من عمر بن الخطاب إلى أوردغان: ارحل

5/5/2017
أظلمتْ دنيانا السِّياسيَّةُ ردْحاً طويلاً من الزّمن، فحَملتِ الماكيناتُ الإعلاميَّةُ الناسَ حملاً على تقديسِ من اعتلى المناصب، وكثيرٌ منهم لهمْ كارهون. وانقسمَ الناسُ على ثلاثة: فقسمٌ صفَّق وابتسم، ولسانُ حالهِ ومقالهِ: (عجزتِ النساءُ أن تلدنَ مثلَ الزَّعيم)، وقسمٌ اختارَ المعارضةَ وغرقَ في أحلامٍ لم تعرفْ طريقها إليه. وقسمٌ ثالثٌ اعتبر السياسةَ فتنةً فاعتزلها كما فعلَ من قبلُ سعدٌ وابن عمرَ وغيرهما.

وما إنْ ولجت أقطارُنا -بعد ركودٍ مملٍ- عصرَ ما يسمى بالصَّحوة السّياسيّةِ والإسلاميّةِ بالذات، والتي تبلورتْ في حركاتٍ إسلاميّةٍ تنادي بالانعتاقِ من الاستبداد، وتعيد السِّياسة إلى بودقةِ الدِّين، حتى ابتلينا بمعضلةٍ أشدَّ وأنكى وأعوص. أعني تمجيدَ الأحزابِ و تقديسَ الشَّخصيَّات، ففي ذلك حجبٌ للنظرِ عن الفكرةِ إلى أحدِ دُعاتِها أو معتنقيها. هكذا أصيبتْ دويلاتنا بداءٍ سعتْ إليه تحسبهُ دواءً.

والمُطالعُ لمسيرةِ صعودِ الرئيسِ التركيِّ أوردغانَ يجدُ تصويراَ يجلِّي الغموضَ عن هذه المسألة. فأوردغانَ -بغضِّ النظرِ عن إسلاميَّةِ فكرتهِ من عدمها- بعد تعثُّرهِ في أولِ مسيرتهِ السّياسيّةِ، قد ظل يترقى مناصبَ اتخذ منها منابرَ لمناصرةِ بعضِ القضايا التي هيَّجت مشاعرَ الجماهير، فصارت شعبيَّتهُ تجاوزُ بلادهُ إلى كل بلدان المسلمينَ الأخرى والعربية منها بالذات، ولذلك أسبابهُ العديدة، لعلَّ منها: ندرةُ القدواتِ، وفشلُ التجاربِ أو إفشالها، وكذلك الجوارُ الجغرافيُّ، بالإضافةِ إلى الصلةِ التاريخيةِ المتجذرة.

كان عمرُ يرى ضرورةَ عزلِ خالد حتى قبل تولِّيهِ الخلافة، فلما تولاها أرسل رسالتهُ المشهورةَ إلى أبي عبيدةَ ومفادها عزلُ خالد بن الوليد من قيادةِ الجيشِ بعد أن حقق انتصاراتٍ متواليةٍ؛ خشيةَ أن يفتتنَ الناسُ به.
لا يَكْمنُ الإشكالُ -عندي على الأقل- في أنَّ أوردغانَ سياسيٌّ ناجحٌ بشهادةِ إنجازاتهِ البارزة أمامَ كل من فتح عينيه، والتي قد لا يكونُ تعديلُ الدستورِ العتيقِ آخرها. كما لا يكمنُ الإشكالُ في إعجابِ الجماهيرِ بشخصهِ إلى حدٍّ قد لا يطاق، فليس له ذنب في ذلك ولا جريرة، فهو سياسيٌّ قام بما ينبغي عليه تجاهَ شعبهِ ومحيطهِ فحسب؛ فنالَ ما نالَ من إعجابٍ مستحقٍّ وشهرةٍ عريضة.

إنما الإشكالُ -في رأيي- أن يستمرَّ في الحكمِ بعد كل هذا الزمنِ الذي قضاهُ رئيساً لحزبه، فرئيساً للوزراء، ثم رئيساً للدولة، وبعد كل الإنجازاتِ التي حققها لبلده، بل وأن يسعى لإطالةِ فترتهِ في الحكم. كل ذلك أدَّى إلى اعتقادِ بعضِ جمهورهِ في حزبه أنه سببُ تفوقه، كما اعتقادُ الناسِ من الأقطارِ المجاورةِ فيه أنه "خليفةُ المسلمين" و "سلطانُ العثمانيين" مما أدَّى إلى افتتانهم بشخصهِ وانبهارهم بإنجازاته. والحقيقةُ أن التَّغييرَ عموماً لا يُحدثهُ شخصٌ واحدٌ أياً كان، وإنما يَحدثُ بإرادةٍ عريضةٍ جمعويةٍ تتوِّجها قيادةٌ مخلصةٌ وجادَّة، وهو ما حدث في تركيا.

ولنا في هذا المقامِ التعريجُ على مسألةِ عزلِ عمرَ بن الخطابِ خالدَ بن الوليد، ففيها تَجْليةٌ للأمرٍ وتقريبٌ له شديدين. فقد كان عمرُ يرى ضرورةَ عزلِ خالد حتى قبل تولِّيهِ الخلافة، فلما تولاها أرسل رسالتهُ المشهورةَ إلى أبي عبيدةَ ومفادها عزلُ خالد بن الوليد من قيادةِ الجيشِ بعد أن حقق انتصاراتٍ متواليةٍ؛ خشيةَ أن يفتتنَ الناسُ به، وأن يظنوا أنه سبب تلك الانتصارات. ولم ينقص ذلك من قدر خالد الذي عاش بعدها بقيةَ حياته جندياً في جيش المسلمين.

والعبرةُ من ذكرِي صنيعَ عمرَ هذا -رغم كونه اجتهاداً- أنّ الأمر ذاته ينطبق على أردوغان، فقد حدث معه ما خشيَ عمرُ حدوثَهُ مع خالد، وكأني أقرأ للخطَّابِ رسالةً إلى أردوغانَ وفيها نصُّ رحيله. وأُثنِّي برسالةٍ منِّي إليه: ارحلْ حفاظاً على إنجازاتك، ونزاهةِ مسيرتك، ونظافةِ يدك، فالحكمُ يورثُ صاحبه طغياناً يَحْرفهُ عن سويَّتهِ، وعُجْباً يتمكَّنُ من نفسه، فارحلْ!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة