محمَّد فاروق طوالبية
محمَّد فاروق طوالبية
1 k

ولا غالب إلا الله.. من وحي غرناطة!

3/7/2017
قرأت ذات مرة أن باحثا إسبانيا قضى عمرا في ترجمة معاني النقوش التي رصعت بها جدران قصور الحمراء، وكان أكثر ما لفت انتباهه وأثر فيه، هو شعار النصريين (ملوك بني الأحمر) "ولا غالب إلا الله"، هذا الشعار المكرر كثيرا بجداريات ومداخل وأفنية القصور، حتى إن حرفيي غرناطة نقلوه إلى قصر الملك بيدرو ملك قشتالة حينما استعان بهم في تشييد قصره بإشبيلية وزخرفته على منوال الحمراء، بطلب منه وبأمر من محمد الخامس ملك غرناطة.

قرأتها معلومة عابرة ولم أستشعرها كما تناقلها الأولون، حتى وقفت بنفسي أمامها بقصور الحمراء في غرناطة وقبلها بقصر المعتمد بن عباد بإشبيلية، وفي محلات الهدايا بقرطبة وغيرها من مدننا الأندلسية، خلال زيارتي للأندلس الإسبانية اليوم.

ثم سألت نفسي: لماذا هذا الشعار بالذات؟! أبعد كل هذه القرون من رحيل الأندلسيين المسلمين (المورسكيين أو المدجنين)، وبعد رحيل ملوك قشتالة وأراغون الكاثوليكيين، وتعاقب الأجيال والعائلات والأسر الحاكمة أشكالا وأنواعا ، وبعد تغيير أشياء كثيرة بالأندلس، منها الدين واللغة وعادات المجتمع، ظل هذا الشعار يملأ الشوارع والأسواق، شامخا بقصورنا التي يزورها اليوم ملايين السواح من شتى بقاع العالم، ليجثوا مصوروهم وتنحني رقابهم وتخشع أبصارهم أمامه، لأجل التقاط صورة تحمل "ولا غالب إلا الله".

ظل شعار: "ولا غالب إلا الله" يستقطب الزوار والسائحين من كل بقاع العالم، دون أن يسأل أحد عن مكانه، يكفيه أن يدخل إسبانية الأندلسية ويرفع رأسه إلى أي معلم أو جدار خلّفه المسلمون، أو أن يجوب محلات الهدايا التذكارية، فلا تقع عينه على غيره.
رقدت إيزابيل ملكة قشتالة إلى جانبها زوجها فرناندو ملك أراغون مؤسسا محاكم التفتيش التي نكلت بالمسلمين وباليهود، وبالفقهاء والعلماء المتمسكين بدينهم، الذين لم يرغبوا بأنفسهم عن دينهم، فقتلا جزءا بعد طول عذاب، وأحرقا جزءا، ورحّلا جزءا إلى شمال أفريقيا، وألقيا بجزء كبير في البحر حيا، ومنعا الآذان وأغلقا جميع المساجد وحولاها إلى كنائس وكاتدرائيات، وأحرقا جميع الكتب الإسلامية ومعارفها التي تحمل اسم "الله" ونبيه "محمد" صلى الله عليه وسلم، بعدما نهبا بقية كتب العلوم الكونية والمعارف الإنسانية التي بحث فيها المسلمون طويلا بعد ترجمة بعض منها من اليونانية ثم طوّروها، وحولا بعضها إلى أقبية الكنيسة المظلمة، وأصدرا قرارا بمنع اللغة العربية، والمأكولات الأندلسية، وجميع الطبائع والشعائر الإسلامية. ثمّ ماذا؟!

رقدا معا بمسجد غرناطة الكبير، بعد أن منعا فيه الآذان وحولاه إلا كنيسة أطلقا عليه اسم الكنيسة الملكية لغرناطة، وبها صار قبرهما في طي النسيان، ولا أحد يعرف عنه شيئا خلال زيارته لمدينة غرناطة، إلا لمن كان لديه شغف البحث أو كان متخصصا في تاريخ الأندلس. 

لا أتصور أن يغيب معنى شعار "ولا غالب إلا الله"، عمن استخلفهم الله في أرض فعمروها بالعلم والحضارة ورفعوا فيها هذا الشعار المستمد من القرآن الكريم من سورة يوسف "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" رفعوه عاليا، وجعلوه شعارا للأندلس المسلمة ليعلم الناس، أنّ البقاء والقوة والغلبة لله جميعا.

ذهبت دولة بني الأحمر بسقوط غرناطة، وذهبت جميع مملكات الطوائف بملوكها، وذهب السجانون، والمحققون، والجلادون، وذهب أعتى ملوك الإسبان الكاثوليك وظل شعار: "ولا غالب إلا الله" يستقطب الزوار والسائحين من كل بقاع العالم، دون أن يسأل أحد عن مكانه، يكفيه أن يدخل إسبانية الأندلسية ويرفع رأسه إلى أي معلم أو جدار خلّفه المسلمون، أو أن يجوب محلات الهدايا التذكارية، فلا تقع عينه على غيره.

الحياة غالب ومغلوب، ودورة الحضارة كما يقول عنها ابن خلدون: المغلوب فيها مولع بالغالب، نغلِبُ ونُغلب وأخيرا "لا غالب إلا الله".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة