أحمد دوزي
أحمد دوزي
268

حكومات أم كارتل؟

7/7/2017

خرج ابن وزير الداخلية المغربي السابق إدريس البصري، الوزير الأكثر وحشية في تاريخ الدولة البوليسية، فوجئ عند خروجه باختفاء سيارته من مكانها المخصص لوقوفها المعتاد، وصل النبأ إلى جهاز شرطة أبيه المتين، فباشروا البحث عن سيارة الوزير الأمين، اكتشف بعد مدة من الزمن أنه ترك سيارته لدى عامل الصيانة المسكين، لم يخبر الشرطة بما استجد فبقي الأمر لديهم قيد البحث والتبيين، في الصباح انطلق الوزير إلى مكتبه الدفين، وجد أن جهاز أمنه المكين، ألقى القبض على سبعين مشتبه بهم، كلهم اعترفوا بعد التحقيق والأنين، كلهم انطلقوا مغردين كطائر حزين، ضحك الوزير ضحك السنين، ثم عفا عنهم فانتشروا فرحين هاتفين، لعدل الوزير الفطين.

القصة من نسج خيال الشعب المسكين، وهي تعبر عن تلك الصناعات التي يبرع فيها حكام العرب، توزيع التهم، ولعلها صنعة قديمة استأثر بها الطغاة، وعلى رأسهم ملهمهم وربهم الأعلى فرعون، عندما اتهم موسى قائلا إنه لكبيركم الذي علمكم السحر، والحقيقة أن فرعون وهامان هما كبراء طغاة العرب الذين علموهم الطغيان، وأورثوهم إياه، ولعل ذلك سبب عرض فرعون وآله غدوا وعشيا على النار حتى قبل قيام الساعة، وهو للتنبيه عرض فقط، الدخول الفعلي يوم القيامة بعد الحساب.

ما يثير الدهشة بين أوساط الشعب المقهور هو أولئك المُطبِّلين لسيادة الحاكم، تراه يقول إن الحاكم وطني ولكن بطانته فاسدة، فلنفرض عبثا أن ما تقوله صحيح، كيف يكون الحاكم ناجحا والدولة متخلفة فاسدة؟

ومع ذلك انتهج فرعون الحوار في أول الأمر وأقام مناظرة على عكس العرب الذين لا ينتهجون إلا المقاربة الأمنية، وترك لموسى حق الدفاع عن رأيه، واستعان بالسحرة مباشرة بعد أن اتهم موسى بالسحر، تماما كما اتهم الجيش الإخوان بالتخابر مع جهات خارجية من بينها حماس! ونسوا حظ الجيش من التخابر مع الصهاينة وكياناتهم المختلفة، واتهم موسى بالانفصال "يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره" كما اتهمت الحكومة المغربية الريف بالانفصال وهي لا تزال تستعين بالانتهازيين لإدارة البلاد، فالسارق الناهب لثروات البلاد انفصالي، وما أكثر الانفصاليين في المغرب الذين غرفوا من أموال الشعب واقتنوا تذكرة ذهاب فقط، لا حسيب ولا رقيب.


فرعون قبل يوم الزينة استشار قومه، ولم يكن في استشارتهم تواضعا أو مشاركة لهم في الحكم، بل مجرد اشراك في الجرم وتزكيتهم قرار التضييق على موسى، ما يسمى اليوم عند الجيش بالتفويض، فهدده بالسجن وضيق على من اتبعوه وعاملهم أسوء معاملة تماما كما يفعل العرب اليوم مع طلاب الحق، وليس غريب أن يتفوق التلميذ على المعلم، ولو بعث الله فرعون لوقف مصفقا لدكتاتوريات العرب من الشرق إلى الغرب.


إن الذين بنوا أممهم وأخرجوا دولهم من ضيق الظلم إلى سعة العدل، ومن ذيل قائمة الدول إلى أعلى الترتيب اقتصاديا واجتماعيا وعلميا.. هم بالأخص رجال تغلغل حب الوطن في قلوبهم، وأنهوا منذ أزل ذلك النقاش الدائر في دواخلهم حول الوطنية والمصلحة الشخصية، انتصروا منذ أزل على شهوة السلطة، فوضعوا قوانين لبلدانهم من أجل حماية الدولة، قوانين قيدوا بها السلطات الحاكمة بتقسيم الصلاحيات، لأنهم وببساطة علموا أن الذي يأتي من بعدهم ربما لن يخلوا قلبه من السطو والاستبداد، وضعوا في حسبانهم أن يكون ترمب مثلا رئيسا، ولولا قوانين الآباء المؤسسين للولايات المتحدة لفعل ترمب أكثر مما فعل.


عن الوطنيين يحلو الحديث "أمثال لي كوان يو" مؤسس جمهورية سنغافورة، وأردوغان، الأول نقل بلاده من العالم الثالث إلى العالم الأول في أقل من جيل، والثاني نقل تركيا من المركز الاقتصادي 111 إلى 16 بمعدل عشر درجات سنوياً، مما يعني دخوله إلى نادي مجموعة العشرين الأقوياء الكبار (G-20 ) في العالم، وقائمة انجازاتهما كما قائمة انتكاسات العرب تطول، والقاسم المشترك بين هذين الاثنين عدا الوطنية هو أن سياستهما انتقدت انتقادا شديدا من طرف الغرب ! فعجبا لغرب ينتقد أمثال هؤلاء ويصيبه العمى أمام دكتاتوريات العرب.

عزيزي المُطبِّل، كل الرؤساء يلهثون وراء مصالح وأجندة محبوكة، ولكن هناك فرق بين من يجري وراء مصالح بلده ومن يجري وراء مصالح تيار سياسي أو بضع أقليات تقتسم السلطة.

أكثر ما يثير الدهشة بين أوساط الشعب المقهور هو أولئك المُطبِّلين لسيادة الحاكم، تراه يقول إن الحاكم وطني ولكن بطانته فاسدة، فلنفرض عبثا أن ما تقوله صحيح، كيف يكون الحاكم ناجحا والدولة متخلفة فاسدة؟ أنت تتحدث عن انجازات بالأرقام فأين انجازات هؤلاء الحكام الميامين، ولا تحدثني عن تدشين جمعية أو افتتاح ملعب شعبي أو حتى فندق فاخر، حدثني عن رتبنا في قائمة الدول، وإن كانت البطانة فاسدة فأين مجلس الرقابة والمحاسبة، حين أرى وزيرا أقيل لفساد علني بالجرم المشهود، أغلبها قضايا سرقة، ثم أراه بعد سنوات رئيس مؤسسة أو مدير مكتب رفيع، أتساءل من كاتب هذه المسرحية الهزلية ليصفق عليه أمثالك من المُطبِّلين، لأنه وببساطة حتى ولو كان شكسبير كاتبها فهو لا يستحق منك هذا التطبيل.


يا عزيزي إن الناظر إلى طرق وأساليب تعامل العرب مع كل حراك شعبي -لن أقول ثورة لأن هذا المصطلح بات يعتبر إنذار حرب بالنسبة لهم يُردع بأسلحة ثقيلة فتاكة وإعدامات جماعية-، والناظر إلى رسائل العتيبة المسربة، والطريقة التي دبر بها العرب حصار قطر ليعلم علم اليقين أن الذين يحكموننا هم عبارة عن عصابة مدربة، اجتمعوا وأسسوا ما يسمى عند المافيا بـ "كارتل" "cartel" تماما كذلك الذي أنشأه بابلو ايسكوبار في ميديلين، وهذا النوع من الخلايا لا تنتظر منه خدمة الشعوب، هذا النوع من التنظيمات يكون بالدرجة الأولى إجرامي فتاك، يُخلق أساسا من أجل الحفاظ على مصالح تخص أعضاء الكارتل لا غير.


عزيزي المُطبِّل من الآخر كل الرؤساء يلهثون وراء مصالح وأجندة محبوكة، ولكن هناك فرق بين من يجري وراء مصالح بلده ومن يجري وراء مصالح تيار سياسي أو بضع أقليات تقتسم السلطة كما كانت تتقاسم المافيا الايطالية ضواحي نيويورك، هناك فرق أن يحكمك رئيس ينقل الدولة نقلة نوعية إلى مصاف الدول الكبرى ورئيس يُضَيِّع نصف عمرك في طوابير العيش.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة