حروب الجيل الرابع.. المواطن جندي في جيش عدوه

17/7/2017

تتنامى الحروب وتتطور عبر التاريخ في فنونها وأدواتها وطرق إدارتها من جيل إلى جيل شأنها شأن أي تطور طبيعي يطرأ على مناحي الحياة المختلفة، وهو ما نطالعه بوضوح في عالم التقنيات والبرمجيات.

وللتعرف على أجيال الحروب بصورة مختصرة يمكن إيرادها كالتالي: الجيل الأول هو الحروب التقليدية، والثاني هو حروب العصابات، والثالث هو الحروب الوقائية أو الاستباقية، أما الجيل الرابع من الحروب، فهو ما يسمى بـالحروب (اللامتماثلة)، التي تتميز باللامركزية، أي حرب دولة ضد لا دولة، حرب جيش نظامي ضد تنظيمات منتشرة حول العالم كتنظيم (القاعدة وداعش)، وهناك أجيال جديدة (الجيل الخامس) ويطلق عليها الحرب (الهجينة)، وهي خليط من مفهوم الحرب التقليدية والحرب الثورية وأسلوب حرب العصابات ووسائل الحرب الحديثة التي تتمتع بتكنولوجيا فائقة، وحروب (الجيل السادس) وهي حروب تدار بالتحكم والسيطرة عن بعد.

وحروب الجيل الرابع تسمية أطلقها البروفيسور (ماكس مايوراينغ) في 13/ 8/ 2012 وهو أستاذ وباحث في الاستراتيجيات العسكرية، عمل بالمخابرات العسكرية الأميركية، وتعد حروب هذا الجيل حروباً أمريكية النشأة والصناعة طورت من قبل قيادة الجيش الأمريكي.

لقد نجح الإعلام الموجه والغزو الفكري المهدّف في التلاعب بالقلوب والعقول، في حرب نفسية خطيرة عبر كل وسائل التكنولوجيا التقليدية والحديثة، في تحويل الفرد العربي إلى أداة من أدوات نجاح تلك الحرب ضد نفسه، وهو يظن أنه يدافع عن تراب وطنه

ويدار هذا الجيل من الحروب من خلال خطوات محددة تتمثل في:
1- الحرب بالإكراه، أي أن على العدو قبول الحرب رغما عن إرادته (الحرب على الإرهاب، سواء كانت التنظيمات محلية أو متعددة الجنسيات).


2- زعزعة الاستقرار، وزعزعة الاستقرار يمكن أن يأخذ صورا متعددة، (كاستخدام الضغوط السياسية والاقتصادية والحقوقية والعسكرية لتشكيل حالة من الإرباك وعدم الاستقرار).


3- استخدام قوات غير نظامية من الرجال والنساء والأطفال، في إشارة إلى الغزو الثقافي (تفتيت الدولة الواحدة واستخدام تكتيكات التمرد لإفشال الدولة من أجل فرض واقع جديد).


4- استخدام القدرات العقلية، أو ما يعرف بـالقوة الذكية (حرب الإعلام والإشاعات). وتستخدم في كل هذا وسائل الإعلام الجديدة والتقليدية ومنظمات المجتمع المدني والمعارضة والعمليات الاستخبارية والنفوذ وغيرها من الوسائل.

وأعطى (ماكس) مثالا على ذلك قائلا: "إن جدار برلين لم تسقطه الدبابات والمدفعية بل أسقطه المارك الألماني" ( يشير بذلك إلى الاقتصاد). وذكر أيضا أن هذه الخطوات عندما تكون جيدة والمدة كافية وتعمل ببطء كاف وباستخدام الطابور الخامس، فالنجاح يكون مؤكدا، وشبّه كل ذلك بالمثل القائل "يذهب العدو للنوم، ويستيقظ ميتا".


إن التفاصيل المذكورة سابقاً تؤكد مقولة فرانكلين روزفلت، الرئيس الأميركي الأسبق "لا شيء يحدث على سبيل الصدفة في عالم السياسة، وإذا حدث فاعلم أن ذلك مخطط له كي يظهر وكأن كل شيء قد حدث على سبيل الصدفة".

إن الجيل الرابع من الحروب التي تدور في بلداننا العربية والإسلامية هي صناعة محكمة بتخطيط فائق الذكاء، وبأدوات في منتهى الخطورة، بدءاً بصناعة وانتشار ظاهرة الإرهاب المرعبة في ما بين الواقع والعالم الافتراضي، وقوائمها وتشريعاتها الخطيرة، وأدواتها المحصورة في الدين والإعلام والتكنولوجيا، وانتهاء بقائمة الدويلات الفاشلة المفتتة الجاهزة لإلغاء سيادتها وتسليم إرادتها الكاملة إلى الخارج.

على الرغم من أن دول «الشرق الأوسط»، دول مخترقه تخضع بدرجة عالية واستثنائية إلى التدخل والسيطرة الخارجية، ولكن شعوب هذه الدول بفضل تميزها الثقافي (الإسلام) تقاوم تلك السيطرة بشدة

لقد نجح الإعلام الموجه والغزو الفكري المهدّف في التلاعب بالقلوب والعقول، في حرب نفسية خطيرة عبر كل وسائل التكنولوجيا التقليدية والحديثة، في تحويل الفرد العربي إلى أداة من أدوات نجاح تلك الحرب ضد نفسه، وهو يظن أنه يدافع عن تراب وطنه (هذا إذا أحسنّا الظن به)، وأنه جندي في الجيش الذي يحمي بلاده، دون أن يدرك أنه قد صار جندياً في جيش عدوه.

إن الغرب من خلال تطويره لأجيال الحروب يريد أن يخفِّض فاتورة حروبه ومواجهاته في العالمين العربي والإسلامي بوجه خاص، فهو لن يحتاج إلى المواجهة العسكرية المباشرة، لأن هناك من سيقوم بهذا الدور من أبناء العالم الإسلامي أنفسهم، ولن يحتاج إلى إنفاق المال في هذه الحروب والمواجهات لأن دولاً إسلامية (خاصة العربية) ستتكفل بكامل هذه النفقة وترسلها مقدماً إلى بنوكه كقيمة (لصفقات أسلحة) يقتل بها المسلمون بعضهم بعضاً، ولن يحتاج إلى استعمار العالم الإسلامي عسكرياً كما فعل في القديم، بل يكفيه أن يؤسس قواعده العسكرية على أرضنا، ويرسل أساطيله إلى مياهنا، وسنكون له من الشاكرين، ولقواعده وأساطيله من المنفقين .

ومع صرامة الطرح المذكور أعلاه إلا أن (كارل براون)، أحد كبار المختصين بالمنطقة العربية، يرى أنه على الرغم من أن دول «الشرق الأوسط»، دول مخترقه تخضع بدرجة عالية واستثنائية إلى التدخل والسيطرة الخارجية، ولكن شعوب هذه الدول بفضل تميزها الثقافي (الإسلام) تقاوم تلك السيطرة بشدة، وهذا، إلى حد كبير، يفسر لنا الحملة الإعلامية الشرسة والمركَّزة من قبل (الغرب) ضد الشعوب الإسلامية التي ترفض الهيمنة الغربية، وهذا المؤشر يعطينا أملاً وضوءاً في آخر النفق بأن الشعوب الإسلامية لن ترضخ وتستسلم بسهولة لهذه الحملة المنظمة ضدها، رغم ما (ينخرها ) من الداخل.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة