نورس أبو صالح
نورس أبو صالح
1.1 k

عام على التدوين.. والمدونة الهاجس

10/8/2017
هناك، في تلافيف العقل وظاهره، وتلابيب النفس وبواطنها، في مساحات الخيال المغدق، وفي حضرة الواقع المُقلِق، يكون الحرف. تنتظر أقفاصه مفاتح البوح، فإذا هو تغاريد وتأوه، وينتظر باطنه غائص التجربة، فإذا هو مكنون ولؤلؤ، وينتظر متناثره تآلف المعاني وتناغم اللفظ فإذا هو كلمات وجُمَل.


تتشابك الحكايا في عقلي، ويقتات القلب على ما تأجل منها، ويتفلت الحرف طائفاً بين الخواطر، وقد حان موعد المدونة الأسبوعي في الجزيرة، فتراني أراود هذه التجربة فتتمنع بحرفها، وأسبر غور هذا الموضوع، فيأبى التدفق، وأنادي الأفكار في رأسي فتنحشر كلها دفعة واحدة في مسار الكلمة ولا يسمح أي منها للآخر بالخروج، فأنكفأ على لوحة المفاتيح، أو أكفأ عليها الشاشة، وأغلق على مدادي قلمه ودواته، وأترك ضغط الموعد وأتجاهل رسائل التساؤل، ويفوتني موعد المدونة.


حتى إذا ما ركدت الأفكار في قاع النفس، وهدأت لجة الموج المتلاطم بين جنباتها، طفا على السطح خاطر لم يكن في الحسبان، وكأنه تسلل بعد هدوء الزحام، وانتظار جلبة الأفكار حتى تهدأ، فيتقدم أنيقاً يتبعه الحرف طائعاً، تنهال منه الجُمل انهيالا، والتراكيب تتوالى، والفكرة تسلم الفكرة، نقاط بعضها فوق بعض، وتشبيهات بعضها من بعض، فلا تتوقف إلا إذا ارتويت، أو قُل تدفقت وسقيت.

عامٌ على التدوين هنا، وقد مر فيها حرفي كثيراً في أزمة الانقباض، واحتفى بأعياد الانبساط. عامٌ على التدوين، وقد حاولت فيها مجاورة عِظام الكلمة وجهابذة الحرف، فيمرون بثقلِ تصدرهم.

حتى إذا ما استوى تدوينك على جودي النهاية، أعدت قراءة المكتوب بانتشاءٍ وتفاخر، أو بانكسارٍ وتخاطر، فَنمّقْتَ فكرةٍ هنا، وشَذّبت أخرى هناك، ثم يأتي حساب الحرف وشروط التدوين، فلا تذهب إليها قبل التدفق والكتابة، بل اجعلها في الحسبان بعدما يقدّم حرفك الإجابة، فتحفظ لكتابتك ألقها، وتدم بين أفكارك ودها، ويكون الدفق هو أصل الحكاية، لا عدد كلماتك وأرقام الفقرات وموعد التسليم النهائي.


ثم يكون العنوان، وَإِنْ نما إلى ذهنك عنوانٌ مبدأيٌ في غرة كتابتك، إلاّ أنّ القلب يميل إلى المُنَمّق منها، والعقل يفضّل الصادم على كثير الهادئ منها، والنفوس تميل إلى المختصر. إلا أن التناغم بين ما كتبت وعنونت، هو مناطُ الأمر، ومحط انسجام الكتابة، فكم من عنوان حفّز قارئا أكثر من جسد المقال، وكم من عنوان أثار المتعمن، ثم خذله أول مكتوب في باقي الفقرة، وكم من عنوانٍ لم يربطه أي رابطٍ مع ما تناثر تحته من حروف. لكن حسابات التصدر، ومقامات الإعجاب، جنت علينا بالكثير من العناوين، والقليل من المضامين.

عامٌ على التدوين هنا، وقد مر فيها حرفي كثيراً في أزمة الانقباض، واحتفى بأعياد الانبساط. عامٌ على التدوين، وقد حاولت فيها مجاورة عِظام الكلمة وجهابذة الحرف، فيمرون بثقلِ تصدرهم، ولا أكاد أذكر على خفة قرائي، وأعدادي المتواضعة. عامٌ على التدوين، وقد أدركت أن التجربة الحقيقية أولاً والقراءة المتأملة الثاقبة ثانياً، هما بحر المداد، وقلم الإمداد، وأن هواجس التصدر وإثبات الحضور، هما مقتلُ الكاتب ومقاصل الْكَلِم. عامٌ على التدوين وقد أضفت إلى هواجس حياتي المكتظة، هاجساً من أعظم الهواجس، هاجس القلم والحرف والبوح، أضفت عليها، المدونة الهاجس.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة