أنس السلطان
أنس السلطان
2.6 k

من هم الإسلاميون؟.. "المصطلح والمدارس"

6/5/2017

في طرفة مصرية يقول أحد الناس للآخر في عراك بالشارع: أنت معنا أم مع الآخرين؟ قال: أنا معكم. فأجاب الأول: نحن الآخرون.

 

قد تبدو مزحة لكنها تدل على معنى مهم هو حرص بعض الناس على الاستقطاب والصراع واتخاذ الموقف المعادي بل ربما لو ظهر في الأفق بادرة وفاق واتفاق وأدها ومنعها حرصا على استمرار هذه الحالة الصراعية التي لا تظهر مواهبه الحجاجية وقدراته النقاشية ولا ترتاح نفسه غير السوية إلا فيها.

 

مثل هذه الموقف نراه في نقاشات البرامج الحوارية التلفزيونية "التوك شو" في أي موضوع يثار سياسيا أو فكريا أو اجتماعيا، وذلك للوصول إلى نسب مشاهدات عالية وإعلانات باهظة القيمة تبعا لذلك، ومن هذه الموضوعات التي كثيرا ما يتم تناولها في مثل هذه البرامج مسألة الإسلاميين وتياراتهم ومدارسهم وأفكارهم وعلاقتهم بالعنف والإرهاب والتعصب وغير ذلك، ونريد في هذه الكلمات أن نشارك بكلام موجز عن هذا الأمر المهم ببيان معنى كون إنسان ما إسلاميا، وما الآثار النظرية والعملية المترتبة على ذلك؟ وما المدارس الكبرى المعاصرة المندرجة في سلك هذا المصطلح؟

 

فنقول: الإسلامي هو من يعتقد وجوب العمل بشرع الله تعالى في كافة شؤون الحياة، ويعمل من أجل ذلك.

 

وهذا التعريف على اختصاره جامع للمعاني الثلاث التي بها يكون الإنسان إسلاميا أو غير إسلامي؛ فمن لم يعتقد وجوب العمل بالشريعة أصلا، أو أن الشريعة يجب العمل بها في مجال دون مجال فتكون في العادات مثلا وليس الاقتصاد أو السياسية أو غيرهما، وكذلك من اعتقد وجوب العمل بالشريعة ورعايتها واحترامها واتباعها لكنه لم يعمل لذلك ولم يدع الناس إليها ولم يعتبر الأمر يستحق بذل الجهد والوقت من أجله فكل واحد من هؤلاء الثلاثة ليس إسلاميا.

 

وقد يقول قائل: إن التعريف السابق ينبغي أن يعبر عن حال كل مسلم، فالإسلام يعني الاستسلام لله تعالى في الأمر كله، (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) سورة الأحزاب: 36

 

وهذا القول صحيح من حيث المبدأ، لكن النظر إلى حال المسلمين اليوم، وبعد أجيال من التحديث، وإسقاط الخلافة، وتقسيم بلاد المسلمين، والانتماء إلى دول سايكس-بيكو، ونشر العلمانية وأفكارها من خلال النخب التي تمت صناعتها في ظل الاستعمار وبرعايته وإشرافه، بعد كل ذلك نجد كثيرا من المتسمين باسم الإسلام اليوم يناقشون مدى صلاحية الشريعة للتطبيق في واقع متغير، وأن الدين صلاة وصيام وأخلاق فقط أما شؤون الحياة فيديرها الناس بمعرفتهم وبالطريقة التي تناسبهم سواء وافقت الشرع أم لا فمسألة موافقة الشرع من عدمه ليست من أولويات البحث والفهم واتخاذ القرار حيال أمر ما، بل وليست مطروحة أصلا في إطار واقع حديث متطور سادت فيه التكنولوجيا وأصبح الكلام عن الشريعة نوعا من الماضوية [1] التي لا تناسب عصرنا الحديث.

 

أذكر أن رجلا كبير السن يبدو من هيئته أنه موظف حكومي مرموق أحيل على المعاش مؤخرا ويقضي بعض وقته في المسجد مصليا وقارئا للقرآن رآني في أحد المساجد بين المغرب والعشاء في رمضان من عام 1434هـ 2013م ودار بيننا حوار حول أمر ما ثم أراد الرجل في النهاية أن يوجز فكرته بشكل واضح ومقبول في كلمات يسيرة فقال -وأعتذر عن كتابة كلامه بالعامية المصرية لأن الأمر خطير لا يحتمل النقل إلى الفصحى فيظن ظان نقلي عن الرجل ما لم يقله

 

"شوف يا شيخ، الدين يبقى في الجامع وبس، تخلع الدين وانت خارج من الباب، بره الجامع مسلم زي مسيحي زي يهودي زي بوذي كلنا مصريين" انتهى كلام الرجل بنصه ولم تنته مفاجأتي.

 

فالرجل يقول هذا في المسجد وقد أتى إلى الصلاة مبكرا ويجلس الآن لقراءة القرآن وسيصلي التراويح كاملة وربما يبكي فيها خاشعا متأثرا، لكن تصوره عن نفسه مسلما خارج المسجد أن لا فرق بينه وبين المسيحي واليهودي والبوذي، وأن الدين مسألة تعبدية تكون في المساجد والمعابد ولا تحكم حركة الحياة، وما أسعد أبا لهب وأبا جهل وإخوانهما من كفار مكة بمثل هذا الكلام لو سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم فيكون الدين طقوسا فلكلورية لا شأن لها بنظام الحكم والاقتصاد والمجتمع والعمران، حتى لإن قوم شعيب نادوا بمثل هذا وسجل الله دعواهم في القرآن فقال تعالى عنهم: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ) سورة هود: 87 هكذا يرون الأمر إذن، فالصلاة لا علاقة لها يا شعيب بأموالنا وتجارتنا وأرزاقنا، إنك حكيم عاقل رشيد يا رجل وتدرك انفصال هذه الأمور عن بعضها البعض فلا تكن متخلف الفكر! ألا ساء ما يزرون.

 

والإيمان بدين الله وأنه شامل لكل جوانب الحياة ومصلح لأمر الدنيا والآخرة وأن الفوز لا يكون إلا في التمسك به هو شرط كون المسلم مسلما، ولكن هذه المعاني على بساطتها ووضوحها يشك ويشكك فيها بعض الناس اليوم ويقولون إنهم مسلمون ونحن لا نستطيع أن نقول عنهم غير ذلك ما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن يجب البيان والنقاش والتوضيح والحوار لنصل إلى كلمة سواء ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله.

 

هذا هو الإسلام وهؤلاء هم الإسلاميون وتحت هذه اللافتة الكبيرة يجتمعون، ولكن مدارسهم ومذاهبهم وطرقهم في تحقيق أفكارهم متنوعة وبينها اختلاف كبير جدا، ويمكننا تلخيص المدارس الإسلامية الكبرى المعاصرة في ست مدارس هي (التراثيون، والوهابيون، والحركيون، والصوفيون، والجهاديون، والحضاريون) ولكل من هذه المدارس أفكار ومنطلقات ومناهج ووسائل ورموز وأعلام، وهذا ما سنحاول الإشارة إليه سريعا في المرات المقبلة إن شاء الله تعالى.

________________________________________________________________
(1) أحيانا يعبر عن الماضوية بالحنين إلى الماضي، والأغلب أنها تعبر عن العيش في إطار الماضي وبقيود منه يفرضها على الواقع يجب تجاوزها وعدم الاستسلام لها لأن التاريخ يمضي للأمام وللأفضل دائما حسب زعم البعض.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة