جهاد الرجبي
جهاد الرجبي
780

واشتد في أرض عروبتنا الخطر!

14/6/2017
من شِعب مكة تتوالى الصرخات!! أما سمعتموها وقد شاخت طفولة الصبر على الشرفات؟! أما صاح ماء الوضوء والليل يغادر المدائن الصامتة؟! أم هبت لنجدة الظامئين مِن الماء القطرات!

يا شِعب مكة أجبني.. وقد استقر في الأسماع وقر! وتناثر الصبر في أرض المسرى، واشتد في أرض عروبتنا الخطر! فلسطين استجارت بذوي القربى فما وجدت عند الخائفين جوارا.. وتركت دمع صغارها يستجدي خبزَهم! وقد سمنت فئران حقولهم.. وأُثقلت سلال عطاياهم لعدوهم! فما كان لفلسطين من جودهم غير فتات موائدهم! يا شِعب مكة وقد حضنتَ رسول الله وهو يتألم! حدّث رسول الله عن جمرٍ صامتٍ في الشوارع المقهورة بالقمع والأغلال! عن الأمة المنكوبة بسيوفٍ لم تر غير عتمة غمدها!

غزّة الجرح! ونزيف الروح وقد تأرجحت على حبال الصبر غزّة! غزّة صنوف من عذابٍ تُختبر لأول مرة! غزّة احتضار الأمنيات في قوم لا ترتعش لوجعها منهم رحِم! يشاهدونها تتلوى في حصارها جوعا وظمأ، فيرصفون بطنها بالحجارة، وفي ظهرها.. سكاكينهم تتقطّر!..

حين تصرّ غزّة من عمق وجعها أن تقاوم جوعها وسفْك دمها، يحرمونها الكهرباء! ليقتلعوا من منازلها عين الضياء! غزة لم تستسلم للقيد، لم تستسلم لذلّ حصارها، ولم تركع للجلاد، فتوقّفوا عن جلدها!

غزة شمعة تشتد ريح الظلم لتطفئها، وهيهات إنْ تبدّد لهبُها أن ترى أعينكم الضوء! لن تشاهدوا سوى الصور التي يرسمها عدوّكم في مخيلتكم! لن تحتاجوا من بعدها للمرايا، ولن تروا وجوهكم مهما فعلتم على صفحات الماء! ستسكنكم العتمة، وتغادركم ملامحكم.. وحده عدوّكم سيعلو صوتُه فيكم، وستخشع له بالذلّة أصواتكم.. أنفاسكم حيّة، وقلوبكم موات!


كعصابة بدر وقفت غزّة! تسلّحت بيقينها، وارتدت ثوب العزة، فامتدت أيدي الغزاة والعراة تمزّقه.. وتسارَع السماسرة للمساومة على دمها وقد باعوا بأبخس الأثمان ضمائرهم! وقدّموا للمحتل خرائطهم! اختاروا الذلّة لأنفسهم، وباتوا ديدانا على موائد عدوّهم!


كعصابة بدر وقفت غزة! تنافح عن جذوة الحق في مواجهة قتلة الأنبياء والصغار والأتقياء! تحفر تفاصيل ذاكرةٍ تصفنا، كي لا ننسى! بأننا لا نشبه عدوّنا في شيء سوى أنّ جميعَنا خُلق من صلب رجل واحد، تعدّدت منه أرحامنا، وتوزعت مِن عروقه ملامحنا، فبتنا شعوبا وقبائل! لا وجها واحدا تصنعه أمريكا وتوزِّع ملامحه بأقنعةٍ من صخرٍ على كل الوجوه!


غزّة تنفّست الوجع حين عزّ فيها الوقود كما عزّ حليب الرضّع! ربتت على كتف الموت حين لم تجد لمرضاها الدواء، وابتدعت طرقا للحياة لم تخطر على بال أحد! تسمعهم من سجنها يوصونها بالصبر، وبأموالهم تتهدّم جدران منازلها! يوصونها بالصمت، ويمنحون الكلام لسدَنة ظُلْمها! وكلّ ما عليها أنْ تفعل لتشبَع مثلهم، وتنتفخ بطنها مثلهم.. أن تركع صاغرة لعدوّها!

لا تُنكروا أوجاعَكم لتتعايشوا مع القرح! فكّوا بأيديكم حصار غزة! يمكننا محاصرة مَن يحاصرها! بالضغط على أصحاب القرار، بمقاطعة مَن يحاصرها! بدعم اُسرها التي احترقت بالحرب والعوز!

وحين تصرّ غزّة من عمق وجعها أن تقاوم جوعها وسفْك دمها، يحرمونها الكهرباء! ليقتلعوا من منازلها عين الضياء! غزة لم تستسلم للقيد، لم تستسلم لذلّ حصارها، ولم تركع للجلاد، فتوقّفوا عن جلدها! توقّفوا عن شراء السياط بأموالكم لها! واتركوها تسير صوب القدس بجراحها.. كونوا معها إن كرهتم أنْ تكونوا خلفها! لا توقفوها لتستُروا عريكم وأنتم تولّون الأدبار! فغزة مِن قناديل القدس ضياؤها! وبفطرة الثوّار عرفت طريقها للنهار..


فيا أيها الصائمون وفي عروقكم نبض الآيات! انفضوا الغبار عن مصاحف كانت قد هجرَتها أكفّكم وما هجرتها قلوبكم! دافعوا عن ترابٍ حمل جذوركم! وانتصروا لغزّة التي تتلقّى بصدرها رماحا تُسدّد صوبكم! إنْ ركعت غزة لعدوّكم، ستتعالى في أفق صمتكم نجمةٌ بست حراب، تُحطّم الصليب والهلال، وتنثر بالحقد قطراتٍ من سمّ الشمعدان.. تهدم الأقصى.. تبدّد معالم المسرى.. وتأسر حائط البراق..


لا تُنكروا أوجاعَكم لتتعايشوا مع القرح! فكّوا بأيديكم حصار غزة! يمكننا محاصرة مَن يحاصرها! بالضغط على أصحاب القرار، بمقاطعة مَن يحاصرها! بدعم اُسرها التي احترقت بالحرب والعوز! غادروا دوائر الخدر ولو مرّة! وجرّبوا الصحو.. لتعرفوا كم هو رائع أن يحيا المرء بكامل حواسه!


كثرت جراحنا! غير أن جرح غزّة إنْ استمر نزيفه، ستظلّ تنزف مهما فعلنا.. كل الجراح!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة