محمود سعد
محمود سعد
635

صناعة التميز المؤسسي

24/6/2017
لا شك أن التميز يصنع ولا يوهب؛ فالتميز هو نتاج رحلة مستمرة من العمل الجاد المبني على التخطيط السليم وفق رؤية صائبة وأهداف واضحة تطمح المؤسسة لتحقيقها، ولا يمكن لأية مؤسسة أن تحقق التميز دون بذل الجهود والعطاء والعمل المستمر من أجل التحسين والتطوير في الأداء المؤسسي.

وقد أصبح تحقيق المؤسسات لأعلى مستوى ممكن من الجودة والإتقان والتميز؛ أمرا ومطلبا ملحا وضروريا للغاية، ولا يمكن تغافله أو عدم الاهتمام به، ولا سيما أننا أصبحنا نعيش في عصر سريع التطور والتغيير، عصر الثورة المعرفية الهائلة والتقدم التكنولوجي والتقني الرهيب، عصر لا يعترف إلا بالمتميزين الأكفاء سواء كانوا أفرادا أو مؤسسات، ولا سيما في ظل التنافسية الدولية في تحقيق الريادة والصدارة في التميز والجودة في ميادين الحياة والعمل المختلفة، ولا سيما وقد تغيرت متطلبات سوق العمل بصورة كبيرة، حيث أصبح سوق العمل لا يقبل إلا بالخريج المتميز الكفء الذي يمتلك من القدرات والمعارف والخبرات الكثير والكثير.

وهذا كله يستوجب علينا جميعا إيجاد سبل التكيف والمسايرة مع متغيرات هذا العصر ومتطلباته والتعامل معها بصورة مستدامة، وعلى رأسها تحقيق التميز والجودة في الأداء سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات؛ فميدان العمل العالمي -والذي أصبح لا تفصله حدود المكان أو غيرها- أصبح لا يقبل سوى المتميزين الأكفاء المؤهلين الذين يمتلكون العديد من المهارات التخصصية والنوعية في العديد من المجالات، ولذلك فقد أصبح من الواجب والضروري على المؤسسات المختلفة أن تتجه وبقوة نحو صناعة التميز وأن توجه وتسخر كل إمكاناتها البشرية والمادية في سبيل تحقيق الجودة الشاملة في الأداء المؤسسي. 

مرحلة تحديد أولويات التطوير المؤسسي، وتأتي هذه المرحلة بعد مرحلة التقييم الذاتي، والتي تم فيها معرفة جوانب القوة في الأداء المؤسسي، والجوانب التي تحتاج إلى تطوير وتحسين، وفي هذه المرحلة يتم تحديد فجوات الأداء الأشد تأثيرا سلبيا في إنتاجية المؤسسة.
والسؤال المهم الآن: كيف يمكن للمؤسسات المختلفة أن تصنع التميز وتحقق الجودة الشاملة في الأداء المؤسسي؟ لقد أصبحنا بين الفينة والأخرى نسمع عن مؤسسات قد نالت شهرة كبيرة جدا؛ لما حققته من إنجازات ولما تركته من بصمات نجاح على أرض الواقع، ولما قدمته من إسهامات وأعمال متميزة وفريدة للمجتمع، ولكن هل سألنا أنفسنا ذات يوم ما السر الذي يكمن وراء تميز مؤسسة دون أخرى؟
إِنَّ السر يكمن في أَنّ َالمؤسسات المتميزة أدركت سر صناعة التميز المؤسسي وسارت على دربه خطوة وراء الأخرى حتى حققت التميز والجودة المنشودة، وصناعة التميز المؤسسي تمر بخمس مراحل وخطوات متتابعة حتى تحقق المؤسسة أعلى مستوى ممكن من جودة الأداء بها.

وسأتناول هنا بشكل موجز المراحل الخمس لصناعة التميز المؤسسي؛ بالنسبة للمرحلة الأولى في صناعة التميز فهي المرحلة التي يتم فيها تشكيل فريق داخل المؤسسة لقيادة جودة الأداء وتطوير الأداء المؤسسي بها، وعلى هذا الفريق أن يقوم بعمليات التوعية اللازمة لأهمية تحقيق التميز والجودة في الأداء وعليه أن يبني ثقافة داعمة للتطوير المؤسسي بدعم من الإدارة العليا للمؤسسة، وعليه كذلك أن يضع التصورات والخطط الشاملة لتحقيق تطوير الأداء المدرسي بما يلبي تطلعات منتسبيها والمجتمع بصورة عامة.

أما المرحلة الثانية في صناعة التميز المؤسسي فهي مرحلة التقييم الذاتي للمؤسسة، ولا شك أن هذه الخطوة وتلك المرحلة تعد الأهم والأخطر نحو تحقيق التميز وجودة الأداء المنشودة داخل المؤسسات، فمن خلال عملية التقييم الذاتي تتمكن المؤسسة من التعرف على مواطن القوة ومواطن الضعف في مختلف مجالات العمل بها، وتكمن قوة التقييم الذاتي أيضا في أنه يمكّن كل مؤسسة من التعرف على وضعها الحالي وإمكاناتها وقدراتها المختلفة، وكذلك احتياجاتها ومتطلباتها نحو تحقيق التميز والجودة المنشودة في الأداء، استنادا إلى مرجعية معايير ضمان الجودة. ففي هذه المرحلة يتم تحديد نقاط القوة في الأداء والتي تحتاج إلى تعزيز ودعم لضمان استمراريتها، ونقاط الضعف والخلل والتي تحتاج إلى تطوير وتحسين بهدف التغلب عليها وتحويلها لنقاط قوة هي الأخرى.

ومن المهم، ومن الضروري، أن يتم التقييم الذاتي للمؤسسة بصورة واقعية ومنطقية على أرض الواقع بدون مجاملات أو تزييف للحقائق وما شابه ذلك، ولكي يتم ذلك بالصورة المطلوبة يجب أن يتحلى فريق العمل المدرسي والذي سيقوم بمهام التقييم بروح الأمانة والنزاهة والإلمام بماهية التقويم وأهدافه وكذلك معايير الجودة والتقييم والتميز المنشود الوصول إليها، وأن يكون لديهم الفهم الثاقب والخبرة اللازمة في هذا المجال وكذلك الرغبة الملحة في التطوير والتحسين المستدام للمدرسة وتحقيق معايير ضمان الجودة في الأداء.

الاتفاق حول نوعية الأداءات والشواهد والأدلة المطلوب متابعتها والتأكد من توافرها على أرض الواقع وكيفية تحليلها وتقييمها لاتخاذ القرارات المناسبة بشأنها وذلك لضمان استمرارية تطوير الأداء بهدف الوصول لأعلى مستوى ممكن.
أما المرحلة الثالثة في صناعة التميز المؤسسي فهي مرحلة تحديد أولويات التطوير المؤسسي، وتأتي هذه المرحلة بعد مرحلة التقييم الذاتي، والتي تم فيها معرفة جوانب القوة في الأداء المؤسسي، والجوانب التي تحتاج إلى تطوير وتحسين، وفي هذه المرحلة يتم تحديد فجوات الأداء الأشد تأثيرا سلبيا في إنتاجية المؤسسة وتحقيق أهدافها وفق رؤيتها ورسالتها، ومناقشة أسباب تلك الفجوات، واتخاذ القرارات المناسبة بأولويات التطوير؛ أي تحديد نقطة البداية في التطوير والتحسين، وتحديد الخطوات التالية لها وفقا للأهمية والاحتياج والمصلحة العامة.

أما المرحلة الرابعة في صناعة التميز المؤسسي فهي مرحلة تصميم وإعداد الخطة الإجرائية لتطوير الأداء المؤسسي، وهنا يتم تشكيل فريق العمل القادر على بناء مثل تلك الخطط، وتحديد الجدول الزمني اللازم لإدارة هذه الخطة وتنفيذها، وتحديد الأهداف العامة للتطوير المدرسي، ومستويات الأداء المتوقع بلوغه بنهاية تحقيق وتنفيذ الخطة على أرض الواقع، وكذلك تحديد إستراتيجيات العمل وتوزيع الأدوار والمسؤوليات وتحديد مؤشرات النجاح في تحقيق أهداف الخطة والوقت اللازم للتنفيذ والمتابعة.

أما المرحلة الخامسة في صناعة التميز المؤسسي فهي مرحلة متابعة وتقويم الأداء المرتبط بتنفيذ الخطة الإجرائية لتطوير الأداء المؤسسي، وهنا يتم تشكيل فريق متابعة وتقييم الأداء، وتوعيته بأساليب متابعة وتقييم الأداءات وفقا للأنشطة الموجودة بالخطة، وكذلك الاتفاق على آليات وأدوات المتابعة اللازمة، والاتفاق حول نوعية الأداءات والشواهد والأدلة المطلوب متابعتها والتأكد من توافرها على أرض الواقع وكيفية تحليلها وتقييمها لاتخاذ القرارات المناسبة بشأنها وذلك لضمان استمرارية تطوير الأداء بهدف الوصول لأعلى مستوى ممكن من مؤشرات معايير ضمان الجودة في الأداء المؤسسي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة