في الحصار الدبلوماسي لقطر

7/6/2017

في ظل واقع جغرافي لا تحسد عليه، تتعرض قطر لحصار دبلوماسي بإجراءات تضعها أمام أزمات متعددة بخيارات محدودة. وفي ظل عالم متغير بجنون، تتغير فيه التحالفات في كل لحظة؛ تقف قطر أمام خيارات سياسية شديدة الحساسية وواقع سياسي غير مضمون الثبات وغير مأمون العواقب. الوقت، هو العامل الوحيد الذي لا يقف في صالح أحد حتى الآن؛ حتى يجد من يستثمره. 

أميركا، والتي ظن السياسيون لعقود أنها مركز صناعة القرار تمضي حاليًا برأسين كل منهما في اتجاه مختلف. مع تغير الإدارة تغير جذري ومحاولة الدولة الصمود أمام هذا التغيير نجد الموقف الأمريكي منقسم بين تصريحات متزنة من وزارة الخارجية وتصريحات راديكالية من الرئيس الأميركي ترمب. وعلى راديكالية التصريحات إلا أن قارئي المشهد قد أغفلوا فيها شيئين.

 

الشيء الأول: هو قول ترمب أن هذا الدعم للحصار على قطر يأتي مما "قالوه له" وما "أشاروا إليه" عن دعم قطر لـ "الإرهاب" رغم تناقض ذلك مع التقارير الاستخبارية أمامه وتصريحات وزارته للخارجية.

 

قطر استراتيجيًا في موقف لا تحسد عليه. بإغلاق المنفذ البري بينها وبين السعودية تفقد قطر قدرة نقل كثير من بضائعها الغذائية المستوردة من السعودية. إضافة إلى صعوبة وصول الطعام من مستوردين آخرين بسبب طول المسافات

الشيء الثاني: هو عدم خروج هذه التصريحات من البيت الأبيض، وتضمين ترمب لعبارة مفادها "عفوً، لو كنت اعتمدت على الإعلام في حملتي لم أكن سأحظى بفرصة للنجاح في الانتخابات بأي شكل" - ضمن تغريداته عن قطر. لذا فالموقف الأميركي الرسمي يظل داعمًا لقطر بينما يدور من حوله ترمب ليعلن دعمه للحصار عليها؛ بينما يقف القارئ أمام هذا المشهد في حيرة: الوزن السياسي والدبلوماسي لأمريكا سيقع في أي اتجاه؟ 

في ظل هذا الموقف المتذبذب لأميركا، يحدث أن يقوم جميع الأطراف المعنين بمطالبة حلفائهم برد خدمات سابقة، أو تهديد من على الحياد لاتخاذ موقف؛ وهو ما يشرح المواقف المعلنة أخيرًا من دول لم تكن طرفًا في الأزمة، أو طرفًا في تفاعلات المنطقة ككل. ولكل موقف بعد استراتيجي ولعل أكثره صعوبة هو تضييق الحصار الجوي على قطر مع اغلاق مجالات جوية جديدة أمامها بشكل مستمر. 

يضعنا هذا أمام تداعيات هذا الحصار، فقطر استراتيجيًا في موقف لا تحسد عليه. بإغلاق المنفذ البري بينها وبين السعودية تفقد قطر قدرة نقل كثير من بضائعها الغذائية المستوردة من السعودية. إضافة إلى صعوبة وصول الطعام من مستوردين آخرين بسبب طول المسافات بعد إغلاق عديد من المجالات الجوية المحيطة بقطر وتأخير الهبوط الذي قد يتم نتيجة لمشاركة قطر في مجال البحرين الجوي وسماح البحرين لقطر باستخدام نطاق ضيق جدا للإقلاع والهبوط.

 

وناهيك عن معطيات الطيران الجديدة؛ فحتى وإن استطاعت قطر استيراد الأغذية بحرًا عن طريق إيران، أو تجاوزت عقبات الطيران الجديدة؛ سيستنزف هذا من ميزانيتها الكثير في ظل ارتباك اقتصادي سيحدثه سفر العديد من مواطني الدول الثلاث (السعودية، الإمارات والبحرين) إثر حظر دولهم إقامة مواطنيها في قطر. هذا الإنهاك الاقتصادي ما هو إلا ضمن تداعيات محسوبة تشدد وطأة الحصار على الدولة. 

يجب أن تبحث قطر مع حلفائها في كيفية عبور هذه الأزمة بسلام، أو بأقل خسائر ممكنة. كما قد يتوجب عليها بحث إمكانية صنع تحالفات جديدة؛ لتضمن لنفسها موقفًا أقوى حول طاولة المفاوضات

المعضلة الحقيقية أن محددات استمرار الأزمة من عدمه حتى الآن. على سبيل المثال ترمب يصنف هذا الحصار ضمن سياساته الصفرية: هو لا ينوي المفاوضة على حل وسط وإما تنتهي المكاسب كلها معه أو يخسر كل شيء. أما وزارة الخارجية الأمريكية فمن الواضح أنها تبذل جهودها في سبيل المفاوضات. علاوة على ذلك، السبب الفعلي والهدف المباشر لـ / من هذه الأزمة غير معلنان من قبل الأطراف المتسببة فيها؛ لذا لا يمكن التكهن بما يمكن أن يحدث. 

هنا، يبدو أن على قطر وضع احتمالية الأسوء - في ظل عودة ترمب إلى بلاده بغلة وفيرة إثر زيارته الشرق الأوسط ما سيأتي له بمؤيدين كثر من صناع القرار المحليين - وهو أن الأمر قد يتخذ مسارًا صفريًا اتباعًا لمسار ترمب. وعليه، يجب أن تبحث مع حلفائها في كيفية عبور هذه الأزمة بسلام، أو بأقل خسائر ممكنة. كما قد يتوجب عليها بحث إمكانية صنع تحالفات جديدة؛ لتضمن لنفسها موقفًا أقوى حول طاولة المفاوضات - ليس هذا فحسب، بل، لأجل خيارات أوسع حال استمرت الأزمة. كما أن قطر لن تغفل إمكانية نجاح الصوت العقلاني الداع للمفاوضات في أميركا؛ لذا فلها أن تبحث إمكانيات التخفف من حملها؛ حتى تمضي سفينتها قدمًا بسلام.

تطالعنا صحف كل دولة بتفسير مختلف لأسباب الأزمة ومطالبات إنهائها؛ تارة بأزمة اختطاف مواطنين بالعراق، وتارة باحتمالية حرب إقليمية بغزة وتارة أخرى بسبب العلاقات غير المعادية مع إيران وتستمر التكهنات. 

وهنا، يقف الوقت كالعامل الوحيد المحدد لمفاتيح الأزمة في ظل عدم وضوح معالمها. من يملك الوقت ومن يستثمره؛ تنتهي الأزمة لصالحه. ومن ينتظر، تتبدى له رؤية أفضل لأبعاد المشهد، وفرصة أكبر مع الوقت لتتضح فرص الحل أو عواقب الاستمرار. لكن بلا شك، تقف هذه الأزمة كأحد أشد الأزمات تعقيدًا في تاريخ الشرق الأوسط الحديث؛ وبلا شك، ستكون نقطة انتهائها - كيفما كانت - نقطة محورية في تاريخ المنطقة، وربما الشرق الأوسط ككل.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

انفُضْ رمادَكَ يا أقصى

فَقُلْ لِمَنْ بَاعَ أَقْصَانا بلا ثَمَنٍ: وَمنْ بِهِ تَرَكَ الأوغادَ تقتَرِفُ يومُ الحِسابِ قريبٌ لا مَفَرَّ لكمْ وأرضُنا بِطُغاةِ الأرضِ تَنْخَسِفُ انْفُضْ رَمادَكَ يا أقْصَى فَمَا وَهَنَتْ مِنْكَ العَزَائِمُ مَا هَدُّوا وما نَسَفُوا

744
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة