لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا

10/7/2017
مصيبتُنا الكبرى تكمنُ في أننا اُبتلينا بالعيش في زمن موْسوم بالهشاشة. فالهشاشة نَالت منَّا في كل جوانب الحياة التي نحياها، فهي في ذواتنا وفي شخصياتنا، في قراراتنا المستعجلة وفي مبَادئنا المجهدة. وعندما نتطرق إلى المبادئ التي تُعتبر واحدة من أهم أُسس الحياة المتزنة لا يمكن أن نستثني منها هي الأخرى العطب الذي أصَابها، فلا يخفى على أحدٍ أن المبادئ في وقتنا الحالي لم يعد لها ذات الهيبة التي كانت عليها في مَا مضى من الزمن، ولا يمكن في نفس الوقت أن نعتنق السوداوية ونُطلق على الزمن الذي نحياه بزمن الرداءة، فلابُد لبصيصٍ من الإشراق أن يبزغَ ولو تراكمت السحب عهودًا.

فكرةُ هذا المقال جَالت بخاطري عندما صادفتُ قرار كاتب وروائي سعودي أُكن له احترامًا كبيرًا ولا طالما قرأتُ ما تخطه يده وقلمه وأحببتُ ما تحمل رَحم كتابته من فكر وأدب، ولكن في لحظةٍ خاطفةٍ كانَ قد اتخذَ قرارًا جعله يحيد بجادته عن طريق الصواب، واستعصمَ بعد أن اختارَ في أن يمضي في طريق هيئها له النظام الحاكم الذي يقبع تحته. فــــ"عبده خال" القائل: غريبٌ أمر الناس يأكلون بعضهم البعض كجيف ميتة. والقائل أيضا: لن تستطيعوا بمراقبتكم محو المعصية من الأرض.

جمهور البشر اتفقوا على أن الرياضة والأدب كسرا الحدود الجغرافية وجُعلا لجمع الشعوب عبر الأقطار وليس للتفريق. وعندما نشير إلى قطر وما قدمته للأدب يكفي أن نذكر قرية كتارا والتي منحت من الاِمدادات والدعم للأدب.
المعصية هي الكفة الأخرى للميزان. لم يراع هذه الحدود التي رسمها لنفسه عندما عصف بريحه الهائجة على المبادئ الراسخة في عالم الأدب والرواية، ففي اللحظة التي قرر فيها أن يفسخ العقد الذي يربطه بدار بلومزبري التابعة لمؤسسة قطر للنشر، مستندًا إلى حجته الواهية والتي عقلها عند مربط قراره المتعسف هذا كون الثقافة لا يمكن لها أن تُدافع وتدعم الدول الموالية للإرهاب قائلا: المثقف ليس ظهيراً للإرهاب.. كان شراع سفينته قد انفلت. لكن عن أي ارهاب تتحدث يا عبده خال وعن أي ثقافة؟ هل دولة قطر التي لها نفس انتمائنا وتعتنق نفس مبادئنا قد أضحت مرتعا للإرهاب؟

أنا على يقين أن الأرشيف مكدس بالمقالات التي كُتبت على قضية الخليج والأزمة الأخيرة التي عصفت به، وإن كانت الأزمة قد تخطت حدود الخليج ومَسَّت نتائجها العديد من الدول في الضفف الأخرى، وأضحت القضية قضية أيديولوجية بحتة وأزمة شاملة. ففي النهاية نحن أبناء الهوية الواحدة إن لم نتحدث ولم نقل كلمتنا لا ضير أن نُوسَم بوسم الشيطان الأخرس، فالحياد هو مربض الخائفين، وقطر لم تكن سوى علقة برقاب الخائنين. فهذا التكاتف الذي نشهده يتزايد على دولة قطر دون أدنى أسبابٍ - أقلُ ما يُقال عنها إنها منطقية - يجعلنا نضع علامات استفهام متتالية ونتساءل: هل علينا أن نقول كلمتنا أو ننتظر قدوم غودو والذي جسده بيكيت صمويل على أنه انتظار "اللاشيء"؟

قد تحدثتُ في استهلال المقال وأشرتُ إلى الهشاشة التي نعاني منها نحن العرب وكيف لمبادئنا أن تُرسم وفقا للقرارات العليا، وأعود إلى لبّ الموضوع الذي أود الحديث عنه، ويكمن بشكل أوضح في التساؤل الذي أطرحه: كيف للكاتب أو الروائي والذي من المفترض أن يقول كلمة الحق، أن تتقهقر مبادئه ويرتد على عقبيه؟ فحتى وإن كان موضوع الأدب أمرا هامشيا - فرضًا - بالنسبة للبعض إن تم مقارنته مع السياسية أو الاقتصاد مثلا، فلا يسعنا أن نغض الطرف كون الأدب واحد من مقومات هوية هذه الأمة.

ستتحسن العلاقات وتعود المياه إلى مجاريها ولا تعود صالحة للشرب فقط، بل وتصبح أطيب، ولكن بعض المواقف تحسب على حدة، وتصعيد الموقف من أرباب الأقلام في الدول المحاصِرة لن يفيد بقدر ما سيزيد الطين بلة.
فجمهور البشر اتفقوا على أن الرياضة والأدب كسرا الحدود الجغرافية وجُعلا لجمع الشعوب عبر الأقطار وليس للتفريق. وعندما نشير إلى قطر وما قدمته للأدب يكفي أن نذكر قرية كتارا -قطر- والتي منحت من الاِمدادات والدعم للأدب والرواية العربية بشكل عام وللمثقفين من مختلف الأقطار بشكل خاص ما لا يمكن أن نتجاهله ببساطة فقط لأن قوانينَ عاليَا سنتها نُظم سياسية عليا تقضي بذلك.

ما أود قوله في النهاية، الأزمة مستمرة.. ولكنها ستنتهي، ففي هذه الحياة كل شيء يمضي إلى زوال، ولا تدري لعل الله يُحدث بعد ذلك أمرًا، وتتحسن العلاقات وتعود المياه إلى مجاريها ولا تعود صالحة للشرب فقط، بل وتصبح ألذ وأطيب، ولكن بعض المواقف الفردية تحسب على حدة، وتصعيد الموقف من قبل أرباب الأقلام في الدول المحاصِرة لن يفيد بقدر ما سيزيد الطين بلة، والأدب لم يكن سوى سبيلا لكسر الحدود الجغرافية لا لبناء الجدران الألمانية، وأما من أخذت به الحمى الجاهلية ولم يجد بُدًا إلا من الانحراف عن الطريق فليقل خيرًا أو ليصمت.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة