حنين الكراد
حنين الكراد
779

في حضرة الموت

11/8/2017

كثير منّا يفكر بالموت والقبر والفناء، وكيف ستنتهي حياته؟ وماذا سيقدم؟ هذا الشعور يستعرُ في الأعماق مثل نار قابعة في النفس، لحظاتٌ تستعرُ هذه النار ولحظاتٌ أخرى تخمد وتهدأ.

بعض الناس يخشون الموتَ وبعضهم يعتقد أنه مُعمِّر، فيقضي حياته لاهثاً خلف ملذات العمر، مترنحاً في أعماله، قابضاً يديه عن الواجبات، وبعيداً قلبه عن الإيمان والصلاة والصيام.. وما هي هذه الحياة؟ وإلى متى ستعيش أيها الإنسان؟

مثلما هناك من يلهون في الحياة الدنيا، متناسين لحظة قيام الساعة، هناك من يخاف أن يموت فارغاً دون أن يترك شيئاً، يخاف من لحظة الزوال وانتهاء العمر، فيسارعون إلى الطاعات وقيام الليل والاستغفار، يقدمون ما استطاعوا من نجاح وفائدة ومال يستخلفونها في الأرض.


أولئك من خشيتهم للموت ربما يصل الأمر بهم إلى الخشية من يوم الأجل وساعة الوفاة فيُبتلي عقلهم بالوساوس، يجتلبونها كما تُجتلب جميع الأحزان بعد حزن، فتخور قواهم ولا يدركون الزمن فينطحون الليل ينتظرون النهار ويقلبون النهار إلى ليل وظلام، فتكون النهاية حينئذ في مجيئها كالعقوبة أنزلت بالعمر كلّه، فتؤلم قبل أن تجيء شراً مما تؤلم حين تجيء!

غير أنك قد تجد بعض من يستذكر الموت يهرول خلف كنوز الدنيا، ولا يدركون أن الله خلق الإنسان لأخيه الإنسان، كلُّ يكملُّ الكل

صحيحٌ أن تستذكر الموت و الهلاك ، لكن عليكَ عند ذكره بالمسارعة إلى العمل، والابتعاد عن كل معصية، والتوبة من كل إثم، مثل سيدنا عمر رضي الله عنه عندما كان يستذكر الموت كان يعدّ له فيسارع إلى ذكر ربه، إذ أنه لم يكن يفكر بالموت بقنوط ويأس بل كان يظن أن حياته كساعة رملية وكل حبة رمل جعلته يواصل العمل قبل أن تنقص.


كانت فلسفة سيدنا عمر بن الخطاب: "أن تصنع حياتك على نحو يجعل حياتك مختلفة عن حياة الآخرين على نحو يجعل موتك مختلفاً عنهم"، أيّ أن التفكير بالموت كان دافع له على المواظبة على الدين فهو فعلا كما قال مصطفى صادق الرافعي: "إن الذي يعيش مترقباً النهاية يعيش معداً لها، فإن كان معدّاً لها عاش راضياً بها، فإن عاش راضياً بها كان عمره في حاضر مستمر، فلا يستطيع العمر أن ينغص عليه مادام ينقاد معه وينسجم فيه".

غير أنك قد تجد بعض من يستذكر الموت يهرول خلف كنوز الدنيا ويحتفظ بما أخذ ويبخلُ ويقبض يديه عن رزقه وعلمه وماله وزاده وفائدته، معتقداً بخلوده وديمومته، ويخشى من زواله أو مشاركته أو انتفاع غيره، تراهم يعترشون القصور ويركبون الخيول ولا يتصدقون بقرش صغير.


يمّدون الموائد و يتفاخرون بسياراتهم وعرباتهم وشركاتهم ولا يولون وجهوهم شطر المخيمات الغارقة بالطين والويلات، ولا يدركون أن الله خلق الإنسان لأخيه الإنسان وخلق النبات ليأكله الحيوان وخلق الحيوان ليستلذ بطبخه الإنسان، كلُّ يكملُّ الكل ولا أجد كلاماً أبلغ من كلامِ الرافعي: " فما أسعدنا أن نكون لغيرنا فائدة و حياة، وإذا كان الفناء سعادة نعطيها من أنفسنا، فهذا الفناء سعادة نأخذها لأنفسنا، كلُّ حي فإنما هو شيء للحياة أُعطيها على شرطها وشرطها أن تنتهي، فسعادته في أن يعرف هذا ويقرر نفسه عليه حتى يستيقنه".

فكُن في الحياةِ سبّاقاً للأعمال والخيرات، مقدِاماً تحب الثواب والعطاء، ولا تنسَ الفقير واليتيم والمكروب، كلّهم في حاجتك وأيديهم بحاجة ليدك تمسكهم بها، واعمل لآخرتك تلقى خيراً وجهزّ لرحلتك الأخيرة حقيبة من الصبر والإيمان والرضا والطاعة والعفة والتقوى.. حتى تستقر روحك في الدار الآخرة مؤمنة ظافرة بالجنة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة