هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




لماذا تعد السجون أخطر الاختراعات البشرية؟

7/12/2018

يعتبر السجن من أخطر الاكتشافات البشرية على مر التاريخ وهي تجسيد مادي لوحشية الإنسان وما فيه من تصرفات مخزية. وكانت أهداف السجون إعادة تهيئة المجرمين وإدماجهم مع المجتمع من جهة، والتعذيب والرقابة بكونها من تطبيقات القانون الجزائي، لهذا تستخدم الدول السجون كمصنع يقوم بإعادة إنتاج سلوكيات المسجونين واستخدامهم في أمور خاصة. 

يمكن أن يعزي صعود الدولة كشكل من أشكال التنظيم الاجتماعي، بفكرة السجن لأن ظهور فكرة الدولة كتنظيم اجتماعي يرافقه فكرة التأديب والمراقبة، وذلك لأجل مراقبة المجتمع وإدارته من جهة أخرى. لذلك وضعت الدولة القانون والإجراءات العقابية لفرض هيبتها وإعلاء شأنها، كأقوى جماعة اجتماعية موجودة داخل المجتمع.

ولهذا من الطبيعي أن يكون السجن مصدر محاربة السلوك المنحرف من القتل والسرقة، وكل ما يهدد الأمن العام، لكن كما يقوله شارل لوكاس "السجن في نهاية الأمر لا يعمل سوى على إنتاج الانحراف بطريقة مستمرة وغير مباشرة" وهذا واضح جدا عندما يجتمع في السجن أشخاص لهم سابق عدلية ومحترفين مع أشخاص عندهم ملاحقات قانونية بسيطة وأسوياء، المتوقع في مثل هذا الاجتماع أن يسوده العنف والتدمير وينتهي إلى اكتساب مهارات إجرامية أخرى.

إن الهمجية لازالت موجودة في الطبيعة البشرية، حتى لو تطورت البشرية فليس هناك فرق بين الإنسان البدائي أو القرون الوسطي

اعتبر مشيل فوكو السجن بأنه "عبارة عن مؤسسة هشة وقابلة للنقد، والسجن في الحقيقة لا يصلح أحداً، إنه يسترجع بلا انقطاع نفس الأشخاص" ويصف ميشيل فوكو مشروع إصلاحات السجون المتعلق فقط بإصلاح هندسة السجون بأنه تحول السجن فقط إلى فنادق خمسة نجوم إذ أنها توفر للمساجين وجبات كاملة لا يتمكن لهم حصولها في الخارج، فهذه الطروف حتما ستجعله يحن للعيش في السجن، هروبا عن الواقع المزرى. 


وينتهي دراسة ميشيل فوكو للسجن بأنها مؤسسة فشلت على استئصال الجريمة والسلوك المنحرف، وهذا في الأساس من الأهداف التي وجدت من أجلها السجون، وكذلك أصبحت هذه المؤسسة لا ترمى إلى إصلاح الأفراد واستقامتهم، بل تكافئ المنحرف بتوليه مراكز حساسة، أو توظيفهم في داخل مؤسسات الدولة.

وتتوضح دراسة فوكو في السجون أن الهمجية لازالت موجودة في الطبيعة البشرية، حتى لو تطورت البشرية فليس هناك فرق بين الإنسان البدائي أو القرون الوسطي، وبين الإنسان المعاصر، إلا أن الأخير يخفي ممارسة التعذيب من المجتمع بصورة عامة، حيث كان في القرون الوسطى يتم تطبيق العقاب أمام الجميع.

أبو غريب هو بالفعل أسوء السجون في التاريخ البشري هو وغوانتانامو، حيث يعذب الضحايا بصورة وحشية خالية من أي إحساس بالرحمة، وهو أسلوب مخيف غير إنساني

مواقع التواصل


إن طبيعة السجن مخيفة بالفعل، ولاسيما عندما يكون السجين بريئا إلا أنه عبر عن رأيه في موضوع سياسي أو غير ذلك وهي بالحقيقة مكان وجد لتخريب الإنسان وتدميره، وليس الإنسان المسجون فحسب، بل الإنسان الجلاد الذي هو بحد ذاته ضحية من ضحايا السجن، إذ أنه يفقد ذاته ويتحول إلى شيء أخر إلى وحش مفترس، يتلذذ بصراخ المعذبين ويتفنن في تعذيبهم. 

أدب السجون صورت هذه العملية بصورة أدبية رائعة، وعلى سبيل المثال تجد في رواية القوقعة، نوعين من البشر ضحايا وجلادين، والمكان هو سجن تدمر، حيث يشرح مصطفى خليفة بالفعل أحداث هذا السجن وما يدوره في داخله بصورة مرعبة، ومخيفة، بل يعرض الأحداث ومعها اللهجة السورية التي يستخدمها الجلادون لتعذيب ضحيتهم، وهي لهجة مليئة بالشتيمة والإهانة بل إهانة لذاتية الله وتجاوز على كل القيم والمفاهيم الإنسانية.

نحن في داخل الأنظمة الشمولية التي أبدعت في تدمير الإنسان من خلال التعذيب والسجون، نحتاج إلى دراسات اجتماعية نفسية تعالج الأثار النفسية التي يتركها السجن على المسجونين

"أي دكتاتور لا يكون حريصا على أن يحبه شعبه، لكنه حريص على ان يخاف منه الشعب" من خلاصات الرواية بعد أن وضعتنا أمام صورة مخيفة ومرعبة عن ما حدث في سجن تدمر، والتي كان الراوي جزء منها. 

إنها مزرعة الوحوش أعنى السجن، ليس تدمر فحسب بل أيضا كل السجون صنعت لتشريح الإنسان ونزع الكرامة منه. أبو غريب وهو بالفعل أسوء السجون في التاريخ البشري هو وغوانتانامو، حيث يعذب الضحايا بصورة وحشية خالية من أي إحساس بالرحمة، وهو أسلوب مخيف غير إنساني. ومن الغريب أن السجن لا يخرج منه ضحايا فقط، بل يفقد الجلاد هو أيضا ذاته. في رواية العسكري الأسود ليوسف إدريس تجد أن السجن لا يشوه الضحايا فحسب، بل يشوه الجلادين أيضا، حيث يتحول الجلاد الذي يدعى عباس الزنفلى إلى ضحية والضحية طالب في كلية الطب المناضل ويدعى الشوقي، يتحول إلى جلاد. والشيء المهم في هذا السياق هو تحويل الإنسان، وتغير سلوكه كيف يمكن أن يصبح من إنسان بسيط، إلى إنسان عدواني وشرير، يمارس القتل بدم بارد!

هناك في الحقيقة حلقة مفقودة في عالمنا الإسلامي والعربي هي فقدان دراسات سيكولوجيا السجون مثل ما قام به الطبيب النفساني فيكتور فرانك، بعنوان الإنسان يبحث عن معنى، نشر في أواخر الخمسينات قرن العشرين، ووضع فيه قصة حبسه في السجن وتعذيبه في معسكر الاعتقال النازية، وكان بالفعل أستاذا لعلم الأعصاب، ويسجل الكتاب من أروع الخبرات البشرية، فقد وجد صاحب الكتاب نفسه من أستاذ جامعي إلى شخص عاري جائع حافيا مجرد من كل شيء، ولم يكن يعرف شيئا عن أهله واكتشف أخيرا أنهم قتلوا جميعا، فإن الكتاب يسطر مأساة السجن والأثار النفسية التي يتركها على المسجونين. ونحن بالفعل في داخل الأنظمة الشمولية التي أبدعت في تدمير الإنسان من خلال التعذيب والسجون، نحتاج إلى دراسات اجتماعية نفسية تعالج هذه الظاهرة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة