أحمد الزعبي
أحمد الزعبي
2.7 k

مفارقات صحفية

6/5/2017

تقرير منظمة "فريدوم هاوس" الأخير الذي تحدّث عن تدهور الحرية الصحفية العالمية حيث وصلت إلى أدنى مستوى لها منذ 13 عاماً بسبب مساعي حكومات من مختلف العالم -الكثير منها ديمقراطية بالمناسبة- في وضع قيود على المعلومة وحرية التعبير للوصول إلى قمع الإعلام، وأن فقط 13% فقط من سكان العالم يتمتّعون بصحافة حرة، هذا التقرير أعاد لي بعض المفارقات الصحفية التي عشتها منذ أن دخلت هذه المهنة وبنفس السنوات العجاف التي ذكرتها "فريدوم هاوس" أي قبل ثلاثة عشر عاماً.

 

دعوني أعترف أنني أبتليت بالسقف المرتفع منذ أن أصبحت كاتباً يومياً في صحيفة رسمية، فلا أستطيع أن أملأ عمودي اليومي بأي كلام لأخلص من الواجب المطلوب مني، كما لا أقبلها أن أستغل هذا المستطيل في الصفحة الأخيرة لأكيل المديح للحكومات وأمارس النفاق للنظام أو أتبرّع بالإشادة السياسية لأحصل على مكاسب ولو بعد حين، فقد حملت السلّم بالعرض منذ يومي الأول في الجريدة، وبقيت على نفسي الساخر المعارض بعد أن باءت كل عمليات التدجين والترويض والترويع المهني تمارس علي.

هذا العناد والإصرار على الكتابة بالسقف المرتفع كان يعرّض مقالاتي للحجب عن النشر مرة أو مرتين أسبوعياً على الأقل فقمت باستغلال هذا العقاب "منع من النشر" للترويج للمقال المحجوب عن القراء على صفحات المواقع الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي لإثارة السخرية حول الحريات الصحفية المتدنيّة وان كانت مادة المقال نفسها غير ساخرة بالضرورة فانتشر أضعاف ما كان ينتشر في مكانه التقليدي في الصحيفة..

 

أنا لا أحزن ولا أقلق إذا ما صدر تقرير جديد يتحدّث عن تراجع الحريات الصحفية.. لأنها غير متقدّمة أصلاً حتى تتراجع! المسألة مفروغ منها.."في بلادنا العربية"

أولى هذه المفارقات: لقد شاءت الظروف وكتبت في صحيفة عربية عموداً أسبوعياً بالإضافة إلى عملي في صحيفتي المحلية اليومية، في الصحيفة العربية عانيت من نفس المشكلة التي كنت أعانيها مع صحيفتي الأصيلة، فقد كنت أتعرض لحجب المقالات إذا تعرّضت لانتقاد الوضع السياسي، ما الحل إذن؟؟ قمت بحيلة بسيطة بدأت أنشر المقالات الممنوعة من قبل الصحيفة العربية في الصحيفة المحلية وأنشر المقالات الممنوعة محلياً والتي تنتقد الوضع السياسي في بلدي في الصحيفة العربية وبهذا صرت أحظى بفرصة النشر بكامل الأريحية لكن "خلف خلاف".. ما يمنع هناك ينشر هنا، وما يمنع هنا ينشر هناك والعرب بطبيعتهم يعشقون المناكفة وانتقاد أداء الآخر لكن ليس مناكفتهم بالتأكيد.

 

المفارقة الثانية: بعد سنوات طويلة من معاناتي من حذف العبارات من قلب المقال او "قصّ" الخواتيم التي تحتوي على خلاصة الفكرة وفشلي في عقد هدنة أو اتفاق مع إدارات التحرير المتعاقبة اكتشفت "حل الشيفرة" لنشر المقال دون قصقصة أو اختصار، فإذا أردت أن تنتقد النظام السياسي في بلدك لا تشر إليه بالاسم لكن عممها اكتبها هكذا "في بلادنا العربية".. هنا يرتاح ضمير الرقيب بعد أن يكون قد وزع دم الظلم والمحسوبية السياسية والفساد على الأنظمة العربية بالتساوي فالموت مع الجماعة رحمة..

 

مفارقة ثالثة: ذات يوم عندما كنت غضّاً لا أعرف مفاتيح الرقيب ولا نقاط الهروب من التفتيش اليومي، كنت قد كتبت مقالاً قاسياً انتقد به "حكومتنا"، الحكومة فعلت، الحكومة قصرت،الحكومة أهملت، الحكومة تجاوزت، الحكومة أضعفت، الحكومة تهاونت ،أرسلت المقال بالبريد الاليكتروني متوقّعاً أن يمنع كالمعتاد...في اليوم التالي كانت المفاجئة الكبرى، المقال منشور بنفس العنوان الذي اخترته..توقّف قلبي من الفرحة هل انفرجت أخيراً عقدت الحرية في بلادي..وعندما شرعت بقراءة التفاصيل وجدت المقال ينتقد الحكومة بقسوة لكن مع تعديل طفيف: إضافة كلمة الأمريكية بعد كل كلمة حكومة..الحكومة الأمريكية فعلت،الحكومة الأمريكية قصرت،الحكومة الأمريكية أهملت، الحكومة الأمريكية تجاوزت،الحكومة الأمريكية أضعفت،الحكومة الأمريكية تهاونت..وعندما اتصلت برئيس التحرير وقتها وعاتبته على محتوى المقال الذي انقلب وتغير تماماً..قال لي بطولة بال منقطعة النظير: يا ولدي..الحكومة الأمريكية تتحمل النقد لكن حكومتنا لا..

 

أنا لا أحزن ولا أقلق إذا ما صدر تقرير جديد يتحدّث عن تراجع الحريات الصحفية.. لأنها غير متقدّمة أصلاً حتى تتراجع! المسألة مفروغ منها.."في بلادنا العربية".. كلما طالبنا بالحريات.. طلبوا لنا "التحريّات"! صحيح أن الفرق بين الاثنتين "تاء" واحدة لكنها كفيلة أن تحدث تأتأة كثيرة..

 

الحمد لله على نعمة مواقع التواصل الاجتماعي

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة