الإسلاميون والمستقبل

4/5/2017
إن الدارس لتاريخ الحركات الإسلامية ونشأتها، وهنا أعني بالذات الحركات التي تمثل تهديداً فكريا وسياسياً للأوضاع التي قامت ولا زال جزء منها يقوم في العالم، الدارس لنشأتها يلحظ أنها قامت لا عن فراغ، بل عن استشعار مسئولية هؤلاء الأفراد بأن لهم رسالة خالدة لابد لهم من أدائها، ودفع ضرائبها. وهم مسلمون تولدت عندهم الرغبة الجامحة في تلبية نداء الله تعالى لنصرة الدين وسيادته في المجتمع والنظم والأمم، قال تعالى: (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم. الذين قال لهم الناسُ إن الناسَ قد جمعوا لكم فأخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) "آل عمران 172ـ173".


ولما انتهت الرسالات السماوية برسالة محمد عليه الصلاة والسلام، تاركاً للأمة والبشرية منهاج حياة وإطاراً تؤسس على ضوئه أفكارها وسياساتها ونظمها، كان لزاماً أن يتمثل ذلك المنهج في الأمة كلها؛ فكان تأسيس تلك الجماعات لتخوض غمار الإصلاح، وتتقدم لرفع الراية حتى لا تسقط، وهيهات أن تسقط وهي راية الخلود، ولما كان الواقع مريراً بانت نتائجه وتولدت مشكلاته من خلال الانسلاخ شيئاً فشيئاً من صفو الدين عبر التاريخ، وصولا لحاضرنا، كان أن قيض الله لهذه الرسالة من يحمل لوائها ويخوض الصراع إلى أن تتسلمه أجيال وأجيال.

يقول سيد قطب: "هناك جهوداً جبارة تبذل منذ قرون لحصر الإسلام في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية، وكفه عن التدخل في نظام الحياة الواقعية.

ولما كانت طبيعة البشر هي الخطأ والصواب والسقوط والنهوض والنهضة والانتكاس؛ كان لزاماً كذلك أن تكون تلك الجماعات داخل الإطار البشري في هذه الثنائيات من خطأ وصواب وسقوط ونهوض ولها أجر الاجتهاد إن أخطأت وأجران إن أصابت، ولذلك كله فإن الواقع الذي تشهده حركة الإسلام أو (الإسلاميون) الآن في العالم ليس بدعاً من التاريخ البشري كله، ونريد هنا أن نسلط الضوء على مستقبل الإسلاميين.

الإسلاميون والمنبع الذي لا ينضب:
قد يختلف الإسلاميون في داخلهم في نظرتهم لمواقف معينة من بعض القضايا وترجيحاتها إلا أن الإسلاميون يرجعون جميعاً للإسلام والقرآن كنص حاكم للتأسيس، وهذا ما لا تمتلكه فكرة في البشرية كلها، ولذلك لا يمكن أن تكسر شوكة الإسلاميين أبداً، بل لا تتعدى النكبة والرخوة وسرعان ما تشتعل مرة أخرى، وتؤسس الأسلحة التي تتأقلم مع ما يفرضه الواقع من مشاكل، وذلك داخل ما يؤطره القرآن باعتباره قاعدة التأسيس المرنة التي تتعدى صلاحيتها الزمان والمكان، وأظن أن الإسلاميون الآن في هذه المرحلة (مرحلة التأسيس الجديد).

وإن من أكبر ما يتهدد النظم المناوئة للإسلام، نظرة الإسلاميين وتمسكهم الذي لا يتزعزع بأن الإسلام يصادم الأوضاع السياسية، ولابد له أن يحكم، لا أن يظل محشوراً في دائرة ضيقة تسمى (الشعائر التعبدية)، وللأستاذ "سيد قطب"، كتاب رائع قرأته وأنا أشاهد بعيني واقعنا الذي تنبأ به سيد من خلال تجربته العملية، ومن خلال دراسته لأحوال المجتمعات، وهو (المستقبل لهذا الدين) وحسبي أن اقتطف منه بعض المقولات حيث يقول:  "ونحن نعرف أن هناك جهوداً جبارة تبذل منذ قرون لحصر الإسلام في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية، وكفه عن التدخل في نظام الحياة الواقعية، ومنعه من الهيمنة الكاملة على كل نشاط واقعي للحياة البشرية كما هي طبيعته، كما هي حقيقته، وكما هي وظيفته".

وفي فقرة أخرى يقول: "لقد كانت هذه الخصائص في هذا الدين، خصائص الشمول والواقعية والهيمنة  هي التي تعبت منها الصليبية العالمية في هجومها على (الأمة المسلمة) في (الوطن الإسلامي) كما أنها هي التي تعبت منها الصهيونية العالمية كذلك، منذ عهد بعيد! ومن ثم لم يكن بد أن تبذلا معا تلك الجهود الجبارة لحصر هذا الدين في دائرة الاعتقاد الوجداني والشعائر التعبدية، وكفه عن التدخل في نظام الحياة الواقعية، ومنعه من الهيمنة على نشاط الحياة البشرية، وذلك كله كخطوة أولى او كموقعة أولى، في معركة القضاء عليه في النهاية!"

"والمنهج الإسلامي المنبثق من هذا الدين ــ بهذا الاعتبار ــ ليس نظاماً تاريخياً لفترة من فترات التاريخ، كما أنه ليس نظاماً محلياً لمجموعة من البشر في جيل من الأجيال، ولا في بيئة من البيئات؛ إنما هو المنهج الثابت الذي ارتضاه الله لحياة البشر المتجددة، لتبقى هذه الحياة دائرة حول المحور الذي ارتضاه الله أن تدور عليه أبداً، وداخل الإطار الذي ارتضى الله أن تظل داخله أبداً، ولتبقى هذه الحياة مكيفة بالصورة العليا التي أكرم الله فيها الإنسان عن العبودية لغير الله".

إن الاسلاميون الحركيون ليسوا بجامدين؛ فكلما وجهت لهم ضربة سيزدادون قوة ورفعة، والضربة لا تعني موتهم، بل تعني تقويم سيرهم وتجديد رؤيتهم لأنفسهم، ورؤيتهم لطبيعة الدين نفسه.

"والناس إما أن يعيشوا بمنهج الله هذا بكليته فهم في توافق مع نواميس الكون، وفطرة الوجود وفطرتهم هم أنفسهم، وإما أن يعيشوا بأي منهج آخر من صنع البشر، فهم في خصام مع نواميس الكون، وتصادم مع فطرة الوجود، ومع فطرتهم هم أنفسهم، بوصفهم قطاعاً في هذا الوجود، تصادما تظهر نتائجه المدمرة من قريب أو من بعيد". ولذلك كله فإن المستقبل لهذا الدين، باعتبار إفلاس كل النظم التي قادت ركاب المجتمعات، والإسلاميون داخل هذا الإطار ــ فعليهم أن يجددوا وسائلهم وآلياتهم وأسلحتهم واستراتيجياتهم ونظمهم الآلية، وينهلوا من معين هذا الدين الذين لا ينضب ولا يبور.

الإسلاميون والمستقبل: 
إن الاسلاميون الحركيون ليسوا بجامدين؛ فكلما وجهت لهم ضربة سيزدادون قوة ورفعة، والضربة لا تعني موتهم، بل تعني تقويم سيرهم وتجديد رؤيتهم لأنفسهم، ورؤيتهم لطبيعة الدين نفسه، وتدبروا معي هذا المشهد من مشاهد القرآن الذي يصور حالة الصحابة في حنين، هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، قال تعالى: ( لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين) "التوبة ــ25".

إن هذا المشهد في حنين هو أكبر دلالة على أن التدين يحتاج دوماً لتصحيح المسار وإعادة النظر مراراً في مسيرة الامة، وواقع الإسلاميون أشبه كثيراً بذلك، فهم الآن في مرحلة (إعادة النظر) وتصويب السير وتصحيح الأخطاء ومعاودة الإقلاع من جديد ورفع الراية التي تتداولها أجيال البشرية عبر الأيام والأزمنة، وأخيراً نقول، لا شك! بل يقين لا يتزعزع، أن الإسلام قادم ليؤدي دوره المنوط به تأديته مهما طالت الأيام وتشابك الصراع.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة