مها فجال
مها فجال
4.8 k

رحلتي في الهروب من سجون الأنوثة

6/10/2018

منذ بضعة أعوام، شاهدت فيلم خان "موعد على العشاء"، ومنذ ذلك الحين وأحد مشاهده لا تفارقني. بعينين ران عليهما غشاء من دموع لا تنهمر، أخذت نوال (سعاد حسني) تنظر من بلكونتها المُطلة على الشارع لفتاة صغيرة تقفز بخفة. على صفحة وجهها، انعكس توقٍ غير خاف، وكأن تلك الصغيرة بلهوها البسيط امتلكت شيئا سُلِب من نوال للأبد.

عَكَس التكوين ما جاش بصدرها، فجاء بارزًا للتناقض بين حالة طفلة تلعب بحرية في مساحة واسعة وامرأة ثلاثينية تنظر لها من عُلو شاهق أسيرة لسجن البناية الخراساني. بالرغم من أني لم أكن قد دخلت عِقدي الثالث بعد، إلا أني شعرت بما شعرت به نوال عابرًا حاجز الزمن ومنتقلًا لصدري أنا.

ربما لا تمتلك الأُنثى شيئًا من الحرية سوى أثناء طفولتها. حينها، يكون جسدها في مرحلة التماثل مع الولد، وتُوحدهُما الطفولة تحت لواء واحد لا تختلف فيه لا المُعاملة ولا نظرة المجتمع. تكبُر الفتاة، وفي رحلة نموّها من طفلة لامرأة، تقطع رحلة موازية في الصيرورة من الفتاة الصغيرة في "موعد على العشاء" إلى نوال.

في الكُتب والروايات، وجدت ضالتي. أخذت أغزل من أوراقها خيوط شرنقتي، تلك التي احتوتني بعيدًا عن واقع لم أقتنع يومًا بقواعده، وفي بعضٍ منها وجدت شيئًا من العزاء عنه

تُحيل المُراهقة جسدها شيئًا آخر، فتحمل معها ملامح الأنوثة، وتستحيل تلك الملامح من مجرد صفات بيولوجية وفيزيائية تُفرقها عن الذكر، إلى أولى لبنات السجن الذي ستقضي الباقي من حياتها خلف جدرانه، تطُل منه على حياة الحرية دون أن تنهل منها يومًا.

كأي فتاة، مررت بمرحلة المُراهقة، لكن على العكس من الكثيرات اللواتي يحملهن الوعي بأنوثتهن على العناية بها، لم يحملني وعيّ بأنوثتي سوى على الرغبة في التنُكر لها. أخذت أدفن جسدي تحت أطنان من الملابس الواسعة التي تُخفي ملامحه، أتعهد بكل ما له علاقة بمظهري بالإهمال، أزدري تلك الأحاديث النسائية الخفيفة عن الـ"ميك أب" والموضة والـ"دايت"، أبغض حصة "الاقتصاد المنزلي" وأتعمد النوم بها، أتهرب بكل ما أوتيت من قوة من المهام التي يفرضها الآخرون على الإناث من طبخ وعناية بالمنزل وغيرها. لم أكن أرى بلقب "أُنثى" سوى لعنة حلّت فوق رأسي لا أتمنى سوى الفرار منها.

لكن حتى مُحاولتي الهرب من قيد الأنوثة أبت إلا أن تضرب حولي حيطان سجن من نوع آخر. وجدت نفسي في مساحة رمادية بعيدة عن الكل وعاجزة عن الاندماج مع أحد، فلا أنا أرى بذاتي فتاة تستطيع مُجاراة الأخريات في أحاديثهن النسائية، ولا أنا أنتمي في الوقت نفسه لعالم الذكور الخشن. أخذت حينها أبحث عن عالم مواز للواقع لا يُميّز بين فتى وفتاة، عالم ينظُر إليّ في المقام الأول كإنسان.

في الكُتب والروايات، وجدت ضالتي. أخذت أغزل من أوراقها خيوط شرنقتي، تلك التي احتوتني بعيدًا عن واقع لم أقتنع يومًا بقواعده، وفي بعضٍ منها وجدت شيئًا من العزاء عنه. وإلى الأوراق أخذت أبُث سخطي، أروي لها كل يوم ما أراه من معاملة مُختلفة وأحيانًا ظالمة يلقاني بها المجتمع لأني فتاة.

 أتذكر مثلاً تلك المرة التي ناقشت فيها أحد نساء الأسرة عن شيء ما ضاع عن ذاكرتي الآن، وأتذكر عندما قلت في معرض الحديث عنه "أنا حرة" كيف زجرت لي وقالت: "مفيش بنت مؤدبة تقول أنا حرة". وأتذكر ذلك الاجتماع التي عقدته إحدى المُعلمات لفتيات الدُفعة -ولم نكن قد تجاوزنا الاثني عشر عامًا بعد- أتذكر كيف أخذت تنهانا فيه عن التحدث مع الصبية لأن "الفتاة جوهرة يُضيع عنها الاختلاط بريقها".

مرت السنوات تِباعًا لأجد نفسي قد صرت في الجامعة، بلا تجارب حقيقية، خام كطفل صغير. أدركت حينها أن خيوط شرنقتي وإن حررت أفكاري فقد خنقت حياتي، أحالتها لحلم ظهيرة يطفو فوق أراضي الخيال

بيكساباي
 

وأتذكر عندما ضحكت إحدى الفتيات بصوتٍ عال كيف عنفتها  مُعلمة الدين قائلة لها أن "صوت المرأة عوّرة"، وأتذكر عندما كُنّا في الصف الأول الثانوي وأثناء شرح المُعلم نص "وصية أم لابنتها" -الذي كرهته من كل قلبي- ما قاله لنا عن كوّن واجب المرأة هو إطاعة زوجها وإن كان ظالم، وأتذكر ذلك الفتى الذي عندما قُلت له أنه ليس من الواجب على المرأة شرعًا خدمة زوجها كيف رد قائلًا "هو أنا هتجوّز عشان لسه أجيب خدّامة"، وأتذكر عندما كُنت أُبدي سخطي من كل هذا تلك الجملة الواحدة التي قابلني بها الجميع: "محدش هيرضى يتجوزك"، أتذكر كيف اختزلوا كياني كله إلى مشروع زوجة مُستقبلية لأحدهم.

لكن ثورتي على هذا كله بقيت حبيسة داخل رأسي ولم تتجاوزها إلى حياتي. ظللت أسيرة لقيود الأهل والمُجتمع، مفروض عليّ إقامة جبرية في المنزل، ممنوع عني الخروج وحدي. إذا أردت يومًا أن أفعل شيئًا ما، وجب عليّ الاستئذان قبلها، وإن رفضوا، بعد يأسي من إقناعهم يرتد صوتي خائبًا إلى حنجرتي ساحبًا معه ظلال القهر الذي يُخيم ثقيلًا على قلبي.

مرت السنوات تِباعًا لأجد نفسي قد صرت في الجامعة، بلا تجارب حقيقية، خام كطفل صغير. أدركت حينها أن خيوط شرنقتي وإن حررت أفكاري فقد خنقت حياتي، أحالتها لحلم ظهيرة يطفو فوق أراضي الخيال بلا جذور تضرب في الواقع. أدركت أني لم أعش يومًا، أني كنت اتخذ من الخيالات نافذة أُطل منها على الحياة دون أن أعيشها، أني بعيدة عن الحياة بُعد السماء عن الأرض.

أُدركت أن عدائي الحقيقي لم يكن مع أنوثتي، بل مع ما تجلبه تلك الأنوثة عليّ من قيود لا تخفى على أحد

شيئًا فشيء، أخذ ذهابي كل يوم إلى الكلية يُعطيني هامشًا من الحرية، فتح كوّة صغيرة بوجودي أُجرب فيها الحياة بنفسي. لكن حتى مع هذا، ومع تجاوز عُمري الثامنة عشر، لم يكفوا عن رؤيتي طفلة صغيرة لا بد لها من الاستئذان قبل أن تخطو أي خطوة خارج البيت. أثار هذا الوضع الحنق بكياني، لا لشيء سوى للحقيقة التي عَكسها، أني لا أملك ذاتي، أني مسلوبة الحق في التصرف بها كيفما شئت.

لو أن كل من في مثل سني يلقون نفس المُعاملة لهان الأمر قليلًا، لكني لم أستطع أن أتوقف عن مقارنة حالنا نحن الفتيات بحال الصبية، ولم يكُف ما تُظهره تلك المقارنة من ازدواجية فجّة للمعايير وتغليب لكفة الذكر في كل شيء تقريبًا عن نفث نيران الثورة والغضب بصدري.

شيئًا فشيء، أخذت أتصالح مع حقيقة كوّني أُنثى، بدأت أعهد بالاهتمام لشكلي الخارجي ولا أنفر نفس النفور من الأحاديث النسائية الخفيفة -ولو أني بقيت على نفس بُغضي للمهام الموكلة للمرأة- أخذت أُدرك أن عدائي الحقيقي لم يكن مع أنوثتي، بل مع ما تجلبه تلك الأنوثة عليّ من قيود لا تخفى على أحد. وشيئا فشيء، أخذت أُدرك أني لو انتظرت أبد الدهر أن يعود هذا المُجتمع علىّ بحريتي التي سلبها مني لمُتّ قبل أن أنالها. حينها، أدركت أنه لم يكن هنالك سبيل سوى التُمرد.

******

جاء تمُردي ليعصف بقوانينهم وقواعدهم ويتركهم في حالة من الذهول. ما عاد صوتي ينحسر إلى حنجرتي بل صار يشتد في المُطالبة بحقي في الحرية، وفي كل موقف تجيء إجابتهم فيه "لا" قاطعة، أرميها خلف ظهري وأمضي قُدمًا فيما أريد.

أنكرت عائلتي ذاتي الجديدة، أخذوا يتساءلون عمّا حلّ بي، ماذا حدث ليُبَدل ملاكهم البريء بهذا الشيطان الرجيم الذي صرته بأعينهم

رويترز
 

هبّـت بكياني أولى نسائم الحرية، ولكم كانت رائعة! أخذت قدماي تطآن الشوارع، تتجولان بكل المناطق وتسحبان بي معهما لعوالم أُخرى لم أكن أدري لها وجود. انحسر غطاء الرأس عن شعري أول مرة، لم أكن قد شعرت بالهواء يتخلله هكذا منذ ما يقرب من العشر سنوات.

خبرَت ليل المدينة وحدي شاعرةً بالنشوة لأن ما كان يومًا حُلم أحاله تمردي حقيقة. أخذت حيطان كياني الجامدة في التهاوي، استحالت حياتي من خطوط مُستقيمة مملة إلى رقصة محمومة على إيقاع الحرية لا أعلم إلام ستأخذني خطوتها التالية ولا يفارقني شوقي إليها. لكن ومع كل هذا، فلم تكن الحياة وردية، فالكون أبدًا لا يهبنا شيء دون مقابل.  

حاولت كثيرًا وطويلًا أن أجعل أهلي ينظروا للأشياء بعيوني، أن أوصل لهم أن حريّتي لا يجب أن تُمثل إهانة لهم، لكنهم صمّوا آذانهم عن صوتي الذي وصموه أنه أحد مزامير الشيطان

أنكرت عائلتي ذاتي الجديدة، أخذوا يتساءلون عمّا حلّ بي، ماذا حدث ليُبَدل ملاكهم البريء بهذا الشيطان الرجيم الذي صرته بأعينهم. حاولت أن أفهمهم أن ملاكهم البريء هذا لم يكن سوى وليد لانكساري، أني هكذا كُنت طوال الوقت في رأسي، لكنهم أبّوا أن يسمعوا، أصروا على رؤية تغييري هذا ضرب من المراهقة المُتأخرة أو الشذوذ الفكري الذي يدعون الله أن يُبرأني منه.

وعندما وجدوا أن الدعوى لم تأت بالنتيجة المرجوة، أخذت لعناتهم تنصب فوق رأسي ليل نهار طالبين من الله أن تقع بي مصيبة تردني لصوابي، وفي نفس السياق، يحاولون إرعابي من تلك المصيبة التي ستأتي لي من حيث لا أحتسب فتذيقني الذل والهوان.

حاولت كثيرًا وطويلًا أن أجعلهم ينظروا للأشياء بعيوني، أن أوصل لهم أن حريّتي لا يجب أن تُمثل إهانة لهم، أني كيان منفصل عن كياناتهم له الحق في شق الطريق الذي يُحب لحياته، أن أعوامنا على هذه الأرض محدودة وثمينة لا يجب أن نضيعها في تنفيذ رؤية الآخرين لها. لكنهم صمّوا آذانهم عن صوتي الذي وصموه أنه أحد مزامير الشيطان، ولم يكن ردّهم على كل ما قلت سوى "هذا ما وجدنا عليه آباءنا"، عفوًا أقصد "أنتِ تعيشين في مجتمع له قواعد وعليكِ احترامها".

بعد مضيّ فترة ليست بالقصيرة، يئست من الكلام، أيقنت أن جسور الحوار بيننا مقطوعة وأن لا شيء سيصلحها. أخذت ألوذ بالصمت لأنه ما عاد هنالك شيئًا يُقال. هبطت على رأسي الحقيقة المؤلمة أن حب الأهل مشروط، أنهم يجب أن يروا فيك صورة لما يريدون حتى يغدقوا عليك من محبتهم، وأنك إن انحرفت عن صورتهم أقصوك بعيدًا. عرّفت حينها، أني مقابل الانطلاق خارج البيت فقدت السلام داخله، أني مقابل حريتي، خسرتهم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة