالتصريح التاريخي للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عندما أعلن عام 1989 جملته الشهيرة "الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح كادوك"، أي متقادما ومتجاوزا.
الوثيقة الجديدة حملت عدة رسائل لعدة جهات في الداخل والخارج. داخليا حملت رسائل من شأنها أن تساهم في تقريب وجهات النظر مع الفرقاء الفلسطينيين، ورأب الصدع داخل الصف الفلسطيني عموما، وتوحيد الرؤية الفلسطينية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ومن هنا هذا التبخيس الذي ووجهت به من الجانب الإسرائيلي لأنه يرى فيها أكبر خطر يهدد مشروعه الاستيطاني الذي كان يسوقه في العالم تحت شعار "محاربة الإرهاب الفلسطيني".

أما خارجيا فقد حملت الوثيقة عدة رسائل إلى من يهمهم الأمر، رسائل إلى دول وحكومات في العالم بهدف تحسين صورة الحركة في الخارج وتحسين علاقاتها مع دول عربية وأجنبية كانت تصنف أو تنظر إلى حركة "حماس" كمنظمة إرهابية. ورسائل إلى الرأي العام الغربي خاصة والدولي عامة تظهر الحركة أكثر اعتدالا تقاوم ضد عدوان عنصري احتلالي بوسائل مشروعة ومن أجل قضية عادلة.

الإعلان عن الوثيقة الجديدة لحركة "حماس" من الدوحة يذكر بالتصريح التاريخي للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات عندما أعلن عام 1989 جملته الشهيرة "الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح كادوك"، أي متقادما ومتجاوزا، فكان لتلك الكلمة فعلها السحري في تحول أقدم صراع في المنطقة وفي العالم، واليوم بإقرار "حماس" لما اعترف به عرفات قبل 28 سنة، لن ينفع التذكير بأن ضياع كل فرص السلام التي أتاحها ذلك الاعتراف التاريخي لقائد فلسطيني تاريخي كان بسبب تعنت إسرائيل التي كانت تجد له ما يبرره في ميثاق حركة "حماس" وخطها المقاوم.

اعتراف عرفات جاء عام سقوط جدار برلين، في مرحلة عالمية تاريخية فارقة، عرف القائد الفلسطيني التاريخي كيف يلتقط تحولاتها في لحظتها، وكان متوقعا أن تٌقدم "حماس" على خطوة مماثلة عام 2011، في عز "ثورات الشعوب العربية" التي أحدثت رجة في العالم لا تقل عن الرجة التي أحدثها سقوط جدار برلين، لأن وقع وثيقتها الحالية كان سيكون له آنذاك صدى أكبر من الذي يٌتوقع أن تحدثه الخطوة الجديدة للحركة التي يجب تشجيعها وتحيتها على شجاعتها حتى لو جاءت متأخر.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة