لؤي السيد
لؤي السيد
171

البحث عن الهوية وفهم المنظومة

16/7/2017

"هو الإنسان مخير وله إرادة أم مسير ولا يملك إرادة؟" يسأل صديقي، وكلانا نعلم أنه سؤال قد استُهلِك، لكنه مناسبٌ لشابين يبتدعان ما يليق بمشهد السماء في آخر عرض لليلة خُطِّطَ لها أن يُقضَى فيها ما سينجو من أسئلتنا الفلسفية فنذهب به لإختبار الصباح، ابتسمت قبل أن يستخدم عقلي ذكريات الطفولة البلهاء فأجيب: هل تتذكر ألعاب الحاسوب التي ملأت طفولتنا ك GTA مثلا؟

تلك التي كنا نحيد عن أداء المهمة المطلوبة فيها لكي ننهها بنجاح ونتجول لنسرق السيارات والأموال ونقتل من لا يعجبنا، كنا نجلس أمام الحاسوب نفعل ماتهواه الطفولة والبلاهة ُنجرّب ونخوض في اللعبة وطرقاتها ومفرداتها، ربما بحكم السن لم نكن لنصدق أن ثمة شخص يدعى مبرمج قد وضع كل هذه الاحتمالات بذلك الإتقان وأسلم لنا مهمة نقضي فيها كيفما شئنا، ربما يا صديقي تسلمنا جسداً أرضيا ًمتقنا مناسبا للعبة وكتب المبرمج كل خوارزمياتها بإتقان فأوجد كونا فريدا وتركنا نعيشها بكامل حريتنا في القرارات والتصرفات، نتفاعل بكل شئ ونظل محصورين في لعبة تم صياغتها بتفرُّد.

ماذا لو أتينا بفرد على دراية بعلوم البرمجة وأجلسناه ليلعب لعبة حاسبوية؟ بالتأكيد لاستطاع أن يعلم الاحتمالات أو لو جلس أحدهم ليشاهد فردا يلعب بينما هو يدرس نتائج احتمالاته لكي يصل لفعل أول تسبب في ردود أفعال؟

تذكرت أيضا مبادئ البرمجة التي تقوم على الاحتمالات "إذا حدث كذا فسيحدث س أو ص أو اكثر أو لا يحدث شيئا " أي أن اللعبة تقريبا قائمة على الفعل ورده، وحسب مان علم عن بداية الدوائر بخلق سيدها آدم فإننا يتوالى إدراجنا لنزيد دوائر الفعل ورد الفعل تعقيدا، جئنا لهذا الكوكب النائي بعد احتدام دائرة بدأت بين نقطتين أو كيانين، هما المبرمج والمتمرد أو الشيطان، وعكف المتمرد في إدراج احتمالات ودوائر لإفساد اللعبة أو بالأدق لإفشال من سيخوضها، وها نحن نخوض احتمالاته البراقة والبسيطة لتُدخلنا في دوامة من النتائج أو الاحتمالات الجديدة، ولا أقصد فيما كتبته إسقاطا كاملا لفكرة اللعبة وذكرها كمثال مطابق للحياة التي تجري، ويكفينا ما تمثله اللعبة في كونها اختبارا وأحجية.

ربما تلفّت الفلاسفة وعلماء النفس لتلك الأحجية الباقية،ربما افنى الكثير أعمارهم في رصد الاحتمالات وجعلِها مذاهب، بما تواجد ألف دليل للنجاة من الخسارة في اللعبة، لكن المؤكد أن واحدا منهم فقط صحيح والباقي قد يكون صحيحا في الكثير من المراحل ويخطئ في أية مرحلة، ربما هذا ينهي المقولة الشهيرة "إزاي الكم الهائل من البشر مخلوقين عشان المشهد الأخير يفوز فيه مجموعة بسيطة بالنسبة للكم كله " فثبت أن صاحبها اعتمد على نظرٍ قاصر قد يظهر منطقيا للبعض لكنه ليس كذلك، توقفت يومها عند هذا الحد واستهلكني اختباري الجامعي الفاني في الصباح، ذلك الاختبار الذي وضعه للتو شخص يتابع إدراج احتمالات لكل من خضع للاختبار ويتابع خلق دوائر..

"الإبداعات السينيمائية تصيب اللاوعي" مقولة أحاول أن أقلل صحتها حين أختار ما أراه وأتابعه، لعل أكثر ما يقارب ما سبق سرده من الأعمال السينيمائية المحدودة التي رأيتها فيلما يدعى Maze runner 1. كانت رؤيتي له تدعيما لما نسجته في مخيلتي وكتبته فصرت أقف على قاعدة ثابتة أتاحت أن أرى سؤالا أكثر تطورا وهو "ماذا لو أتينا بفرد على دراية بعلوم البرمجة وأجلسناه ليلعب لعبة حاسبوية؟ بالتأكيد لاستطاع أن يعلم الاحتمالات أو لو جلس أحدهم ليشاهد فردا يلعب بينما هو يدرس نتائج احتمالاته لكي يصل لفعل أول تسبب في ردود أفعال؟" حتى إذا لم تألف معي فهم الإسقاطات فسألجأ لتفسيرها على أية حال، أقصد أننا كبشر استطعنا تتبُّع الدوائر وفهمها من التاريخ وربما إدراجها عن قصد لإفادتنا.

ولعل أبرز الدوائر المتضحة في التاريخ الحديث تعود لشاب لطيف يدعى غافريلو برينسيب صربي الجنسية جعل دائرته تتخذ منحى مخيفا وتولد نتائج ودوائر لم تنتهي بعد، مجرد طلقتين من سلاحه انتقاما لصربيا أودت بحياة ولي عهد النمسا في الثامن والعشرين من يونيو عام 1914 وجعلت النمسا تغزو صربيا بعدها بشهر وتوالى إدراج مفردات بدخول ألمانيا وروسيا والدولة العثمانية وتنتهي الحرب بنتائج مفجعة بدأت بطلقتين وتخرج ألمانيا منها إلى الظلام فيتولد رد فعل لرد الفعل ويظهر هتلر كنتيجة ليجعل الدائرة تتولد من جديد وتقوم الحرب العالمية الثانية وينكل هتلر باليهود ليخرجوا وقد تسلموا الأمر فينكلوا بالفلسطينيين وتنهار الدولة العثمانية بفعل عدة دوائر ترتبت على ما حدث، وتمر السنون ليصبح العالم على ماع ليه بطلقتي شاب..

شغلني اتصال دوران الخط الذي يرسم كل دائرة وعلمت أنني مجرد نقطة في إحداهن أو مكان تقاطع بعضهن فأفزعني أنني قد أكون بلا هوية، لأن قرارتي وما سأختاره واحتمالتي وكافة جوانبي الشعورية والفكرية مكتسبة من دوائر وأفعال كل من وما حولي.

بيت القصيد أنك تستطيع تتبع اللعبة من التاريخ وأن هناك من يعملون على فهم احتمالاتها واللعب على النتائج فلعلك قد سمعت عن الخبراء الإكتواريين في عالم الاقتصاد الذين يتتبعون الاحتمالات التي ستصدر عن كل خطوة ويختارون الخطوة الاكثر صوابا لشركاتهم أو لعلك تتبعت سياسات العديد من الدول التي أدرجت احتمالات لتضرب أعدائها كما فعلت أمريكا حين إرادت إسقاط الاتحاد السوفيتي فشجعت الملسمين للهجرة لجهاد الروس في الشيشان وأفغانستان، درست الاحتمالات وأصابت فيها وسقط الاتحاد بدون إيذاء جندي أمريكي قبل أن تضعها الصدفة أو العمد أمام خلق عدو لها ممن استخدمتهم ثم اضطهدتهم..

وظهرت القاعدة، كذلك استخدمت روسيا فصائل لتحارب أعدائها في الشيشان ثم انحازت لأعدائها وساعدتهم على التغلب على تلك الفصائل لتقتنص ولاءهم، وهكذا يا عزيزي تدور الدوائر على الأرض في كل شبر، صغيرة كانت وفردية خلقها الحب أو الغضب أو الطمع أو أي شعور آخر سلبيا أو إيجابيا أو أنها دوائر يتزايد حجمها ولا تنتهي، تتولد مع كل طفل يولد ويكبر ويُقدِم على اختيار واحتمال جِديد ليتأكد لي كل يوم أن الأمر لا يقتصر على أن نستخدم الأحجية في الاقتصاد أو السياسة أو نراها في التاريخ، الأحجية هي اللعبة الباقية إلى أن تفنى، نهضّْْتُ بعد فاصل التفكير هذا وأحضرت برجلاً وورقة ورسمت فيها دائرة كبيرة ثم رسمت داخلها دوائر متشابكة ومعقدة تتماس مع مع الكبيرة ولا تخرج عنها.

علقتها في غرفتي ونظرت لها بعيني رجل يقف على طرف المجرة ينظر للأمر برمته يحاول أن يرى غروب اللعبة ونهايتها فيستشعر الدوائر المعقدة وهي تصبح أفدح وأكثر تعقيدا تستمر وتتسع لتتوحد جميعها مع الدائرة الكبيرة وتصبح واحدة ذات مركز واحد، هو البداية والنهاية، ثم نظرت بعيني أرضي بائس ذو رداء من الأنسجة يدرك فناءها فشغلني اتصال دوران الخط الذي يرسم كل دائرة وعلمت أنني مجرد نقطة في إحداهن أو مكان تقاطع بعضهن فأفزعني أنني قد أكون بلا هوية، لأن قرارتي وما سأختاره واحتمالتي وكافة جوانبي الشعورية والفكرية مكتسبة من دوائر وأفعال كل من وما حولي وأتفاعل معهم من أول يوم أدرجت فيه في اللعبة، كأني ابن التجارب والأفعال والأحداث وما يترسخ في ذهني، وحينها ابتسمت قبل أن أسأل صديقي االذي كان جالسا في مكان مرة أخرى "هو الإنسان مخير وله ارادة أم مسير ولا يملك إرادة ؟".

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة