عمرو بسيوني
عمرو بسيوني
  • عمرو بسيوني
  • كاتب ومحقق وباحث في التراث والفكر الإسلامي والفلسفة
875

العالم والسلطان (4)

15/7/2017

(1)

استعرضنا في الأجزاء السابقة؛ الموقفين الأساسيين لعلماء السلف من تيار أهل السنة والجماعة الواسع؛ من الحكام الجائرين، ما بين المجيز بضوابط، والمانع مطلقًا؛ من الدخول عليهم.

ونتعرض في تلك الحلقة لتفصيل الموقف التيمي من موضوع الدخول على السلاطين الجائرة، باعتباره الذروة السُّنية المتأخرة في ذلك الموضوع، كما هو الذروة السُّنية المتأخرة في موضوعات ومجالات اجتهادية أخرى كثيرة.

 فالآلة التيمية آلة جامعة هائلة، تضوي في تضاعيفها الإمكاناتِ المحيطةَ الواسعة بالشريعة المحمدية، أصولًا وفروعًا، معقولًا ومنقولًا ولسانًا، مع الاطلاع التام على التاريخ الإسلامي بأحداثه وتقلبات دوله، مع التدبر فيه، وقراءته قراءة واقعية لاهوتية، تعطي منظورًا خاصًا من فلسفة التاريخ يمكن نسبتها لابن تيمية، مع الخبرة الحركية والسياسية العميقة؛ فابن تيمية ليس مجرد فقيه منكفئ على شُغله العلمي، وليست علاقته بالسلطة مقتصرة على القنوات الرسمية من أعلى لأسفل كالقضاة أو المفتين أو المحتسبين التقليديين، بل إنها علاقة مشتبكة معقدة، ذات طابع تأثير وتأثر، تجمع بين النضال السياسي والبرجماتية الشرعية، وهذا فضلًا عن قوة الشخصية التيمية الكاسحة، فابن تيمية شخص كبير، قوي النفس، شجاع، فيه حدة وشدة، مع حلم وصبر وجلد، ويجمع ذلك كلَّه ثباتُ القلب واليقين، وقد استعرضنا في الحلقة السابقة موقفه مع السلطان التتري قازان، وكيف ظهر فيه هذان الملحان الأخيران: الخبرة السياسية الحركية والعلاقة الجدلية مع السلطة، وقوة الشخصية والشجاعة. وأخيرًا ما يضاف إلى ذلك مما يتسم به ابن تيمية من الديانة التزهدية الصوفية الرفيعة، التي ترفع عنه الشبهات والتهم، فلم يتكلم أحد في ديانة ابن تيمية وصحة قصوده ونياته، سواء من مخالفيه أو محالفيه.

يُجمل ابن تيمية موقفه من الدخول على الحاكم الظالم بأن «العدل: تحصيل منفعته ودفع مضرته، وعند الاجتماع يقدم أرجحهما لتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما». فابن تيمية ينطلق من نظرته المصلحية المقاصدية المعروفة.

جميعُ تلك الاعتبارات التي أوجزتُها: تضفي على رأي ابن تيمية في ذلك الموضوع - وآراء ابن تيمية عمومًا - أهميةً وثقلًا بالغًا، ويعطيها الطابع الشمولي الجامع، الذي يعبر عن سعة الاتجاه السني، الذي لا يضيق في مذهب فقهي أو عقدي أو سلوكي أو منزع شخصي انسحابي بالمطلق أو ثوري بالأساس. باختصار: رأي ابن تيمية في موضوعٍ، أولاه عنايته، ومارسه وعاناه، وخاض فيه سجالًا أو بحثًا أو حركةً، ولو على سبيل الإيجاز: هو رأي لا يمكن تجاوزه، أو التعامل معه باستخفاف. ولعلنا نرجع على التجربة التيمية في بعض ملامحها في مقال أو سلسلة مقالات قادمة.

(2)

عطفنا في المقال السابق على منزع ابن مفلح الحنبلي - وهو أفقه تلاميذ ابن تيمية - التجميعي بين موقفي السلف من الدخول على الحكام، بحمل اتجاه المنع من الدخول على من يخاف الفتنة بالدخول، وحمل اتجاه الجواز على من يأمن الفتنة في الدخول، وذكرنا أن هذا غير مسلَّم.

ينطلق ابن تيمية من نقطة أدق فقاهة، وأعمق ملاحظةً؛ في قراءته لاتجاهي السلف من تلك القضية، بالتفريق بين: حكم طلب الدخول على السلطان، وحكم ما يفعل بعد الابتلاء به، وهو ما أشرنا إليه في المقال السابق أيضًا.

وابن تيمية يخالف اتجاه المنع المطلق الوارد عن بعض السلف أيضًا، لكنه لا يحمله حملًا يغيّر من حقيقته أو يخفف وزنه أو يحرف مناطه وموضوعه، لأجل تسوية موقف موحد للسلف من تلك القضية.

 (3)

يُجمل ابن تيمية موقفه من الدخول على الحاكم الظالم بأن «العدل: تحصيل منفعته ودفع مضرته، وعند الاجتماع يقدم أرجحهما لتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما». فابن تيمية ينطلق من نظرته المصلحية المقاصدية المعروفة. وابن تيمية أهم منظّر مقاصدي إسلامي في نظري.

الشيخ لا يمانع من تولّي السلطات الجزئية تحت مظلة نظام عام جائر، إن كان قصدُ المتولّي تقليلَ الشر الذي تمارسه السلطة، وإيصال بعض الحق إلى مستحقيه، ولو عجز عن بعضه، فإن «المعين على الإثم والعدوان: من أعان الظالم على ظلمه.

فابن تيمية حين يتعامل مع قضية السلطة عمومًا؛ فإنه لا يغفل حين ينظر إليها: أصلَها الحسن من الجهتين الدينية والدنيوية، بمعنى أن السلطة عند ابن تيمية ليس مُدنسًا خالصًا كما يشيع في الأدبيات الأناركية ومنظري الثورة كأيديولوجيا؛ فالسلطة أمر ضروري لحفظ الحقوق وإنفاذ العدل، ومن ثَمّ فهي خير عام من الجهة الدنيوية إذا توخّت ذلك، أو فيها خيورٌ ما ولو نِسبية جزئية إذا حصل بعضُ ذلك بسببها. ثم هي خير عام من الجهة الدينية إن لاحظ فيها صاحبها، أو مَن حوله: معنى طاعة الله والرسول، مطلقًا أو مِن بعض الوجوه.

فجنس الإمارة عند الشيخ من القربات والديانات التي تجوز بل تستحب وقد تجب. فيرى الشيخ أنه من «الواجب اتخاذ الإمارة ديناً وقربةً يتقرب بها إلى الله، فإن التقرب إليه فيها بطاعته وطاعة رسوله من أفضل القربات، وإنما يفسد فيها حال كثيرٍ من الناس؛ لابتغاء الرياسة أو المال بها». ففساد السلطة إذن أمر عارضٌ عليها، وليس من جوهر ماهيتها - وهذا بقطع النظر عن كثرة الفساد وأغلبيته بعد ذلك -. وهذه النظرة قد ذكرها قبل الشيخ بعضُ العلماء، وبخاصة الإمام العز بن عبد السلام، الذي يتأثر به الشيخ تأثرًا واضحًا في كثير من أفكاره.

ومن المنطلق نفسه، وبصورة طَبَعية إذن؛ فالشيخ ليس من الاتجاه الذي يكره أو يحرّم طلب السلطة والسعي إليها أصلًا، مادام ذلك الطالب يراعي المصلحة الشرعية ويمكنه إنفاذها، ولو بمفسدة محتملة. ويستدل على ذلك استدلالًا تأسيسيًّا بفعل النبي يوسف لما طلب الولاية، في ظل حكم الكفّار: «قال اجعلني على خزائن الأرض»؛ لأجل أن يصلح قدر المستطاع، وينفذ ما يمكن من الحقوق العدلية الدينية والدنيوية. فيقول الشيخ في سياق كلامه عن طلب الولاية: «وكذلك ما ذكره عن يوسف الصديق وعمله على خزائن الارض لصاحب مصر لقوم كفار، وذلك أن مقارنة الفجار إنما يفعله المؤمن في موضعين: أحدهما: ان يكون مكرها عليها، الثاني: أن يكون في ذلك مصلحة دينية راجحة على مفسدة المقارنة، أو أن يكون في تركها مفسدة راجحة في دينه، فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما»، وقال: «وقوله «اذكرني عند ربك» مثل قوله «قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم»، فلما سأل الولاية للمصلحة الدينية، لم يكن هذا منافيا للتوكل، ولا هو من سؤال الإمارة»، وقال: «إن الولاية وإن كانت جائزة، او مستحبة، أو واجبة، فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبا تارة واستحبابا أخرى». ويستنبط الشيخ من ذلك قاعدة فَقَاهية: «قصة إبراهيم في علم الأقوال النافعة عند الحاجة إليها، وقصة يوسف في علم الأفعال النافعة عند الحاجة إليها».

(4)

وبناء على ذلك، فإن الشيخ لا يمانع من تولّي السلطات الجزئية تحت مظلة نظام عام جائر، إن كان قصدُ المتولّي تقليلَ الشر الذي تمارسه السلطة، وإيصال بعض الحق إلى مستحقيه، ولو عجز عن بعضه، فإن «المعين على الإثم والعدوان: من أعان الظالم على ظلمه، أما من أعان المظلوم على تخفيف الظلم عنه أو على أداء المظلمة: فهو وكيل المظلوم؛ لا وكيل الظالم؛ بمنزلة الذي يقرضه أو الذي يتوكل في حمل المال له إلى الظالم»، ولو أدى ذلك إلى فعل ما هو ظلمٌ في الصورة لأجل تقليل الظلم الأكبر، كما في المثال الذي يذكره الشيخ: «مثال ذلك ولي اليتيم والوقف إذا طلب ظالم منه مالًا فاجتهد في دفع ذلك بمال أقل منه إليه أو إلى غيره بعد الاجتهاد التام في الدفع؛ فهو محسن وما على المحسنين من سبيل. كذلك لو وضعت مظلمة على أهل قرية أو درب أو سوق أو مدينة، فتوسط رجل منهم محسن في الدفع عنهم بغاية الإمكان، وقسطها بينهم على قدر طاقتهم من غير محاباة لنفسه ولا لغيره ولا ارتشاء بل توكل لهم في الدفع عنهم والإعطاء: كان محسنا؛ لكن الغالب أن من يدخل في ذلك يكون وكيل الظالمين محابيا مرتشيا مخفرا لمن يريد وآخذا ممن يريد. وهذا من أكبر الظلمة الذين يحشرون في توابيت من نار هم وأعوانهم وأشباههم ثم يقذفون في النار».

 يذكر عن طوائف من السلف من امتناعهم ومنعهم من استماع كلام المبتدعة خشية الفتنة عليهم وعلى غيرهم». ليصرّح بموقفه الذي قاله أولًا: «فهذه الأمور: العدلُ فيها أن لا يطلب العبد أن يبتلى بها، وإذا ابتلي بها فليتق الله وليصبر، والاستعدادُ لها أن تصيبه من غير طلب الابتلاء بها.

وهذا كله مع إقرار الشيخ بصعوبة تمحيص النية في ذلك، واشتباه الصورة في الظاهر بين المحسن والمسيء، ولكن هذا التشابه والاشتباه يقع في الجانبين، فيقع في جانب الترك، بمعنى أنه قد يقع ممن يتحاشى كل نوع من السلطة مع قدرته على إنفاذ بعض العدل منها، مظهرًا الورع وحقيقته ترك الواجب في حقه بدافع الجبن لا الورع، «فإن التعاون نوعان: الأول: تعاون على البر والتقوى: من الجهاد وإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وإعطاء المستحقين؛ فهذا مما أمر الله به ورسوله. ومن أمسك عنه خشية أن يكون من أعوان الظلمة فقد ترك فرضا على الأعيان أو على الكفاية؛ متوهما أنه متورع. وما أكثر ما يشتبه الجبن والفشل بالورع؛ إذ كل منهما كف وإمساك. والثاني: تعاون على الإثم والعدوان»، وكذلك يقع الاشتباه في جانب الفعل، فقد تتحد الصورة في الظاهر، بين الإصلاح والفساد، ولا يفرق بينهما إلا ملاحظة رضا الله وقصد الإصلاح، أو العكس، كما يقول عن العطاء لدفع الشر وتأليف القلوب: «وهذا النوع من العطاء وإن كان ظاهره إعطاء الرؤساء وترك الضعفاء كما يفعل الملوك؛ فالأعمال بالنيات؛ فإذا كان القصد بذلك مصلحة الدين وأهله؛ كان من جنس عطاء النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وإن كان المقصود العلو في الأرض والفساد كان من جنس عطاء فرعون؛ وإنما ينكره ذوو الدين الفاسد كذي الخويصرة الذي أنكره على النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال فيه ما قال، وكذلك حزبه الخوارج أنكروا على أمير المؤمنين علي».

(5)

في ضوء ذلك كله: فإن الشيخ ينطلق في قضية الدخول على السلطة الجائرة من المنطلق نفسه، فإنه لا شك في كونها أخف من تولّي الولايات والأعمال لها. فإن كان بنية إنفاذ الحق والنصح، وممن يقدر عليها، ومصلحتها أعظم من مفسدتها: فهو كطلب السلطة وتوليها لأجل المصلحة الدينية الدنيوية، فإنه يستحب أو يجب بحسب الكفاية. هذا رأي الشيخ نفسه، مع تفريقه بين طلب الدخول، والابتلاء به، فإن الأول - الذي يخالف الشيخُ المانعين في حكمه وتأصيله كما تقدم - هو الذي ورد عن كثير من السلف التشديد في المنع منه.

فيقول الشيخ تعليقًا على نقل أحمد بن حنبل لمقولة ميمون بن مهران: «ثلاثة لا تبلون نفسك بهم: لا تدخلن على ذي سلطان وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تخلون بامرأة وإن قلت: أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك لذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه»، فيقول - ونلاحظ أنه يقول معلقًا بالنقد، بمنع التسوية بين الأصناف المذكورة في الحكم -: «الاجتماع بالسلطان من جنس الإمارة والولاية، وفعل ذلك لأمره ونهيه: بمنزلة الولاية بنية العدل وإقامة الحق، واستماع كلام المبتدع للرد عليه من جنس الجهاد، وأما الخلوة بالمرأة الأجنبية فمحرم»، ثم يرجع ليبيّن أن الجنس العام لذلك هو طلب الإنسان البلاء لنفسه بما لا يتحمله في الغالب: «فهذا كله من جنس واحد، وهو دخول الإنسان بنفسه من غير حاجة، فيما يوجب عليه أمورًا أو يحرم عليه أمورًا، لا سيما إن كانت تلك الأمور مما جرت العادة بترك واجبها وفعل محظورها. ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الدجال: «فمن سمع به فلينأ عنه فإن الرجل يأتيه وهو يعلم أنه الدجال فلا يزال به ما يراه من الشبهات حتى يفتنه ذلك»».

ويقرِن الشيخ بين ذلك المنع من الدخول على السلطة مباشرة، وبين الاتجاه السلفي المانع من سماع المبتدعة، فيقول: «ومن هذا الباب مما يذكر عن طوائف من السلف من امتناعهم ومنعهم من استماع كلام المبتدعة خشية الفتنة عليهم وعلى غيرهم». ليصرّح بموقفه الذي قاله أولًا: «فهذه الأمور: العدلُ فيها أن لا يطلب العبد أن يبتلى بها، وإذا ابتلي بها فليتق الله وليصبر، والاستعدادُ لها أن تصيبه من غير طلب الابتلاء بها»، مع كون ذلك الامتناع من أن يطلبها العبد: ليس على المنع المطلق الذي عند هؤلاء السلف، كما تقدم إيضاحه، ولكن من باب سد الذريعة، وكراهة الفتنة. ولكن إن حصل وتعيّن فإن على المرء أن يصبر ويوازن المصالح والمفاسد في عمله.

(6)

ويفصّل ابن تيمية تفصيلًا دقيقًا، شرعيًّا وواقعيًّا، في حالتي الوقوع في دائرة قرب السلطة، سواء بالتولّي والعمل، أو بالدخول والقرب والمناصحة، كما هو أصل الموضوع.

بتلك الإطلالة على ملمح من النظرية السياسية التيمية، تتعلق بالموقف من الاقتراب من السلطة، سواء بالتولّي والاستعمال أو المناصحة؛ يتبيّن ما قدمْنا به من واقعية الشيخ، وعمق نظره المصلحي، مع شدة احتياطه، وتوكيده المستمر على تعدد العوامل وتداخلها.

حالة: طلب الحصول، وحالة الحصول. فيفصل في كلتا الحالتين، وما قد يرافقهما من الإعانة أو الخذلان.

فأما الحالة الثانية: فهي أن تتعرض له من غير طلب منه، فإنه يعان عليها، ما لم يدخل نيته فساد. يقول: «فهذه المحن والفتن: إذا لم يطلبها المرء، ولم يتعرض لها، بل ابتُلي بها ابتداء؛ أعانه الله تعالى عليها بحسب حال ذلك العبد عنده؛ لأنه لم يكن منه في طلبِها فِعلٌ ولا قَصْدٌ حتى يكون ذلك ذنبًا يُعاقَب عليه، ولا كان منه كبر واختيال مثل دعوى قوة أو ظن كفاية بنفسه حتى يخذل بترك توكله ويوكل إلى نفسه؛ فإن العبد يؤتى من ترك ما أُمِر به».

وينبغي أن نفرق هاهنا أن الحالة الأولى التي سيتكلم عنها ابن تيمية الآن: حالة طلب الحصول، هي فيمن لم يجب في حقه ذلك الطلب، ووجوبه بأن يكون فيه مصلحة راجحة على المفسدة، وأن يكون قادرًا على إنفاذها، وأن يستعين في ذلك بالله. فتلك الصورة لا يراها الشيخ ذنبًا ولا خطئًا كما تقدم. ولكن الخلل في أي شرط من هذه الشروط يجعلها من الطلب المحض للفتنة، أو الطلب لواجب لم يؤمر به لخروجه عن المقدور أو المشروع في حقه.

فأما الحالة الأولى: فهي أن يعرّض نفسه لتلك الفتن، من غير تعيّن ووجوب عليه، فهو في تلك الحالة مخطئ، سواء كان قصده حسنًا أو قبيحًا، لأنه فعل ما لم يؤمر به، أي لم يتعيّن عليه، فهو على خطر أن يوكل إلى نفسه في أفضل الأحوال إن أراد حُسنًا، وإلا فإنه يزيد في ذنبه إن أراد سوءًا. يقول: «وسواء كان مراده بها محرمًا أو مباحًا أو مستحبًا. وإرادته بها المحرم زيادة ذنب. وإن أراد بها المستحب: فقد فعل ما لم يؤمر به. وهذا مما يذم عليه كما في صحيح مسلم عن ابن مسعود مرفوعًا: «ما بعث الله من نبي إلا كان له من أمته حواريون وأنصار يستنون بسنته ويهتدون بهديه ثم إنه يخلف من بعده خلوف يقولون: ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون»».

ونفس التعرض للفتن، من غير موجب: ذنب، ينافي العبادة أو الاستعانة، ومع ذلك فإن هذا لا ينافي إمكان القيام بالواجب بعد الابتلاء بالتعرض للفتنة، فيمكنه أن يُحسن بعد ذلك ويكفر عن ذنبه، أو يتداركه الله برحمته لسبق فضيلة منه، أو لغير ذلك من حِكمه سبحانه وتعالى. يقول: «والتعرض للفتنة هو من الذنوب. فالمؤمن الصادق لا يفعل إلا ما أمر به فإن ذلك هو عبادة، ولا يستعين إلا بالله، فإذا أوجب هو بنفسه أو حرم هو بنفسه؛ خرج عن الأول [العبادة]، فإن وثق بنفسه خرج عن الثاني [الاستعانة]. فإذا أذنب بذلك؛ فقد يتوب بعد الذنب فيعينه حينئذ. وقد يكون له حسنات راجحة يستحق بها الإعانة، وقد يتداركه الله برحمته فيسلم أو يخفف عليه. والتوبة: بفعل المأمور وترك المحظور في كل حال بحسبه، ليست تَرْكَ ما دخل فيه؛ فإن ذلك قد لا يمكنه إلا بذنوب هي أعظم من ذنوبه مع مقامه، فتدبر هذا!».

هل فُشو الفساد وانتشاره لم يجعل للمنع المطلق المفهوم من تصرفات أحمد وغيره نُدحةً وسعةً أن يكون في تلك الأعصار التي عظم فيها الباطل وفشا الظلام، بحيث يكون التقليل منه مصلحة معتبرة في أحيان كثيرة واسعة لم يعتبرها الواقع الأكثر بساطة في عصر السلف، على حسب نظرية ابن تيمية.

ثم يعطف على الحالة الأولى، التي فيها الابتلاء بغير تعرض للفتنة، فإن صاحبها الذي يعان عليها؛ ليس بسالم هو أيضا من دخول الفساد عليه، كما تقدم؛ فلا يعان. فليس ثَمّ أقضية حتمية لازمة ترتبط فيها أسباب بمسببات واحدة مفردة لازمة. يقول: «والمبتلَى من غير تعرض قد يفرّط بترك المأمور وفعل المحظور حتى يخذل ولا يعان، فيؤتى من ذنوبه لا من نفس ما ابتلي به، كما قال تعالى: {إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} [آل عمران: 155] الآية وهذا كثير أكثر من الذي قبله، فأما المؤمنون الذين لم يكن منهم تفريط ولا عدوان: فإذا ابتُلُوا؛ أُعينوا».

(7)

وبتلك الإطلالة على ملمح من النظرية السياسية التيمية، تتعلق بالموقف من الاقتراب من السلطة، سواء بالتولّي والاستعمال أو المناصحة؛ يتبيّن ما قدمْنا به من واقعية الشيخ، وعمق نظره المصلحي، مع شدة احتياطه، وتوكيده المستمر على تعدد العوامل وتداخلها، بحيث لا يخلص منها عامل يؤدي إلى الفساد، أو آخر يؤدي إلى الإصلاح، بما يعسّر من تلك العملية وتبعتها، وتستلزم حزمًا ومراقبة وعزمًا قويًّا.

ولكن:

ما موقع الاتجاه التيمي الآن من حياتنا المعاصرة، كتنظير وتطبيق؟ وما موقع اتجاه السلف المانعين من حياتنا المعاصرة أيضًا؟

بعبارة أخرى: هل كان النظر التيمي للموقف السلفي من المنع، وتأطيره بأطر جديدة = هو اعتراف تيمي بالفوت التاريخي والزمني ومدخليته في النظر الشرعي والفتووي بالمعنى الابتلائي الواقعي؟ هل فُشو الفساد وانتشاره لم يجعل للمنع المطلق المفهوم من تصرفات أحمد وغيره نُدحةً وسعةً أن يكون في تلك الأعصار التي عظم فيها الباطل وفشا الظلام، بحيث يكون التقليل منه مصلحة معتبرة في أحيان كثيرة واسعة لم يعتبرها الواقع الأكثر بساطة في عصر السلف، على حسب نظرية ابن تيمية في النور الخالص والنور الذي فيه ظلمة والظلمة التي لا نور فيها؟ ما علاقة ذلك جميعه بمسيرة العلماء مع السلاطين وبخاصة في عصرنا الحاضر وما قرب منه؟

سنناقش هذه الأسئلة، ونقدّم موقفنا فيها؛ في الحلقة المقبلة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة