مولاي علي الأمغاري
مولاي علي الأمغاري
379

البراغماتية المعتدلة في سياسة أردوغان

26/7/2017

ليست المرة الأولى التي ينتقد فيها الرئيس التركي الطيب أردوغان السياسة الألمانية تجاه تركيا، وليست المرة الأولى التي ينتقد فيها سياسة دولة وهو مقبل على زيارتها. فعلها أردوغان قبيل زيارته لإيران في نسيان 2015، وصرح للصحافة التركية بتصريحات نارية تجاه إيران قبل أسبوع من زيارة رسمية لها، حيث انتقد سياسة إيران الخطيرة بالمنطقة وخصوصا بسوريا والعراق واليمن، وسيطرتها على أربع عواصم عربية، وتهديدها للأمن القومي الخليجي.


ولما ذهب لإيران احترم التقاليد الدبلوماسية وحرص على الاستفادة من الزيارة، وزيادة حجم التبادل التجاري بين البلدين، ولم يكرر انتقاده للجمهورية الإسلامية في المؤتمر الصحفي الخاص بالزيارة. والسلوك النقدي هذا نفسه فعله أردوغان مع الولايات المتحدة في زيارته للولايات المتحدة ولقائه الأول مع ترمب مايو الماضي، قبل الزيارة الرسمية بأيام اعترضت تركيا بشدة عبر تصريحات شديد للرئيس التركي على قرار ترمب إمداد وحدات حماية الشعب الكردية الإرهابية بالأسلحة والمعدات الثقيلة وتعزيز التعاون العسكري بينهما، والذي تستفيد منه منظمة "بي كاكا" الإرهابية.


وكرر الطيب أردوغان هذه الشجاعة مع ألمانيا، قبيل حضوره لقمة العشرين بهامبورغ، منتقدا منعه من إلقاء خطاب أمام أنصاره بألمانيا قائلا: (ألمانيا اقدمت على الانتحار من خلال عدم السماح لي بإلقاء خطاب على الأتراك المقيمين هناك). وأضاف:( إن تركيا ستظل ترى ألمانيا كدولة داعمة للإرهاب، طالما لم تسلّم برلين أنصار فتح الله غولن إلى أنقرة).

الرئيس التركي لا يمل من تذكير الألمان بأخطائهم مع تركيا، وخصوصا تخاذلها في التنديد بانقلاب 15 تموز وإيواءها للانقلابين ودعم المنظمات الإرهابية الكردية التي تتخذ من ألمانيا منصة لها لتبرير العلميات الإرهابية التي تقوم "بي كاكا" بتركيا

رويترز


وقبلها في أثناء حملة الترويج لتعديلات الدستورية التركية وصف الرئيس التركي ممارسات السلطات الألمانية تجاه الفعاليات التي تروج لحملة "نعم" بأنها ممارسات النازية قائلا: (منعوا أصدقاءنا (وزيري الاقتصاد والعدل التركيين) من التحدث في الفعاليات المؤيدة لحملة "نعم".. يا ألمانيا لا علاقة لك بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد، وتصرفاتكم هذه لا تختلف عن ممارسات النازية". هذه العبارة لم ينسها وزير الخارجية الألماني عندما تحدث عن العلاقات التركية -الألمانية في مؤتمر صحفي ببلاده قائلا: (إن بعض الأشياء التي قيلت في فترة الحملات الانتخابية كان يجب أن لا تُقال، لكن تعبير تركيا بوصفها لألمانيا بالنازية فتح جروحاً عميقة لدينا).


لا يخفى أن الخلاف التركي- الألماني اشتد وظهر على سطح، حينما أصبحت تركيا تتحول من دور الدولة الوظيفية التي تتلقى التعليمات وتوجه لتنفيذ الأجندات الغربية بتركيا والمنطقة، إلى دولة فاعلة مستقلة ترنو إلى القيام بدورها الحقيقي كدولة تملك كل مقومات الدولة القائدة الفاعلة في محيطها الإقليمي والساحة الدولية. فالقادة الأتراك يريدون من ألمانيا أن تحترم اختيارات الشعب التركي وألا تتدخل في الشؤون الداخلية للأتراك، أي لا تعامل تركيا معاملة الدول الصغيرة والوظيفية، وإنما أن تراعي التغير الذي عرفته تركيا طيلة 15عاما الماضية.


في كلمته بمناسبة إحياء الذكرى الأولى لشهداء "15 تموز" قال رئيس الوزراء بن علي يلدرم:( إن تركيا أنهت حكم الوصاية، والشعب التركي أصبح هو الحاكم، وأن تنظيم الكيان الموازي الإرهابي سوف ينتهي لا محالة.. تركيا طوت صفحة المسرحيات القضائية والسخرية من المواطنين، وأحبطت حلم الانقلابيين بالسيطرة على تركيا).


تركيا ترفض أن تعامل بمنطق الوصاية والتدخل السافر في الشؤون التركية الداخلية، لذا فالرئيس التركي لا يمل من تذكير الألمان بأخطائهم مع تركيا، وخصوصا تخاذلها في التنديد بانقلاب 15 تموز وإيواءها للانقلابين ودعم المنظمات الإرهابية الكردية التي تتخذ من ألمانيا منصة لها لتبرير العلميات الإرهابية التي تقوم "بي كاكا" بتركيا، كما توفر كل الإمكانيات من أجل إنجاح أنشطة منظمة غولن المتهمة بالتخطيط للانقلاب الفاشل.

لقد فرض الرئيس التركي نفسه على الساسة الألمان وإعلامهم- الذي يعاني من ""أردوغانوفوبيا""- رغم كل الهجمات الشرسة والغير منصفة والتي تجاوزت دائرة حرية التعبير والرأي إلى مستنقع التجريح والكذب

وضغط أردوغان على الساسة الألمان طيلة الشهور التي بعد الانقلاب كانت نتيجتها اعتراف أكثر من مسؤول ألماني بخطأ ألمانيا بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة قال غابرييل وزير الخارجية الألماني: (نحن نرفض الانقلاب الذي شهدته تركيا ونؤكد تضامنا مع الحكومة التركية والشعب التركي، وأقول هذا بكل وضوح، لكن (عقب الانقلاب) لم نتمكن من الذهاب إلى هناك فوراً، في رأيي أعتقد أننا قمنا بخطأ، فنحن نرفض كل الانقلابات ونقف إلى جانب الحكومة التركية المُنتخبة بشكل ديمقراطي).


أردوغان يعلم حاجة المستشارة ميركل للخدمات التركية سواء في منع هجرة السوريين إلى أوروبا أو في كسب رضا الناخبين الأتراك في ألمانيا للتصويت لصالحها في الانتخابات المقبلة، بالإضافة إلى قاعدة انجيرليك وغيرها من الملفات التي ستكون ألمانيا هي الرابح الأكبر منها إذا رضي الأتراك بالعمل عليها.


كما أن الألمان يعرفون أن تركيا حليف استراتيجي يمكن الاعتماد عليه، في ظل تخاذل الإدارة الأمريكية في دعم الألمان، والنقد الجراح الذي لا يتوانى الرئيس ترمب توجيه للمستشارة الألمانية وحكومتها في عدة ملفات إقليمية ودولية، كملف روسيا وأكرانيا وملف الناتو وغيرها من الملفات التي يرى ترمب أن ألمانيا لم تقم بدورها الكامل حيلها.


لقد فرض الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" نفسه على الساسة الألمان وإعلامهم- الذي يعاني من ""أردوغانوفوبيا""- رغم كل الهجمات الشرسة والغير المنصفة والتي تجاوزت دائرة حرية التعبير والرأي إلى مستنقع التجريح والكذب. لقد استطاع "الطيب أردوغان" الحافظ على منهجه المتوازن بين جرأة النقد وتصحيح المفهومات وبيان الحقيقة، والبراغماتية المعتدلة التي تراعي القيم والمبادئ كما تسعى لتحقيق المصالح والمنافع وتدفع المفاسد والأضرار عن بلاده. 


قال رجب طيب أردوغان: "ليس لدي أي مشاكل مع المستشارة الألمانية ميركل، ألمانيا في حاجتنا ونحن في حاجتها". فجرأة أردوغان السياسة لا تمنعه أن يكون براغماتيا لا يشبع من تحقيق مصالح تركيا والأتراك في كل قضية أو ملف يشرف عليه. فهل هذا ما يسرع من انتشار ظاهرة "الأردوغانوفوبيا" شرقا وغربا، بين العرب والعجم؟ 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة