رزان الزيود
رزان الزيود
4.8 k

إعلان محبة

19/7/2017

كم ظلمتم هذا الحجاب! ولم تنظروا إليه، ولم تكتبوا بلسان مبين قولَكم عنه إلا بهتاناً وزوراً.
قبل شهر من الآن أكرمني الله بارتداء الحجاب إيماناً ويقيناً، فمن فترة ليست بقصيرة فكرت بارتدائه، وربما تعرفون ذلك؛ لأنني كنت قد كتبت مقالة "إلى فتاة محجبة"، كنت قد تحدثت فيها عن رغبتي في ارتداءه، ولم أجرؤ على أخذ هذه الخطوة إلا قبل شهر من الآن، لا أنكر أنه لم يكن من السهل إقناع مَن حولي به، لم يكن من السهل أن أغيّر شكلي الخارجي بعد أن اعتدتُ على ما كنتُ عليه، لم يكن من السهل أن أتجاوز عن تفاهات بعض الأشخاص وهم يهزؤون بشكلي الجديد، وربما لقبوني بأسماء لا أحب سماعها.

لم يكن من السهل الإجابة عن سؤال الناس: "لماذا ارتديتِه؟"، وفي عقلي الباطني إرادةٌ تبحث عن إجابة تساعدهم للوصول إلى ما وصلت إليه. لم يكن من السهل بعد أن ارتديتُه ألا ينزلق قليلاً ويظهر شيءٌ من شعري، أو أن أُثبّته بالدبابيس التي لم أستخدمها يوماً ولا أعرف كيف أفعل، لم يكن من السهل إيجاد ملابس مختلفة تماماً عن طبيعة لباسي؛ رغم أنني كنت قريبة منه.


الفرائض يا عزيزتي لا تبعدكِ عن الله، بل حديث البشر الذي لا ينضب يفعل، دعيني أقول لك كم من الأشخاص كرهوا حجابي منذ ارتديتُه، وكم من الأشخاص كانوا يكفرونني قبل ارتدائه! لم أسمح لكِلا الطرفيين أن يكونوا سبباً لكرهي أو لمحبتي للحجاب. أفهمكِ جيداً، فنحن في زمن تتعاظم فوق رؤوسنا ملايين المصائب، فلماذا نتناقش عن الحجاب؟ ولماذا نلتفت حول جزيئات الدين ونترك أركانه؟! وها نحن نتحاور ونختلف في طريقة وضع الحجاب، وعما إن كان فرضاً أم سنة مؤكدة، وعما إن كان هذا الطول مناسباً له أم لا، وعما إن كان الحجاب الملون يتناسب مع ديننا أم لا، وفي مجتمعاتنا عائلات شرّدتها اختلافاتُنا العنصرية، واشتباكاتنا الفكرية، وتفككاتنا السياسية، عائلات لا تملك ثمن رغيف خبز؛ لأن الفساد نخَر العظام فازداد الفقير فقراً.


نحن يا عزيزتي أمة صماء وبكماء وعرجاء، نطالب الفتاة بالدفاع عن دينها ونترك للشاب وظيفة الدفاع عن الحجاب وفِعل ما يريد، مجتمع منافق أتفق معك في هذا. ولكن لو تعلمي ما على الرجال فِعله مقابل أن تضع الأنثى حجابها لكنتِ عرفتِ كم أن الحجاب هيّناً وكم أن الله رحيماً. الدين فُرض احكاما على الذكر والأنثى وسيحاسب كلاهما بعدل مطلق.


أتعرفين يا صديقتي أن كل رجال الأمة سيحاسبون على ما يجري في الأقصى والظلم الذي يقع على المسلمين في بقاع الأرض كافة، ولكل ما يحدث للنساء والأطفال والشيوخ؟! وها هم يتناقشون ويتباحثون ويبحثون في كيفية وضع الأنثى لحجابها؟! لا تكرهي الحجاب بسببهم يا صديقتي فالدين شيء والبشر شيء آخر؛ نحن نحاسب كلٌّ بأفعاله، لن يحاسبوا عنك، ولن تحاسبي عنهم، فدعيهم يقولوا ما يقولون ودعي الخَلق للخالق الرؤوف الرحيم.

الحجاب إعلان محبة، وأنا بحجابي أعلن محبتي للحياة، وأرسم ابتسامة رضاً، أعلن محبتي للسلام، لسلام الأرض في كل مكان، والأجمل والأسمى أعلن محبتي لله خالقي وخالق كل شيء وراحتي وطمأنينتي..

دعيني أزيدُكِ أمراً، حين وضعتُ الحجاب وأعلنتُ ارتداءه جاءتني مئات الرسائل لتخبرني هذا ليس حجاباً! واللهِ يا عزيزتي إن البشر هم مَن يُكَرِّهوننا بالفرائض، وليست الفرائض نفسُها تفعل هذا. صدّقيني كنتُ قد فكرتُ مثلَك من قبل، كنت أعتقد أنني لا أرتدي الحجاب، لكني أتصرف كمحجبة، وأرتدي مثلها وهذا يكفي. لا يكفي، الحجاب يا عزيزتي لن يعيق حركتك بل سيعطيك الثقة التي ترغبين، سيجعلك أكثر قوة، سيجعلك تقفين أمام مَن تقفين من غير خوف من نظراتهم إليك، وإن كنتِ لا تؤمنين بفرض الحجاب لا مشكلة، ولكن الفرض فرض، شاء من شاء وأبي من أبى.


لم أكن سأكتب عن حجابي، لكنني قطعت وعداً على نفسي أن أدافع عما يمَسّ هويتي، نعم هو هويتي وإعلان محبتي، أحببته وعرفت لما فرضه الله عليّ بعد ارتدائه، علمني الحجاب أن أصبر؛ فأنا أجلس أمام مرآتي ساعات وساعات محاولة تثبيته، علّمني الحجاب كيف أتواضع، علمني الحجاب ألّا أتكلّفَ في مظهري وشكلي، علمني الحجاب كيف أشعرُ بسلام وأنا في أكثر الأماكن فوضى، علمني كيف أصمِت وأسامح كل من يريد أذيَّتي، منحني الحجاب جمالاً ونوراً، فأصبحت أجد نفسي أجملَ كلّما وقفتُ أمام المرآة مرتديه إياه.


الحجاب يا عزيزتي إعلان محبة، وأنا بحجابي أعلن محبتي للحياة، وأرسم ابتسامة رضاً، أعلن محبتي للسلام، لسلام الأرض في كل مكان، والأجمل والأسمى أعلن محبتي لله خالقي وخالق كل شيء وراحتي وطمأنينتي..


اللهم اجعل لنا نوراً يضيء دروبنا ودروب من حولنا، وبارك لنا واهدنا سبل السلام.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة