محمد الصديق
محمد الصديق
116

خطابنا الوعظي كيف نقيمه؟

17/7/2017
لا يخلو يوم لا تستمع فيه أغلبيتنا إلى درس ديني أو دعوي يبث عبر التلفاز، بالإضافة إلى حضور الرجال خطبة الجمعة في كل أسبوع مستمعين إلى خطبة الجمعة، ولذلك يعد الوعظ الديني من أبرز الشعائر الدينية والواجبات التي تمت بصلة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبفضل انتشار الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي أصبح هناك متابعون بالآلاف لشخصيات ودعاة مشهورين يتابعون منشوراتهم وتغريداتهم ويشاركون مقاطعهم الصوتية والمرئية ومنشوراتها، وهكذا أصبح الحديث عن نجوم الدعاة أو الوعاظ أمرا ممكنا بل وواقعيا، وأصبحت التغريدة التي تقال في المشرق يرى صداها في المغرب وهكذا.

كل هذا يجعل من الحديث عن محتوى هذا الخطاب الوعظي وعن أثره وتفاعلاته مع الوسط الذي نعيشه أمرا مهما بل وضروريا لأن الخطاب الوعظي يساهم بشكل كبير في تشكيل التفكير عند الناس، فطريقة معالجة الخطيب أو الواعظ تتسلل إلى العقول، كما أن الخطاب الوعظي يشكل تصور الناس عن الدين الدين، كما أنه يساعد في تحريك الناس وتوجيه اتجاهاتهم الدينية والتحكم فيها، ولكي يكون الخطاب الوعظي فعالا لا بد أن يكون متسقا بداية مع ضوابط يضعها الواعظ حتى لا يكون وعظه هباء أو كي لا يعود بعكس ما يريد. بداية أرى أنه لا بد من وضع بعض المقاييس لتقييم الخطابات الوعظية والدروس الدعوية، وأرى أنه يمكن الحديث عن مقياسين لهذا الأمر.

نسمع من هنا وهناك أحاديث عن إعجازعلمي، فهذه لا تستخدم كأداوت وعظ ما لم يُبت في صحتها حتى لا تفتح الباب أمام تكذيب القرآن، كذلك ما يروى من بعض القصص أثناء الدرس،  على الواعظ أن يحاول التأكد من مناسبتها للجمهور، فليس كل صحيح يروى.
المقياس الأول: قصة عمر مع أبي هريرةروى مسلم في صحيحه أن أبا هريرة لقي النبي – والحديث فيه قصة طويلة – فقال النبي: "يا أبا هريرة" وأعطاني نعليه، وقال: "اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة"، فكان أول من لقيت عمر بن الخطاب رضوان الله عليه، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ قلت: هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعثني بهما، فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته بالجنة. قال: فضرب عمر رضوان الله عليه بيده بين ثديي، خررت لاستي، فقال: ارجع، يا أبا هريرة، فرجعت إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأجهشت بالبكاء، وأدركني عمر على أثري، فقال رسول الله: "ما لك يا أبا هريرة؟ " قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضربني بين ثديي ضربة خررت لاستي، فقال: ارجع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا عمر، ما حملك على ما فعلت؟ " قال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، بعثت أبا هريرة بنعليك: من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه يبشره بالجنة؟ قال: "نعم" قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فخلهم"

المقياس الثاني: ما نقله البخاري عن علي: "حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب، الله ورسوله"، وعن ابن مسعود أنه قال: "ما أنت محدثا قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"، إن هذين المقياسان يعدان – حسبما أرى على الأقل - مقياسين جوهريا للانطلاق في عملية تقييم الوعظ والخطاب الدعوي، وقياس مدى فاعليته من جهة والتأكد من كونه لا يأتي بعكس المطلوب من جهة أخرى.

فحديث عمر يفهمنا بأن ليس كل حديثٍ – ولو كان من عند رسول الله – أو قصةٍ أو حادثةٍ لا تروى إن كان يخشى من التحديث بها أن يؤدي إلى ترك العمل والتواكل، أو كان يؤدي إلى الأمل المفضي إلى الاغترار لأن الوعظ يأتي من النصحية والتذكير بعاقبة الأمور أي يمكن القول بأن الوعظ يتخذ من الحث على العمل الصالح والترهيب من فعل السيئات هدفا، وعلى هذا فعلى الإمام أن يبتعد عن سرد الأحاديث التي تبين أن الله سيغفر ذنب العبد ما تقدم منه إذا عمل عملا معينا متى ظن- الإمام- أن الحديث سيفهم بشكل سلبي، والواجب عليه أن لا يخبر به دون أن يشرح معاني الآثام التي ستغفر وعرض الآيات والأحاديث التي تحذر من الذنوب، بكلام آخر أن يعرض الإمام الترغيب والترهيب معا، فخشية عمر كانت نابعة من كون هذا الحديث قد يفهم بشكل مغلوط فيعطي عكس نتيجته وهو ترك العمل الصالح اتكالا على مجرد قول لا إله إلا الله.

يجب على الواعظين أن يدركوا أن الجمهور لم يعد بالجمهور المتلقي السلبي، بل أصبح ناقدا، هذا الجمهور أصبح بفضل عصر الانترنت قريبا من بعضه ينقل بنفسه ويوثق بنفسه ويبحث ويحاسب، وإلا لم نقييم خطابنا جيدا خسرنا أداة إصلاح اجتماعية فعالة.
أما حديث علي فإنه يحذر من أن يكون الوعظ مؤديا لتكذيب الناس لكلام الله أو السخرية منه بسبب سوء التفسير أو سوء الاستخدام، فهو يشير إلى أن الوعظ يجب ان يكون متوافقا مع الحالة الاجتماعية/الذهنية/ للمخاطبين، كما أن على الواعظ أن يكون مدركا لماهية الشريحة التي يخاطبها، وعليه أيضا أن يدرك أن الناس يبحثون في صدق قوله، ولذلك لا بد من أن يكون حذرا فيما ينقله حتى لا يؤدي كلامه إلى تكذيب الناس لكلام الله، وحديث ابن مسعود يطالب بأن يكون المحتوى المعرفي للوعظ متناسبا للمستوى المعرفي عند الناس.

وعليه فما يقال من محتوى وعظي/دعوي لا يتناسب مع المستوى المعرفي لهم بأن كان أقل منهم أو كان فيه استهزاء بعقولهم فهو أيضا مما يُمنع لأنه يؤدي إلى هجر الناس للدين بل وبتكذيب البعض بما جاء به الدين، وما نسمع من هنا وهناك من أحاديث عن إعجازعلمي فإنها لا تستخدم كأداوت وعظ ما لم يُبت في صحتها حتى لا تفتح الباب أمام تكذيب القرآن، كذلك ما يروى من بعض القصص أثناء الدرس، فإنه إضافة إلى ضرورة صحتها تاريخيا على الواعظ أن يحاول التأكد من مناسبتها للجمهور عبر تخمين رد فعل الناس عليها فليس كل صحيح يروى – حيث قد أثر عن بعض العلماء من السلف امتناعهم عن بعض الأحاديث التي تثير الفتن كما أثر عن مالك امتناعه عن التحديث بأحاديث الصفات وغير ذلك- وعلى الواعظ أن يمتنع عن التحديث بالقصص التي تحوي دعوة مبطنة لجماعة أو طريقة، لأن منطق الوعظ والخطاب الدعوي يرفضها فالغاية من الوعظ ليس كسب الشعبية أو الجماهيرية أو التمرير لجماعة، بل هو التشجيع على العمل الصالح يكون بإظهار حاجة الإنسان لعبودية الله.

لم يعد الوعظ مجرد كلام يلقى على عواهنه هكذا، بل لا بد أن يتحول إلى علم مضبوط وأن تدرس أساليبه وطرق مخاطبة الجمهور، ويُدرس لأجل ذلك العلوم التي تساعد على تطويره كعلم الاجتماع والنفس وغيرها، كما أنه يجب على الواعظين أن يدركوا أن الجمهور لم يعد بالجمهور المتلقي السلبي، بل أصبح ناقدا، هذا الجمهور أصبح بفضل عصر الانترنت قريبا من بعضه ينقل بنفسه ويوثق بنفسه ويبحث ويحاسب، وإلا لم نقييم خطابنا جيدا خسرنا أداة إصلاح اجتماعية فعالة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة