محمد وعويشة
محمد وعويشة
424

"الفيسبوك".. قرين الفرد المغربي

17/7/2017

تسارعت الأحداث المتوالية منذ بزوغ "الربيع العربي" ببلدان العالم العربي، كما في المغرب حيث شهد هذا الأخير تغيرات سوسيوسياسية متعددة، مركبة، كطبيعة المجتمع المغربي، الذي اتفق حوله الباحثون، مغاربة كانوا أو أجانب، على التأكيد أنه مجتمع معاصر شديد التركيب والتعقيد؛ بسبب كونه عبارة عن مزيج بين بنيات حداثية رأسمالية وأخرى تقليدية مخزنية. هذه الثنائية التي تسري في الفرد المغربي كما الجماعة، يسير على خطواتها أيضا النظام العام بالمغرب بجميع مجالاته وتخصصاته، سرعان ما تحدث من حين لآخر رجات اجتماعية تنم عن وجود خلل أو ثغرة لخرق أو فساد في هذا السير العام وفي الدينامية التي يتبعها سواء حديثة أم تقليدية.

هذه الدينامية التي يعيشها المغرب الآن، غالبا ما ترافقها انتفاضات هنا وهناك، وصرخات، تعبر عن الرفض التام لبعض الظواهر التي يطرحها النسق الاجتماعي، في إطار التقاطع والتوازي التي تعبر عنها الوقائع الاجتماعية اليومية، ما يجعل المجتمع يسعى دائما للمطالبة بالتغيير في شكل مظاهرات وانتفاضات أو حركات احتجاجية.

أضحت وسائل التواصل الاجتماعي غير حبيسة على ما هو محلي بحيث تجاوزت الحدود الاقتصادية والسياسية والترابية. جعل الفرد متتبعا نهما لكل ما يحصل على المستوى المحلي وكذا العالمي. ساهمت هذه الوسائل بدرجات كبرى في رسم معالم المجتمع الحالي.

كما ساهم كل من ضعف أو غياب النخب السياسية والتشكيلات أو التجمعات النقابية والحزبية بالمغرب، كحركات اجتماعية تقليدية بيروقراطية وغير مسؤولة في بعض الأحيان، قد تتحدد في مفهوم الطبقة أو فئة اجتماعية معينة... كشكل من أشكال الرفض الاجتماعي تستهدف السلطة القائمة أو الثروة إما في كليته أو في بعض جوانبه، والتي غالبا ما لا تخلوا من قبضة إيديولوجيا معينة. ساهم ذلك في بروز العديد من الحركات البديلة، الجديدة بالمغرب المهتمة بالمرأة وبالبيئة وتنظيمات خاصة بالأقليات المهاجرة، غالبا ما تعبر عن نفسها، كما تشمل مبدأ الاعتراف الثقافي خصوصا بالأقليات التي لا صوت لها أمام هويتها ونمطها الخاص.


إن ما يجمع بين هذه الحركات لا التقليدية ولا الحديثة، كمبدأ مشترك هو النضال من أجل تحسين الأوضاع لكن ما يميز بينهما هو اليات العمل وأشكال التعبئة؛ فالتقليدية تتخذ من الحزب أو النقابة اليات العمل الخاصة بها، عكس الجديدة التي قد تتخذ وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة للتأطير (حزب الفايسبوك)، إضافة الى الغايات؛ بحيث أن التقليدية هدفها هو تغير الأوضاع القائمة الخاصة بالوطن، بالمرأة، بالشباب، بالتعليم.. عكس الجديدة التي تضيف الى غايات الحركات التقليدية تطوير وتغيير على مستوى القيم والمعايير.


ومع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، وكذا الطفرة النوعية في المعلوميات، التي ساهمت في الانفجار المعلومي بشكل يومي من خلال كيفية نقلها بين أفراد المجتمع، بحيث برزت للسطح وسائط تكنولوجية جديدة ووسائل تواصلية حديثة، عملت على إحداث تغيرات جدرية في تمثلات الأفراد وكيفية إدراكهم للواقع الاجتماعي الذي يعيشون فيه، ما جعل البعض يربط هذا التطور بمصائر المجتمعات أحيانا، يعبر عن ذلك الأستاذ والكاتب الكندي مارشال ماكلوهان أن أجهزة الاتصال الإلكترونية تُسيطر على حياة الشعوب، وتؤثر على أفكارها ومؤسساته، وبالتالي فهذه الأجهزة أو الوسائل تشكل العامل المركزي لتغيير الحقب التاريخية حسبه.

هذه الوسائل أصبحت لصيقة اليوم بحياة الفرد المغربي كما هو الشأن بجميع بلدان العالم نظرا لارتفاع نسبة الاستهلاك، انطلاقا من التطور الحاصل في عدد المشتركين خصوصا في وسائل التواصل الاجتماعي ( فيسبوك، تويتر، واتساب، سناب شات..)، بل أضحت غير حبيسة على ما هو محلي بحيث تجاوزت الحدود الاقتصادية والسياسية والترابية. جعل الفرد متتبعا نهما لكل ما يحصل على المستوى المحلي وكذا العالمي. ساهمت هذه الوسائل بدرجات كبرى في رسم معالم المجتمع الحالي كمجتمع شبكات أو معرفة وإعلام، يتجاوز الحدود وكل أنواع الخصوصيات. فقد أصبح الاجتماعي اليوم في ظل هذا المجتمع المتشابك يحمل سمات جديدة أمام الإمكانات المتوفرة والغزيرة في تشكيل جماعات افتراضية باستمرار وما ينتج عنه من إعادة تعريف وتحديد لكل ما هو اجتماعي.

ومع التحولات المجتمعية التي يعرفها المغرب في الآونة الأخيرة، جراء تناقضات داخلية عبر التوسع غير الطبيعي بين الطبقات والفئات والقطاعات ثم الجهات، ومع الاختراقات الاقتصادية من فساد وتهرب ضريبي يؤدي إلى غياب الشفافية نظرا لغياب المحاسبة، كل ذلك سرعان ما يلقي بالشرائح والفئات المضطهدة الى الارتماء في الشارع للتعبير عن الرفض التام لهذه الأوضاع، سبقته تنديدات مستمرة داخل مواقع التواصل الاجتماعية خصوصا "الفيسبوك" باعتباره الأكثر استعمالا بالمغرب. جعل المدونين يقومون بتأجيج ثقافة الاحتجاج والتأثير في الرأي العام بإعطاء وجهات نظر مخالفة وغير موازية للنظام القائم رغم ما لها من تبعات سيئة نظرا للمراقبة المستمرة التي باتت تلقى على هذه الوسائل بشكل مستمر وفي حق المدونين المعبرين عن رأيهم.

هذه الصحوة الجماهيرية الحاصلة في ثمثلات الأفراد عبر هذه الوسائل، والتي حركت كل ما هو ثابت وراكد رغم تنوع المرجعيات الإيديولوجية إلا أنها تتوحد على أرضية مطالب تحقيق التغيير والقطيعة مع الفساد.

لا يخلوا الآن بيت من هاتف ذكي أو حاسوب أو لوحة إليكترونية، أيضا من صبيب للإنترنت الذي لم يعد حكرا على فئة معينة، بل شمل المجتمع بأسره، مع يسر في الولوج لمواقع التواصل الاجتماعية، حتم ذلك بشكل طبيعي، من توسيع رقعة المدونين بل تعدى الأمر إلى النقل المباشر لكل ما يشغل بال المجتمع، رغم بعد المسافات وبذلك أصبحت مصدر لتناقل الاخبار بين الافراد والترويج والمشاركة، متسمة بطول النفس الجماهيري في الدفاع عن المطالب والتنظيم و تعبئة الموارد البشرية.

هذه الصحوة الجماهيرية الحاصلة في ثمثلات الأفراد عبر هذه الوسائل، والتي حركت كل ما هو ثابت وراكد رغم تنوع المرجعيات الإيديولوجية إلا أنها تتوحد على أرضية مطالب تحقيق التغيير والقطيعة مع الفساد بالرغم من تعدد منظوراتها الطبقية، والتفاوت الحاصل في التجارب. فالشبكات الاجتماعية رغم أنها "افتراضية"، ألا أنها واقعية وحاضرة بامتياز، كما أنها تقوم بدور طلائعي، أحيانا تعبر بشكل صارخ عن الرفض التام لأي قرار معين أو واقعة تجعل المسؤولين يقومون برد فعل سريعة ولو على سبيل إخماد الصراخ وفقط في غياب لحلول جذرية.

تجعل المظاهرات مستمرة داخل الفضاء الأزرق (الفيسبوك) في أفق انتقالها للشارع بشكل منظم يضم العناصر الأساسية للحركات الاحتجاجية، كما عبر عليها السوسيولوجيين الفرنسيين الآن تورين وبيير بورديو في سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، ليحق لنا اعتبار "الفيسبوك" نفسه حركة اجتماعية بامتياز وليس وسيلة للحركة وفقط.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة