ضحى حسام
ضحى حسام
7.9 k

رحلتي من "مثاليّة المُلتزم" إلى الآدميّة

12/8/2017
ككل إنسان على هذه الدّنيا، تُولد غير مخيّر في بيئتك تمامًا كتنفّسك الهواء، رُبما سُئلنا قبلًا، رُبّما لا، من يدري؟ كفتاةٍ لم أكن حانقةً على تلك البيئة يومًا، رُبّما تساءلتُ في مراهقتي عن سرّ اختلاف الفتيات حولي، وكوْني معدودة من بين ثلاث فتيات يرتدين "الجلباب" في صفِّهم الدراسي قبل الثّانوي، وأنني لم أكُن أعرف في أًصناف التجميل شيئًا، بل أني رضيتُ بكوْني كما أنا، بكماليات صغيرة تُضفي شيئًا من البساطة لا البهرجة، لكنّني آمنتُ مؤخرًا أن والديّ كانا يصنعان مؤسسة مختلفة، مملكة يعرف كيف يأوي أحدُ أفرادها إليها، وربّما تلك المملكة في صدري قد بُنيَت قبل أن تقوم على الأرض.

كان الإسلام لجيل الشّباب الحالي، أي مواليد التّسعينيات من القرن الماضي، صلاةَ جماعة يحرص الأب أن يُؤخذ إليها الابن، وشيخٌ أو معلّمة في ذات المسجد يحفّظون القرآن الكريم، وكان الواحدُ منّا ما إن بدأ حفظه حتى تبدّى له في مخيّلته منظرُ والديه في جنّات عدن، مرتديَيْن ذاك التّاج الذي سيزيّن رأسهما، في نورٍ ساطعٍ يحوّل كل شيء إلى بياض حوله أشجارٌ خضراء، وابتسامة الأبوين تتبدى فيها نواجذهما، حتى وإن كانا حانقيْن أحيانًا في الحياة الدّنيا على تقصيرٍ ما يتعلق في حفظه. كان هذا لطيفًا جدًا، بل إنّه قد أسس لدى الكثير من الجيل ذاك الذي هو الشّباب الحالي –وأنا منهم- أساسًا ونظرة مُحِبّة للإسلام، أدركنا فيها أننا حظينا بأشياء حقًا لا تُشترى، أشياء خفيّة لذيذة تجعلُ لوجودِنا على هذه الدّنيا معنىً.

لا أحاول أن أُثبت أي شيء لمن لا يهتمّ أو يُجادل جدالًا يكاد يكون شِقاقًا لا سبيلًَا لتوسيع المدارك! مدركةً أن النّفس تلجأ لهاتين الصفتين حتى تُثبت ذاتها بقيمة غير ذات جدوى، في أن تكون العُليا.
قُيِّمنا بما نحفظ من أجزاء القرآن، مُستغربين من سخرية بعض زملائنا في الصف من مصروفنا المدرسيّ، الذي كان بالطّبع –في نظر آبائنا- سبيلًا لتعليمنا الزّهد والتّرفع عن الماديّات، تنازلنا عن حقٍّ ما أحيانًا، فالأكيد أن المؤمن يجب أن يُحبّ لأخيه المسلم ما يُحبّ لنفسه، فنذهب معلنين فرديّتنا في ذات الوقت!

كلّ هذا كان جميلًا حقًا، إلى أن زرع هذا كُلّه وغيره فينا شيئًا من المثاليّة التي لا تقبلُ النّسبية أبدًا، والأكيد أنّه -بلا سبقِ إصرار وترصّد من آبائنا- أننا مجرّد ما أخطأنا فنحنُ حتمًا سنعذّب عذابًا عسيرًا، ابتداءً من نظرة الأهل وثقتهم أحيانًا، إلى سياط جهنّم وبئس المصير!

مؤخرًا أدركتُ أنني بدأت أتصالح مع النّسبية، بشيء ما يجعلني متقبّلةً لذاتي مُحِبّة لديني أكثر من أي وقتٍ مضى، ولعلّني بعدما اختبرتُ هذا في نفسي أطلقتُ على التّشدد مصطلحًا واهيًا غير ذي صلةٍ بالواقع وهو:"مثاليّة المُلتزم"، فالأكيد أنني كإنسان لن أكون مثاليًا أبدًا مهما حاولت، رُبما أكون مثاليًا في موقف ما، لشخصٍ ما دون غيره، لكنّني لستُ مثاليًا بالمُطلق أبدًا، ولا يجب أن أكون كذلك. ثمّ أن لفظ المُلتزم أساسًا هو شيءٌ طارئ مُستحدَث ينمّ على أنّه يدّعي الالتزام أو أنه يُظهره بشكل مبالغٍ فيه، متناسيين أنّه هو–جلّ في علاه- سمّانا المسلمين، نُخطئ ونصيب، نتعثّر وننهض، نفتُر ونقوى، ننجح ونفشل، نحيدُ فيأتي من يأخذ بأيدينا –بلُطفه- إلى الطّريق مجددًا.

ما ضرّنا لو فهمنا الدّين حقًا، وكانت ردودنا في زمنٍ آخر كالآتي: "بُنيّ إن لم تكن في عداد الأوائل أكاديميًا فأنت حتمًا موهوبٌ شغوفٌ في شيء ما لا منهجيّ، ألا ترغب في الفنّ أو الآداب؟

مواقع التواصل

وبطبيعة تلك المثاليّة الجوفاء التي هي أقرب إلى الوباء، انتشرت فتغلغلت في حياتنا الطبيعية في جوانبها الأخرى، فإمّا أن تكون الأول على صفِّك أو حتى مدرستك ووطنك، وإلا فأنت لستَ بالحدّ المطلوب لابنٍ شقينا عليه كل تلك الأيام والليالي، إما مهندسًا أو طبيبًا أو لن يكون لك وجودٌ يُذكر. وانتقل الأمر فلم يسلم الفنّ ولا الأدب ولا السينما من هذا، أعني في الوقت الحاليّ، إن كنتَ تُتابع فيلمًا ما فأنت حتمًا في عمليّة غسيل دماغ، بل إنّ عدّاد ذنوبك مستمرّ. وتنطلقُ مع هذا كلّه جملة بعض الآباء متحسِّرين: أنا لم أعرف كيف أُربّي!

الطفل فيه من قوّة الاستيعاب ما يكفي أن أخبره أنّ هذه الآلة تجرح فيتركها، فإن لم يتركها فذات القوّة الاستيعابيّة تلك ستعلّمه أثر تجربته تلك فلا يُعاودها! ما الفائدة في أن أنقل تجاربي دومًا لطفلٍ أو بالغ دون أن يعيَ حقًا ما أعنيه.
ما ضرّنا لو فهمنا الدّين حقًا، وكانت ردودنا في زمنٍ آخر كالآتي: "بُنيّ إن لم تكن في عداد الأوائل أكاديميًا فأنت حتمًا موهوبٌ شغوفٌ في شيء ما لا منهجيّ"، "ألا ترغب في الفنّ أو الآداب كتخصص جامعيّ؟ لعلّك تختار أحدهما فإنّهما يسموان في روحك التي تعِبنا حتى تكون بتلك الرّقة والسموّ"، "عمّ يتحدّث الفيلم هذا؟ ما القضية التي يتناولها؟"، مُحاولين على الأقل أن نجعل لكل خطوةٍ معنى، سببًا يوجّه الفرد والجماعة إلى دينٍ سامٍ فتح آفاق الفكر بـ"إقرأ" قبل أي شيء، تزوّد وارتقِ، جرّب وذُق وتفرَّد، لا تكن ذات الشّخص دقيقة إثر أخرى، لا ترضَ عن ذاتك تمامًا، لا يجب أن ترضى أصلًا حتى لا تُوقِف التّقدم والبحث والمعرفة في نفسك والأكوان!

بسبب كلّ هذا ما زلتُ أؤمن أننا كأفرادٍ قد تشبّعنا بفكرتين رئيسيّتين:
أولًا: الحُكم السريع على الأفراد من شيءٍ صغير يظهر دون أن ندرك كنهه أو أن ندرك فكرة أنّ الإنسان بتجربته الإنسانيّة كيانٌ متفرّد قد يكون لاختياراته معنىً خاصًا.
ثانيًا: ثنائيّة لا ثالث لها: إمّا أن تكون مثلي، أو إنّك حتمًا لهذه الأمّة لا تنفع! متناسين أن الإنسان احتمالات لا نهائيّة.

عندما وعيتُ على هذا بدأتُ أعطي الحقّ لمن هم أمامي أن يوضّحوا أسباب خياراتهم في حال تفرُّدها، فالتفرّد حتمًا صانعُه سببٌ في الذّهن لا تيّار ٌجارٍ، ثم أن أترُك المِراء وإن كنتُ على حقّ ، لا أحاول أن أُثبت أي شيء لمن لا يهتمّ أو يُجادل جدالًا يكاد يكون شِقاقًا لا سبيلًَا لتوسيع المدارك! مدركةً أن النّفس تلجأ لهاتين الصفتين حتى تُثبت ذاتها بقيمة غير ذات جدوى، في أن تكون العُليا أو أنها دومًا على صواب.

بدأتُ أستمع أكثر مما أتحدث، أستمع لأفهم لا لأردّ، أهزّ رأسي كثيرًا، وأفهمَ أنّ الإنسان بحاجة إلى تجربته الخاصّة دون تنظيري الشّخصي أربعًا وعشرين ساعة، حتّى وإن كان على مستوى ابنة أختي التي أتمّت عامها الثالث مؤخرًا، فذات يومٍ كنتُ أغسل الصّحون بعد وليمةٍ كبيرة في بيتنا، فوقفَت الفتاة الصغيرة تلك بكل شغف بجانبي على كرسيّ لترتفع وتُدلي بخدماتها على خالتها، ما إن أمسكَت السّكينة تغسلُها حتى صاح أحدُ أقربائي ناصحًا إياي أن أجعلها تتركها سريعًا! لكنني بكل بساطة طلبتُ منها أن تنتبه وتحذر، فذلك سيؤلمها إن لم تفعل. فهمتُ أن الطفل فيه من قوّة الاستيعاب ما يكفي أن أخبره أنّ هذه الآلة تجرح فيتركها، فإن لم يتركها فذات القوّة الاستيعابيّة تلك ستعلّمه أثر تجربته تلك فلا يُعاودها!
ما الفائدة في أن أنقل تجاربي دومًا لطفلٍ أو بالغ دون أن يعيَ حقًا ما أعنيه ودون أن يجرّب ويتحمّل مسؤوليّة خياراته وقراراته على هذه الدنيا؟

الدّين هذا الذي قام على المُعاملة قبل أي شيء، قد أوصلَ لنا على لسان من ابتُعث نبيًا له-صلوات ربي وسلامه عليه- قوله:"من أُعطي حظه من الرّفق فقد أُعطي حقّه من الخير، ومن حُرم حظّه من الرفق، فقد حُرم حظّه من الخير". فحتمًا ذاك الرّفق لا يعني أن أحتضن ولدي أو صديقي أو زوجي حين يُصيب، وأهُبّ كريحٍ عاتيةٍ حين يُخطئ، ولهذا ما إن تُنطق لفظة الإسلام حتى يتبادر إلى ذهني ذاك الشّيء في الوسط، ممدودًا بيدين إلى يمينه وشماله، محتويًا كلّ العالمين!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة