بيسان الفاخوري
بيسان الفاخوري
863

أريد بيتي في القدس

6/6/2017

في صباح يوم الجمعة استيقظ قلبي واستيقظت معه أشواقي، انتشلت نفسي وبدأ الشوق يتلاعب في مشاعري، شوقي للصلاة في ساحات المسجد الأقصى والمشي في أسواق البلدة القديمة، لترتيل القرآن وحمائم الحرية تطير من فوقنا، وللقلوب التي تعكف على العبادة والدعاء علّها تجد نفسها في آية أو في ركعة أو في لحظة تأمل.


لم تكن لدي نية للذهاب للمسجد الأقصى هذه السنة، ولكن الحنين الذي اعتصرني لم يبق لدي أي خيار سوى تلبية نداء الحب الذي يجعل روحي تُشرق بعد ليالٍ مؤلمة، فنحن في الضفة الغربية لا يمكننا الذهاب إلا في أيام الجمعة من رمضان أو من خلال تصاريح قد تُعطى لك وقد لا تُعطى.

حينما قررت الذهاب كانت الساعة العاشرة والنصف أي متأخر جدا نظرا للوقت الذي تُغلق فيه المعابر، جهزت نفسي بسرعة فائقة كأن حبيبا لي ينتظرني ويناديني لزيارته وكلانا مشتاقان، وصلت المعبر مع مجموعة من أفراد مدينتي، بالبداية كان من الصعب دخولنا نظرا لأننا متأخرون، ولكن بعد إصرارنا على الدخول دخلنا، لحظة الدخول تلك تحتاج مقالات مطوّلة لوصف المشاعر التي تجتاحك لمجرد أن تطأ قدماك ثرى القدس، لكن باختصار، شيء من الفرح والحماس يتحكم بردود فعلك، وشيء من الألم يخز المتعة التي أحيت خلايا المشاعر الميتة داخلك.

 

خبّأت مشاعري المتصادمة في جيب قلبي لأستذكرها حينما أعود، وتابعت المسير كي أستطيع اللحاق بصلاة الجمعة، حينما كانت تسير بنا الحافلة إلى البلدة القديمة، كنا نمر بالبيوت الباكية، ألقيت عليها التحية بصمت، وتابعت تأمل ملامحها الذابلة

فماذا يعني أن تكون هذه الأرض أرضك، والحق حقك، والحبيبة حبيبتك، وكل الذي يفصل بينكم حجارة جدار يصرخ برسومات الحرية التي غطت شناعته؟ ماذا يعني أن يكون المكان مكانك والتاريخ تاريخ أجدادك، ومن يتلاعب في نظمه سارقو التاريخ؟ ماذا يعني أن يكون التراب تراب وطنك ولا تستطيع اشتمامه إلا بإذن من الاحتلال؟ ثم ماذا يعني بعد كل هذا أنك أنت ذات نفسك مقصّر، رغم الألم الذي يصيبك كل مرّة، لكنك تعلم داخلك أنك مقصّر وأنك حتى غافل عن أقل القليل؟ وعاجز عن الكثير؟ 

خبّأت مشاعري المتصادمة في جيب قلبي لأستذكرها حينما أعود، وتابعت المسير كي أستطيع اللحاق بصلاة الجمعة، حينما كانت تسير بنا الحافلة إلى البلدة القديمة، كنا نمر بالبيوت الباكية، ألقيت عليها التحية بصمت، وتابعت تأمل ملامحها الذابلة بعد غياب أحبابها عنها، شعرت أن كل المشاعر التي أحتويها لا تساوي شيئا أمام تقاطر دموع حجارة هذه البيوت، وعتاب بيادرها علّها تُسمع صرخة أوجاعها!


نبقى على هذه الحال نرى بيتا تلو الآخر نتألم لألمها وندعو لأهلها بالعودة حتى نصل للبلدة القديمة في القدس وغالبا نترجل عند باب العامود، ولكن هذه المرة ترجلنا عند باب الخليل لأننا كنا متأخرين، مشينا بسرعة حتى وصلنا المسجد الأقصى والحمد لله الذي رزقنا الصلاة فيه، حينما تصل، لمجرد دخولك للساحات، تختبئ جميع الكلمات، وتشخص القلوب، فقط تصمت وتتجول روحك في أزقة المكان باحثة عن المنجى، عن الثواب الذي يضيء لك الدهاليز المظلمة، عن الطاقة الإيمانية الخالدة التي تجدد العزائم وتحيي الهمم، عن اليد التي تمسح الدموع التي تسقط يوما بعد يوم لكثرة الذنوب التي أتعبت النفس!

أنا لا أملك بيتا في القدس، لكنني أملك وطنا في القدس، وحبا أحافظ عليه وأنميه بممارسة حقي في زيارة القدس، لا أملك بيتا في القدس لأزور المسجد الأقصى كل يوم وأعكف على التعلم في أكنافه، لكنني أملك كلماتي التي أصف فيها جمال وبركة هذا المكان

لكل شيء في القدس طعم مختلف، تلتقي بأحبة لأول مرة، تتلو القرآن برفقة صالحة من الأصدقاء والقلوب يملؤها الخشوع، وتربطون أرواحكم مع بعضها بدعاء الرابطة ليكون الوصال بينكم وصالا متينا دائما قائما لما بعد الحياة الفانية، حتى الإفطار في ساحات المسجد الأقصى له نكهة خاصة تجعل منه ذكرى مميزة تستذكرها عاما بعد عام، فكل تعب الصيام والسفر الذي يرافقك طوال يومك، ينتهي بلحظة تأكل بها تمرة، وتستشعر بها بالطمأنينة التي تحيط بقلبك الثائر، وما أجمل الإفطار حينما يكون برفقة أحبتك، تجتمعون جميعكم على مائدة واحدة كالقلب الواحد، هناك تحت نسيم مسائيّ يجعل القلوب أكثر لينا، وينمي المودة فيما بينها، لتبقى على العهد، مهما لازمتها المطبات والحفر.

لعل هذه الأمور البسيطة وغيرها من الأمور التي لم أذكرها، هي التي تجعل قلوبنا متعلّقة بالمسجد الأقصى بشكل حقيقي، فالصلاة في ساحاته وأجواء الإيمان الخالص التي تحيط بك من كل جانب، تكون بمثابة شفاء للصدور الضيقة، وسبيلا لاقتراب القلوب الخجلة من ذنوبها، ودواء للأرواح الجريحة، وفرصة لتنقية القلوب المتخاصمة. 

 أنا لا أملك بيتا في القدس، لكنني أملك وطنا في القدس، وحبا أحافظ عليه وأنميه بممارسة حقي في زيارة القدس، لا أملك بيتا في القدس لأزور المسجد الأقصى كل يوم وأعكف على التعلم في أكنافه، لكنني أملك كلماتي التي أصف فيها جمال وبركة هذا المكان ما استطعت لذلك سبيلا، نعم أنا لا أملك بيتا في القدس، لكنني أشتاق لكل بيت في القدس كأنه بيتي، وأبكي على فراقه كبكائي على فراقي لأشيائي التي أحبها حبا شديدا، لذلك فأنا في كل لحظة، أريد بيتي في القدس..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة