محمد سعيد اخريف
محمد سعيد اخريف
285

الشباب والهوية الإسلامية

9/6/2017
* في المقال السابق الشباب والهوية الإسلامية كان الحديث عن المحور الأول مظاهر ضعف الهوية الإسلامية لدى الشباب المسلم، وهنا تكملة لما سبق:

ثانياً: ما هي طبيعة النزاع والتحدي بين الهوية الإسلامية والثقافات الأخرى؟
وما سبب الانكسار لدى الشباب المسلم أمام الثقافات الغربية؟! يقول الأستاذ الدكتور أحمد زايد: إن ثقافة العولمة التي تتحدى وتتصارع مع الهوية الإسلامية هي ذات خصائص معينة تجعلها تتميز بالقوة والدعم الذين تفتقدهما الثقافة الإسلامية في هذا العصر، فهي ثقافة يصاحبها في الغالب خطاب تقني وعملي، فهي تنقل عبر الوسائل الاتصالية الحديثة، وهي بذلك مصنوعة بحساب. وهي نخبوية تُفرض من أعلى من دون أن تكون لها قاعدة شعبية، أو تعبر عن حاجات محلية، أو تلتزم بأشكال ومضمون التراث الثقافي التي تنتقي منه.

وإذا كانت ثقافة العولمة ثقافة نخبوية، فإنها تساعد على تركّز القوة. والقوة هنا ليست قوة سياسية فحسب، بل قوة التكنولوجيا المرتبطة بالمشروعات الصناعية ذات الصبغة الكونية كشبكات الحاسوب والإنترنت، وهي ما يطلق عليها تقنيات العولمة، وهي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بثقافة الاستهلاك، فالعمليات المرتبطة بنشر الحداثة تساعد على نشر القيم والرموز وأساليب السلوك المرتبطة بالاستهلاك. وهي ثقافة تعمل على خلق نماذج وصيغة موحدة عبر العالم، كما تدعم نظاماً للصور الذهنية حول موضوعات خاصة لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالسوق الرأسمالي.

وتنطوي ثقافة العولمة التي تنبثق من الحداثة المادية بخصائصها تلك، على مخاطر عديدة تتهدّد الهوية والثقافة في آن واحد، مما يؤكد قوة الترابط والتلازم بين الهوية والثقافة أياً كانت، وهو الأمر الذي يستدعي تقوية العلاقة بين العنصرين الرئيسيْن من عناصر الكيان الأممي: الهوية والثقافة؛ لأن في الحفاظ على الهوية والثقافة وقايةً من السقوط الحضاري، وصيانة ً للذات، وتعزيزاً للقدرات التي يمكن التصدّيّ بها لضغوط التحدّيات مهما تكن.

كشفت دراسة قام بها تسعة من أطباء علم النفس على مدى خمس سنوات في جريدة الرأي الكويتية عام 1992م، أظهرت أن البرامج المتلفزة تؤثر على الأطفال المراهقين وتدفعهم إلى الصراعات وتجعلهم أكثر تقبلاً للعنف.
ويقول الأستاذ الدكتور شفيق عياش (عميد كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة القدس): يمثل المحور الثقافي الامتداد الأوسع لحركة العولمة الثقافية، ولعلي هنا أبرز بعض التحديات التي تأتي بها العولمة، وتطال في هذا المحور كافة العناصر المكونة للوجود الديني أو الانتمائي للدول المستهدفة عبر وسائل متبعة لنشر ثقافة التغريب والعولمة، ومن ذلك:

1- تحريف المفاهيم الدينية، كي تتفق مع الأفكار الفكرية التي تروجها العولمة المعاصرة، وذلك باستبعاد الإيمان بالغيبيات واعتباره مضادا للعقلانية العلمانية.
2- إيجاد فئات وشرائح ومؤسسات في المجتمعين العربي والإسلامي تعمل كوكيل للثقافة الغربية، وذلك بتقديم المساعدات المالية لمشاريع أبحاثها وعقد الندوات واللقاءات التي تدعم توجهاتها الثقافية للهيمنة على الثقافتين العربية والإسلامية.

3- إنشاء مجموعة من المراكز والمؤسسات التي تؤثر مباشرة على الثقافة العربية، مثل: الجامعات التبشيرية ومراكز اللغات والترجمة ومؤسسات خيرية ومدارس أجنبية يتمثل دورها جميعاً في التأثير الفكري والتربوي واللغوي على طلبة العلم والمعرفة، وفرض مناهجها وأفكارها مع التقليل من مواد اللغة العربية والتربية الإسلامية، ثم القيام بالتبشير والتنصير.

(والخطورة كل الخطورة تكمن في تخريج هذه الأجيال على النهج المريب من التغريب) وهي أجيال لن تعود لها صلة بماضيها وتراثها وثقافتها ولن يكون لها ولاء ولا انتماء لآبائها وأقرانها ممن يتخرجون من المدارس العربية، وكأننا بذلك نعمل على إيجاد حالة من الانفصام في شخصية المجتمع وبنيته الأساسية تبدو آثاره في ظاهرة استعلاء لغوي ومباهاة بلغة الغرب وثقافاتهم وإعلامهم.

4- يعد الإعلام مرتعاً خصباً وميزاناً فسيحاً يتم من خلاله الغزو الثقافي لإشاعة الفواحش والمنكرات من أجل تحطيم القيم والثوابت الأخلاقية، ولقد تحولت وسائل الإعلام إلى قنوات لبن مسموم ونشر للرذيلة والانحطاط بالغريزة البشرية وانهيار السلوك الإنساني والتباس الحق بالباطل والهدى بالضلال والخير بالشر.

الفراغ النفسي والمعنوي والطموحي لدى هذا الشباب المسلم، وعدم وجود الشخصية النموذجية التي يأمل دائماً أن يتشبه بها في ظل رؤياه لشخصيات دنيوية مادية قد أثبتت نجاحات متتالية على المستوى المادي والتكنولوجي.
5- إن قنوات التلفزة تشكل تهديداً خطيراً ومعول هدم للهوية الإسلامية الحضارية والثقافية من خلال بث البرامج والأفلام والمسلسلات الخليعة والمسرحيات الهابطة، ولقد كشفت دراسة قام بها تسعة من أطباء علم النفس على مدى خمس سنوات في جريدة الرأي الكويتية عام 1992م، أظهرت أن البرامج المتلفزة تؤثر على الأطفال المراهقين وتدفعهم إلى الصراعات وتجعلهم أكثر تقبلاً للعنف الجنسي، وكشفت هذه الدراسة أيضاً أن أفلام الرسوم المتحركة التي تعرض صباح العطلة الأسبوعية تتضمن مشاهد عنف تزيد بمعدل أربع أو خمس مرات عما يشاهد في الأفلام التي تعرض بعد ذهاب الأطفال للفراش، فعلى الرغم من كل هذه المظاهر التي وضحتها كل هذه الدراسات نرى تكالب أجهزة الإعلام على هذه المنتجات الإعلامية.

ويقول الباحث الدكتور إبراهيم متولي: إن التحدي الملح تجاه العودة بالهوية الإسلامية هو التحدي التربوي، وباستقراء الدراسات التربوية السابقة والخاصة بهذا الاتجاه يتضح أن ثمة أمور لا بد من التأكيد عليها لعل من أهما ما يلي:

1- أن العالم الإسلامي يتعرض لمجموعة من التحديات والمخاطر ينبغي للأنظمة التربوية مواجهتها بصورة حاسمة.
2- حاجة المجتمعات العربية والإسلامية إلى صياغة حديثة لنظرية تربوية إسلامية تكون في مواجهة التحديات والمخاطر التي تحدق بالأمة العربية الإسلامية.

3- أن التعليم في القرن الجديد - الحادي والعشرين - يرتكز على مجموعة من المبادئ، هي: بيئة تعليمية جديدة - التعليم الشخصي - تعليم مبتكر للمعرفة - التعليم مدى الحياة، وكلها أساسيات مبدئية للتعليم الحديث يجب ألا تهملها النظرية الإسلامية الحديثة في مواجهة التغريب والعلمنة.

4- أن المجتمعات العربية الإسلامية تتعرض الآن - وفي المستقبل - لمجموعة من الأخطار والتحديات بعضها داخلي كالتغير في التركيب السكاني، والتغيرات الثقافية والقيمية، والتغيرات المجتمعية المختلفة، وبعضها خارجي: كالثورة العملية والتكنولوجية، والتوتر بين العولمة والمحلية، والتغيرات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم، والطريقة الوحيدة لمواجهة ذلك هي التنشئة العلمية التربوية القوية والمنهجية لأبناء تلك المجتمعات والشعوب.

الارتباط بالهوية والثقافة الإسلامية، والذي يحتاج إلى جزء كبير من اليقين والإيمان باليوم الآخر وبقدرة الرب سبحانه، وبالقضاء والقدر، والشباب مع ضعف إيمانهم بتلك الأسس، وعدم تربيتهم عليها يخرجون مستنكرين للهوية الإسلامية.
5- المدرسة الإسلامية المستقبلية هي إحدى الأطروحات التربوية التي ينشدها التربويون العرب والمسلمون لمجابهة تلك الأخطار والتحديات، حيث إن المطلوب منها شيئان؛ الأول: يتعلق بالكيفية التي يتم من خلالها التعامل مع تلك الأخطار والتحديات، والثاني: مراعاة الخصوصية والذاتية العربية الإسلامية التي تتميز بها الهوية الإسلامية .

وبذلك نستطيع أن نحدد سبب الانكسار لدى الشباب المسلم أمام تلك الثقافات بعدة أمور هامة:
1- الفراغ النفسي والمعنوي والطموحي لدى هذا الشباب المسلم، وعدم وجود الشخصية النموذجية التي يأمل دائماً أن يتشبه بها في ظل رؤياه لشخصيات دنيوية مادية قد أثبتت نجاحات متتالية على المستوى المادي والتكنولوجي، والشباب المسلم هنا بحاجة ماسة لبناء الطموح عنده عن طريق توجيهه للاقتداء بكبار وعظماء الأمة الإسلامية في تاريخها الزاهر وبأبطالها أصحاب الإنجازات المشاهدة في عصرها الحديث.

2- الهجمة الإعلامية التي تصور المسلمين بصورة دونية مستذلة مع ضعف العزة النابتة في داخلية أولئك الشباب تجاه الإسلام والاعتزاز به، أدى إلى هروب ذلك الشباب من التشبه بتلك الصورة المنكرة إعلاميا إلى الصورة المحبوبة إعلامياً.

3- الارتباط بالهوية والثقافة الإسلامية، والذي يحتاج إلى جزء كبير من اليقين والإيمان باليوم الآخر وبقدرة الرب سبحانه، وبالقضاء والقدر، والشباب مع ضعف إيمانهم بتلك الأسس، وعدم تربيتهم عليها يخرجون مستنكرين للهوية الإسلامية التي يرونها مقيدة لحريتهم اللامحدودة، والتي تقدمها لهم الثقافات الغربية التي تقدم الحاجات المادية والشهوات كمادة أساسية مباحة دائما بغرض التفرغ للعمل!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة