محمد نصير
محمد نصير
722

حكايات إفريقية (2).. حناجر السماء

14/7/2017
مع مطلع الفجر تخترق سكون الليل أصوات الملايين من الأطفال الذين تصدح حناجرهم بتلاوة القرآن الكريم في مدارس "الماجيري" التي أخرجت لنيجيريا عددًا لا حصر له من حفظة القرآن على مرّ القرون. وتعني كلمة "الماجيري" باللغة المحلية "المهاجر"، إذ يُهاجر أبناء قبيلة الهاوسا الكبرى من المناطق النائية في نيجيريا وما حولها من بلاد إلى المدن الكبرى في الشمال النيجيري حيث تلك المدارس القرآنية التي يلتحقون بها في سن مُبكرة ويقيمون فيها إقامة كاملة تمتد لسنوات بعيدًا عن أوطانهم وذويهم إلى أن يُتموا حفظ القرآن، فيعود البعض إلى مناطقهم لنشر ما تعلموه، بينما يشق البعض الآخر طريق حياته في مناطق أخرى من نيجيريا؛ أكبر بلد إسلامي في إفريقيا.

كان دخول الإسلام إلى نيجيريا في القرن التاسع الميلادي امتدادًا منطقيًا لفتوحات عقبة بن نافع ومن خَلَفهُ في مناطق غرب إفريقيا، والتي عززتها ممالك إفريقيا المسلمة في تلك المنطقة، حتى انتشر الإسلام في مناطق الشمال النيجيري - أرض قبائل الهوسا ذات الأكثرية المسلمة حتى الآن - ثم امتد تدريجيًا باتجاه الجنوب. وعلى الرغم من أن الاحتلال البريطاني في أواخر القرن التاسع عشر قد قام بحجب الأوقاف والأموال عن مدارس "الماجيري" بغرض القضاء عليها، إلَّا أنها أخذت في الازدياد رغم الفقر الشديد وانعدام الموارد، حتى بلغ تعدادها اليوم نحو 50 ألف مدرسة يعيش فيها ما يقرب من 7 ملايين "ماجيري" تتراوح أعمارهم بين الخامسة والخامسة عشرة تقريبًا.

ربما لعبت مدارس الماجيري دورًا كبيرًا منذ قرون في نشر القرآن وعلومه والحفاظ على الهوية الإسلامية، إلا أن هناك العديد من المآخذ والتخوفات من البعض، إذ تعاني معظم المدارس الآن من نقص الموارد بسبب قلة أو انقطاع الأوقاف المخصصة لها.
فور الانتهاء من صلاة الفجر، وعلى ضوء المصابيح الزيتية، يتناول أطفال الماجيري وجبة إفطارهم المتواضعة، والتي تتكون من بعض الموز أو الخبز والجاف وربما العصيدة إذا حالفهم الحظ. بعد ذلك يتجه التلاميذ إلى الفصل، والذي عادةً ما يكون حجرة مسقوفة متواضعة، ثم يخرجون ألواحهم وأقلامهم الخشبية، ويبدأون في كتابة الآيات وتلاوتها.

في العام الماضي كنت سأقوم بتصوير فيلم عن أطفال "الماجيري" مع أحد أصدقائي، وكلما تعمقت في البحث عن حياتهم، كلما تبيّن أن تلك المدارس - للأسف - قد ابتعدت رويدًا رويدًا عن الدور الذي بُنيَت من أجله، وظهر هذا جليًا في النماذج العامة - المكررة - لظروف وشخصيات الأطفال داخل تلك المدارس. هارون (اسم مستعار) "ماجيري" في الثالثة عشرة من العمر يدرس بإحدى المدارس القرآنية في مدينة "كانو" وقد أمضى هناك حتى الآن ست سنوات لم يزره خلالها أي من أفراد أسرته، بالكاد يذكر هارون أي شيء عن أهله ولا يعرف تحديدًا مكان قريته، الحياة قبل أن يصبح "ماجيري" هي مجرد لقطات ومشاهد غائمة. يهوى هارون كرة القدم، ويأمل بعد أن يترك المدرسة أن يصبح لاعبًا محترفًا في أحد الأندية ثم في المنتخب النيجيري الذي يعشقه ويحفظ أسماء لاعبيه عن ظهر قلب، ويتسلل في الكثير من الأحيان لمشاهدة مبارياتهم خلسة.

أما أبو بكر (اسم مستعار أيضًا) فهو "ماجيري" يبلغ من العمر عشرة سنوات،كان يعيش مع أسرته في قرية على حدود المدينة حيث كان يعمل مع والده وخمسة من أشقائه في حقول القطن، لم يحب أبو بكر العمل هناك فأرسله أهله إلى المدرسة قبل سنتين وأصبح صديقًا مقربًا لهارون. يشتاق أبو بكر إلى أهله كثيرًا برغم زياراتهم المتكررة له، لكنه في نفس الوقت يعتقد أن الحياة في المدرسة أفضل كثيرًا من العمل في حقول القطن، يتمنى أبو بكر أن يصبح رجل أعمال في يوم من الأيام حتى يتمكن من توفير حياة أفضل لوالديه وأشقائه..

لستُ مع الرأي الذي يطالب بإلغاء هذه النوعية من المدارس تمامًا، فهي جزء لا يتجزأ من المنظومة الاجتماعية والثقافية في نيجيريا، ولست كذلك مع الرأي القائل بأن منتقدي مدارس "الماجيري" يستهدفون الهجوم على التعليم الديني بالأساس.
لك عزيزي القارئ أن تتخيل أن هناك ملايين الأطفال الذين يعيشون مثل تلك الظروف، وأسوأ.
ربما لعبت مدارس الماجيري دورًا كبيرًا منذ قرون في نشر القرآن وعلومه والحفاظ على الهوية الإسلامية، إلا أن هناك العديد من المآخذ والتخوفات من البعض، إذ تعاني معظم المدارس الآن من نقص الموارد بسبب قلة أو انقطاع الأوقاف المخصصة لها، بالإضافة إلى الازدياد الكبير في أعداد الطلاب، والذي ينعكس سلبًا على قدرة المدارس على رعاية هؤلاء الأطفال وإطعامهم، فيضطر معظمهم إلى الخروج إلى الشارع في أوقات الراحة والاعتماد على ما يجود به عليهم أهل الإحسان، وهو أمر لا يليق بطالب العلم القرآني. كما يتخوف البعض من أن تلك الظروف الصعبة التي يعيشها الكثير من الماجيري قد تجعل منهم فريسة سهلة للاستغلال سواء من العصابات الإجرامية أو الجماعات الدينية المتطرفة.

لستُ مع الرأي الذي يطالب بإلغاء هذه النوعية من المدارس تمامًا، فهي جزء لا يتجزأ من المنظومة الاجتماعية والثقافية في نيجيريا، ولست كذلك مع الرأي القائل بأن منتقدي مدارس "الماجيري" يستهدفون الهجوم على التعليم الديني بالأساس. الحل الوحيد - من وجهة نظري - هو تطوير هذه المدارس وتدريس المواد العلمية بها، إلى جانب المواد الشرعية، في تجربة ربما تشبه كثيرًا تجربة المدارس الأزهرية في مصر.
دع حناجر الصغار تصدح بالقرآن، لكن أطعمهم وعلمهم ما يعينيهم على أمر دنياهم.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة