بيسان الشيخ
بيسان الشيخ
1.3 k

رمضاننا الذي لن يعود!

1/6/2017

كنت في سنتي الجامعية الأولى، حين حل شهر رمضان بلا استعداد مسبق ولا تغيير في البرامج الدراسية. لا زينة في الطرقات ولا حتى جداول دعوات على الافطار والسحور. جاء رمضان ذلك العام، كما رحل، كئيباً غريباً كأنه لم يأت. حاولت أن أجس نبض رفيقات صفي ما إذا كنا سنخرج سوية ونحتفل ونأكل الكلاج والكرابيج وخبز رمضان فبدا كأنني أتحدث الصينية. "رمضان؟؟"، قالت إحداهن بذهول "وما شأننا نحن؟". وأردفت أخرى "يقول عمي الذي عمل طويلاً في مصرف في الغربية إن غالبيتهم يزعمون الصيام، ثم يأكلون بالسر" ورتبت على كتفي كمن يشفق على جهلي. التفت سريعاً إلى ندين ودينا خشية أن تكونا قد سمعتا ما قيل، فينجرح شعورهما، ثم ارتحت نسبياً لما وجدتهما منهمكتين عنا، واستسلمت لهول ما سمعت. وكانت ندين ودينا المسلمتين الوحيدتين في صف من نحو 30 طالباً. أما رولا، فقد استغرقنا عام آخر لنتبين إنها مسلمة أيضاً.

 

كان ذلك في النصف الثاني من التسعينات، ونحن فتيات نخطو خطواتنا الأولى خارج المراهقة، وكنف الأهل وأساطيرهم، فيما بيروت لا تزال تنوء تحت وطأة الدمار والطرقات المتقطعة. كانت مسيرة الاعمار تنطلق بعزم، وثمة طرقات أعيد فتحها عملياً، لكن كثيرين لم يعبروها إلا مضطرين بعد سنوات عديدة. اللغة كانت هي الأخرى مشبعة بقاموس الحرب ومتاريسه. فكان الكثير من الـ "هم" والـ "نحن" في الأحاديث اليومية، وشرقية وغربية للدلالة على شطري بيروت، والمعبر والحاجز والملجأ وذكرياته من لعب الورق ومساكنة الجيران، وكثير مما لم أختبره أو أعلم به لأني لم أعش سنوات الحرب في بيروت.

 

في تلك الغضون لم أعرف تحديداً أين أضع نفسي بين "نحن" و"هم". ذلك أنني لكل "نحن" كنت الـ "هم"، والعكس. وبقي ذلك حتى أمس قريب مصدر حيرة لي ولمن حولي. وإذ تابعت دراستي الجامعية في اليسوعية الفرنكوفونية، كنت أقضي غالبية أوقات فراغي هناك في الأميركية. فأتسكع مع رفاقي مساء في شارع بلس أو الحمرا وعلى الكورنيش أو في مقهى الروضة، هناك حيث بيروت التي أعرفها، ولي لغة وسلوك واهتمامات مشتركة مع ناسها، خصوصاً منهم رفاق دفعتي الذين قدمت معهم من مدينة طرابلس. فقد كان في الغربية ألفة افتقدها في جامعتي وبيئتي المستجدة، وجاء رمضان ذلك العام ليصفعني أكثر من مرة. فقد اكتشفت مثلاً أن غالبية طلاب صفي لم يصادفوا مسلماً في حياتهم. لا في المدرسة، ولا جيرة السكن ولا الشارع ولا النوادي الصيفية ولا حتى بين صداقات الأهل.

 

أما السؤال عن عائلات مختلطة فضرب من الخيال. لذا، فإن رمضان وطقوسه التي كنت متحمسة لها، واتخذت في بيروت الغربية شكلاً استهلاكياً رهيباً عبر موضة "الخيم الرمضانية"، ليست بالنسبة إليهم أكثر من تفصيل صغير في ذلك الكل الذي يجهلونه، ويخشونه. حاولت أن أخبرهم كيف كنا نقضي رمضان في طرابلس، وتنهمك أمهاتنا كلنا، نحن وهم، بالاستعداد له. كيف يتبادل الناس دعوات الإفطار والسحور، ويرسلون لجيرانهم "سكبة" من أطباقهم، وتنتعش الأسواق مساء فتغير المدينة جدول أعمالها، ويتاح لنا نحن الأصغر سنا، السهر في أيام الأسبوع. كانت نسرين تواظب على الصيام، فيما فاطمة تحاول. فتنجح مرة ويهزمها العطش مرة أخرى. لكنها بالتأكيد لم تزعم يوماً إنها تصوم وتروح تأكل في السر. وفي المدرسة كان يسمح للصائمين بعدم المشاركة في حصص الرياضة، من دون أن يمنع المفطرون من تناول وجباتهم عند فرصة الظهيرة. وكان العرف بيننا أنه حين تتم دعوتنا لإفطار نحاول أن نصوم مع صاحب الدعوة، أو في أسوء الأحوال نمتنع عن الأكل ونبقي على شرب الماء.

 

والحال إن رمضاننا كان مرتبطاً بافطارات "تانت ديانا"، أم نسرين، الأصغر سناً بين أمهاتنا وأكثرهن حيوية، والتي لا تحتاج لدعوة أصلاً كي تقتحم سفرتها. هناك كنا نجلس متأهبين بانتظار أن نسمع المدفع من منطقة أبي سمرا، فيقف أحد الشباب من رفاقنا على الشرفة ويروح يصرخ "ضرب"، وما إن نهم بالأكل حتى ينهرنا بأنه يمزح، إلى أن تطل علينا ديانا (كما حرضتنا على مناداتها) وتعلن بدء الإفطار، فيهجم غير الصائمين بيننا قبل سواهم، كمثل القادم من جوع عتيق.

وفي بيت فاطمة، وبفضل أمها الكندية، تذوقنا للمرة الأولى إفطاراً يختلط فيه الحلو بالمالح والشرقي بالغربي قبل أن تغزو مطابخ العالم ذائقتنا. وعليه صار الإفطار الكندي وطبق الدجاج بالدراق مطلباً جماعياً لا تنازل عنه.

يمكنني اليوم أن أكتب مطولات عن كل رمضان مر علي في طرابلس، وكل تلك الإفطارات، التي جمعتنا. نحن القادمون من مناطق مختلطة وجيرة مختلطة، وعائلات مختلطة جعلت في كل منا أكثر مروحة كبيرة من الـ "نحن" والـ "هم".

 

أما نحن، رفاق المدرسة والجامعة، فتوزعتنا البلدان والمهن والزيجات التي جاءت للمفارقة بغالبيتها الساحقة مختلطة ومتنوعة، كما كانت سفرة ديانا، ذات رمضان لن يعود

في بيروت، كان علي أن انتظر السنة الجامعية الثالثة، أي سنة تخرجنا بشهادة "الليسانس" لأعود وأفاتح صديقاتي بمسألة رمضان، ورغبتي في أن نقيم إفطاراً. بعد أخذ ورد، وتعهد بأن أقود السيارة بنفسي أخذت موافقة الحضور وذهبت بها إلى دينا، البيروتية القحة وقلت لها "دينا، متى نفطر عندك؟". من فورها قالت اليوم، ثم طلبت أن تستأذن أمها، وهكذا كان. بعد أقل من أسبوع، حملت رفيقاتي في سيارة أمي التي استعرتها للمناسبة، وقطعت بهن جسر فؤاد شهاب نحو زقاق البلاط. لن أنسى شعورهن بـ "المغامرة الجامحة"، وتعابير وجه رانيا بعينيها الخضراوين الكبيرتين، وهي تترقب أن يقفز عليها "الآخر" من النافذة. أذكر كيف صرت أضحك للحظة وأغضب للحظة أخرى وشعرت بشيء من المسؤولية التي لا أزال حتى الساعة أجهل لماذا أخذتها على عاتقي أصلاً. فقد استغرقني وقت لأدرك معنى أن يجتاز الخارجون من حرب أهلية حواجزهم الذاتية، مهما فتحت لهم جسور وتعبدت طرقات. فيبقى ذلك الخوف المقيم في الاعماق، هو الأصعب على الإطلاق.

 

أعلم أن الامور كلها تغيرت الآن، للاحسن أو الأسوء. هدمت جدران وبنيت أخرى. فجامعتي مثلاً باتت أكثر تنوعاً لكن ذلك لا يعني بالضرورة اختلاط، ومحال الأشرفية صارت ترفع الهلال والفانوس لتشجيع الزبائن، بغض النظر عما قد يعتمل في النفوس من أحكام مسبقة متبادلة. طرابلس التي لا أزال أحب أن أتذكرها كما كانت، باتت أكثر تزمتاً وقسوة، وصارت تتوعد المفطرين وتلاحقهم شر ملاحقة، حتى تحولت مناسبة جامعة كرمضان، عقوبة على المسلمين قبل سواهم. أما نحن، رفاق المدرسة والجامعة، فتوزعتنا البلدان والمهن والزيجات التي جاءت للمفارقة بغالبيتها الساحقة مختلطة ومتنوعة، كما كانت سفرة ديانا، ذات رمضان لن يعود.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة