"الحكام العرب" العدو الأول للقومية العربية

12/8/2017

لعلَّه من الحكمة أن نميِّز بين القوميَّة العربيَّة كمفهوم، وبين القوميِّين العرب الذين مثَّلوها أسوأ تمثيل، ومن خلال هذا التَّفريق سندرك جيِّداً لماذا أخذ الشَّعب العربيُّ موقفاً من القوميِّين ومن أحزابهم المنتشرة على ساحة الوطن العربي. لقد حاول القوميُّون العرب استغلال التَّوجُّه القوميِّ للشَّعب العربيِّ قبيل الاستقلال وبعده، واتَّخذوا حماية العروبة والعربيَّة حجَّة للتَّنكيل بكلِّ عربيٍّ لا يروق لهم فكره، وبالأخصِّ التنكيل الإسلاميِّين الذين نادوا بفكرتهم الإسلاميَّة بين شعب مسلم، بل شعب هو مهد الإسلام وحضنه، ولكنَّهم ضاقوا ذرعاً بهؤلاء خوفاً على كراسيِّهم، ولا ينسى أحد ما لاقاه الإسلاميُّون على يد جمال عبد النَّاصر وعلى يد القذَّافي وحافظ الأسد والحبيب بورقيبة.

لقد شوَّه القوميَّة العربيَّة شيءٌ واحد، هو أنَّ الحكَّام العرب حاولوا أن يصنعوا من أنفسهم قادة تاريخيِّين من خلال الفكرة القوميَّة، فقدَّموا القوميَّة العربيَّة على أنَّها أفكارهم هم، فأُلِّفَت كتب خدمت هذا الشَّيء، والكتاب الأخضر الذي ألَّفه القذَّافي أكبر دليل على ذلك، حيث ألزم الشَّعب العربيَّ في ليبيا بدراسته من المرحلة الابتدائيَّة إلى المرحلة الجامعيَّة، وفرض فكره على الشَّعب على أنَّه الفكر القوميُّ العربيُّ الذي سينقذ العرب من الفساد والذُّلِّ الذي تركه الاستعمار وراءه.

تجد القذَّافي يؤمُّ النَّاس في الصَّلاة ويغيِّر التَّاريخ الهجري ويجتهد فيحذف كلمات من القرآن الكريم تحت ذريعة أنَّها نزلت على محمَّد وقد مات

وانظر أحد الكتَّاب وهو يعتبر أنَّ خلاص الشَّعب العربيِّ اللِّيبيِّ لا يكون إلَّا باتِّباع الكتاب الأخضر، يقول جمال حمدان: "واهتداء منه (أي: من الشَّعب اللِّيبي) بالكتاب الأخضر دليل البشريَّة نحو الخلاص النِّهائي من حكم الفرد والطَّبقة والطَّائفة والقبيلة والحزب"1. وألَّف اسكندر لوقا كتاب (كذلك قال الأسد) جمع فيه أقوال حافظ الأسد لتكون فيما بعد دستوراً يقدَّم على القرآن الكريم، ولا تكاد تجد كتاباً يدرَّس في سوريا إلَّا وتجد في نهاية كلِّ درس منه قولاً لحافظ الأسد، حتَّى في مادَّة التَّربية الإسلاميَّة تجد حديث النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وآيات القرآن الكريم مردفه بأقواله، وهذا ما نجده في مادَّة التَّربية القوميَّة في الوطن العربي، فهم لا يدرِّسون في هذه المادَّة القوميَّة العربيَّة ومقوِّماتها وطرق إحياءها وحمايتها، بل يدرِّسوننا فكر الحاكم بلبوس القوميَّة العربيَّة.

يقول أحد الكتَّاب مقارناً بين حافظ الأسد وبين صلاح الدِّين الأيُّوبي: "الذين يعتقدون ـ وبحقٍّ ـ أنَّ ثمَّة ملامح عديدة تتشابه فيها شخصيتا النَّاصر صلاح الدِّين الأيُّوبي والرَّئيس حافظ الأسد يملكون شواهد ومسوِّغات وأدلَّة تدعم هذا الاعتقاد وتؤكِّده.. وبإسقاطه تاريخيَّة تبدو مواقف الرَّئيس الأسد وكأنَّها امتداد لمسيرة النَّاصر صلاح الدِّين الأيُّوبي!"2.

وهم يحاولون من خلال هذه الخطوة أن يزرعوا في نفوس أفراد الشَّعب العربي أنَّه لا خلاص لهم إلَّا باتِّباع أفكارهم وأوامرهم، ونتيجة لفشلهم بذلك نجد أغلب الرُّؤساء العرب تركوا هذا الفكر ومالوا ليلبسوا لباس الدِّين ليغشُّوا النَّاس بإيمانهم المنافق، فتجد القذَّافي يؤمُّ النَّاس في الصَّلاة ويغيِّر التَّاريخ الهجري ويجتهد فيحذف كلمات من القرآن الكريم تحت ذريعة أنَّها نزلت على محمَّد وقد مات، وتجد القنوات العربيَّة الرَّسميَّة منشغلة بالنَّقل المباشر لصلواتهم في المساجد كل جمعة وعيد.

إنَّ الحكَّام العرب لم يمثِّلوا في يوم من الأيَّام العروبة والإسلام، ولم يحملوا همَّها، ولا سعوا إلى عزِّها، بل حاولوا دائماً تذليلها لمصالحهم، ولا أبالغ إن قلت بأنَّ هؤلاء الحكام هم أخطر تركة تركها الاستعمار فوق ظهر الشُّعوب، والتَّخلُّص من آثارهم يحتاج إلى وقت طويل، فالاستعمار لم يغادر أرض الوطن العربي حتَّى قسمها إلى بضع وعشرين دويلة، وكلُّ واحدة منها نصب عليها حاكم سرق ونهب، وقتل وعذَّب، وهؤلاء الحكَّام لا يملكون من الثَّقافة ما يفهمون بها مطالب وأمال شعوبهم، بل لا يعرفون إلَّا لغة القتل والتَّنكيل والانتقام والشَّكِّ في كلِّ أحد، والخوف من كلِّ شيء.

على الحكَّام العرب أن يعلموا بأنَّهم عالة على شعوبهم، وأنَّ الشُّعوب قد ضاقت ذرعاً بهم، وما الرَّبيع العربي إلَّا شكلاً من أشكال الثَّورة عليهم

والخلاص من هؤلاء الحكَّام هو أوَّل خطوة فعليَّة على طريق الوحدة العربيَّة التي تحوَّلت في ذهن المواطن العربي إلى حلم تحقيقه أشبه بالمستحيل، مع أنَّ غير العرب حقَّقوا تجارب وحدويَّة كبيرة بين شعوب لا صلة بينها؟، تختلف في كلِّ شيء، في اللُّغة والتَّاريخ والفكر والثَّقافة، ومع ذلك جمعتها المصالح، ولابدَّ للشَّعب العربيِّ أن يعي بأنَّ الوحدة لا تحتاج إلى أكثر من إخلاص الحكَّام وتضحيتهم بمصالحهم والتَّنازل عن بعض سلطاتهم، وأنَّ تنطُّعهم وتمسُّكهم بالكراسي التي أجلسهم الشَّعب عليها هو من أخَّر الوحدة، وهم من أوهم الشَّعب العربيَّ أنَّ الوحدة وهم وخيال ولا يمكن أن تتحقَّق، وهم من كرَّسوا فكر التَّجزئة في كلِّ بلد على حدة، وهم من ابتكروا فكر الوطنيَّة لكلِّ بلد لوحده، حتَّى بات بعض العرب لا يهمُّهم ما يحدث في غيره من البلدان العربيَّة.

على الحكَّام العرب أن يعلموا بأنَّهم عالة على شعوبهم، وأنَّ الشُّعوب قد ضاقت ذرعاً بهم، وما الرَّبيع العربي إلَّا شكلاً من أشكال الثَّورة عليهم، وأنَّ الشَّعب العربيَّ ملَّ الجعجعة التي مازال يسمعها منذ دهر طويل ولا يرى طحيناً من وراءها، وأنَّ العروبة التي يسعى الشَّعب العربيُّ إليها هي عروبة الإسلام والحضارة والتَّاريخ، التي تحمل الخير لكلِّ النَّاس، والتي تعطي كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، وهذه العروبة التي يسعى إليها لابدَّ من رجال يحمونها ويصونون حدودها وحدود الوطن العربي، وهؤلاء الرِّجال لا يمكن أن يكونوا عسكراً، بل مثقفون مدنيُّون، يملكون من الحكمة ما يقودون به هذه الجماهير العربيَّة، ويديرون بها الثَّروات فيقومون بتوزيعها بالتَّساوي بين أبناء الوطن.
-------------------------------------------------------------------------------------------------
1- الجماهيريَّة العربيَّة اللِّيبيَّة الشَّعبيَّة الاشتراكيَّة العظمى، جمال حمدان، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996م، ص: 329
2- التَّاريخ لا تحركه الصُّدفة، قراءة في فكر الأسد، عادل رضا، ص: 47، 48

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة