عندما تنتصر المبادئ

12/8/2017
في الخامس من شهر أيار/مايو ٢٠١٦ م، قدم الاستاذ أحمد داوود أوغلو رئيس وزراء تركيا استقالته من منصبه مع تأكيده على عدم ترشحه لقيادة الحزب لقطع الطريق على الذين يريدون الاصطياد في الماء العكرة للتحريش بين أبناء الحركة الإسلامية التركية، وتحميل أمر الاستقالة أكثر مما تتحمل، ولن أخوض في هذه العجالة في الأسباب التي تقف وراء ذلك، لأَنِّي أريد أن أنظر الموضوع من جانب آخر له علاقة بعنوان المقالة.

وقد استمعت في ذلك اليوم جلَّ خطاب السيد أوغلو، وكان خطابا فوق العادة لم يعرف مثيله في السنوات الماضية، فقد انتصر الرجل للمبادئ التي يؤمن بها ويعمل من أجلها، ولم يتلفظ بكلمة واحدة نابئة تجاه فريق دربه الرئيس أوردغان، وكانت كلمة مؤثرة جدا، وتعالى عن حظوظ النفس وانتصارها، ولم يوظف لخطابه في الإساءة إلى سم ولا رسم، ولم يتهم رفقاء دربه في الحزب والحكومة بعدم الوقوف معه، ولم يتوعد إلى التحول إلى صفوف المعارضة لكشف عوار الحزب، بل تعهد في بقائه في عضوية الحزب والعمل بتطويره والمساهمة في إنجازاته من وراء الستار، وهو وإن فقد منصبه الرسمي إلا أن ذلك لا يعني الابتعاد عن العطاء، بل سيعود إلى عمله الحقيقي في ميدان المعرفة والعلم، الذي انطلق منه قبل توليه المسؤولية السياسية والحزبية، لأن الإنسان يسمو ويرتقي بالعلم والعمل معا، والاهتمام في هذا المجال يعتبر من أعظم وأكبر هدية يستطيع المرء أن يقدمه لأمته وشعبه ووطنه.

عرفت الساحة الإسلامية أعدادا ممن انسحبوا عن حركاتهم وحملوا على عاتقهم نشر ما أسموه بمثالب ومؤامرات التيار الإسلامي، وأصبحوا الضيوف الدائمين على وسائل الإعلام المعادية لدين الأمة وأخلاقها.
قلت.. هذا النموذج الذي قدمه الأستاذ أحمد أوغلو، فريد في نوعه، غريب في طوره، لم تعرفه الساحة الإسلامية منذ زمن بعيد، لأن المسؤولية أصبحت اليوم في كثير البلدان مغنما يحرص الإنسان عليها ويتشبث فيها ولا يترك عنها مهما كان الأمر. وقد سطر خطاب استقالة السيد أوغلو درسا عظيما يغيب عن أذهان كثير من الإسلاميين في العالم، حيث يعتقد كثير من رواد العمل الإسلامي بأن الرئاسة إلى الأبد ما دام القلب ينبض، لأن وجوده في صالح المجمتع - حسب اعتقاده - ولو لم يستطع أداء مسؤوليته على الوجه الأكمل.

تعلمنا من التاريخ القديم والحديث أن الشخص الواحد مهما أوتي من علم وعقل وفهم مع شعبية تهتف باسمه وتفديه بالدم والروح - حسب الهتاف العربي الشهير - لا يستطيع أن يحقق نهضة أمة وبناء شعب ووطن بوحده إلا إذا كان معه من يسانده عقلا وعملا، ويقف معه في تكثير الخير وتقليل الشر، ويتعاهده بالنصح والتوجيه، ويحثه على مواصلة الإنجاز، ويحذره من مغبة الاستسلام أو التوقف عن العمل، مع مراعاة النظام العام في بناء الدولة واحترام الأنظمة المرعية وبسط العدل ومحاربة الظلم والفساد، وإفساح المجال أمام الموهوبين والمميزين في إظهار إبداعاتهم في كيفية تطوير البلد وتقديم أفضل الخدمات في بناء الإنسان.

والتوهم بأن فلانا وحده هو الذي أنجز هذا العمل العظيم نوع من المكابرة والغرور، ولم يتأخر العالم الثالث إلا عندما عُلق جميع الإنجازات على أكتاف الزعماء والقادة، وعلق الإخفاقات والهزائم على رقاب الشعوب، فإذا حصل إنجاز وتقدم فبحكمة الرئيس، وإن كان العكس فالشعب لم يفهم ولم يتفاعل مع رؤية القائد الفذ. إذن فلا يجوز أن نقارن بين السيد أوغلو الذي جاء إلى كرسي الحكومة على أساس الكفاءة وبين من جاء إلى سدة الحكم بسند قَبَلي أو بتحقيق حظوظ نفسية وإن ذهب البلد والشعب في ستين داهية. والتمسك بالمبادئ خلق رفيع وخصلة سامية لا يستطيع التخلق بها إلا الأفداد من الرجال العظام الذين لا تستهويهم المناصب ولا الألقاب، بل يعظم في قلوبهم خدمة الإنسان وتعمير الأرض من غير جلبة ولا صياح.

في ظل تعدد الحركات الإسلامية وتشعبها وكثرة الخلافات فيها واحتدام التنازع بين متنفديها، تكثر الانشقاقات والانسحابات من صفوفها، وكثير من هذه الخلافات يعود سببها إلى مكاسب شخصية والصراع على السلطة.

مواقع التواصل
وأما الباحثون عن الشهرة والمال والمناصب لا تعدو المبادئ لديهم إلا أن تكون حاجة آنية ووسيلة رخيصة وتصريحا محدود الصلاحية ينتهي بانتهاء مدته، يهربون إلى الأمام ولا يلتفتون إلى الوراء، فلا المروءة تحجزهم ولا الدين يوقفهم، فمبادئهم حيث يوجد مصالحهم، وكلما تغيرت المصلحة تغير المبدأ لديهم، فهم آفة الأمم، فبأيديهم يكون خراب الأوطان والشعوب.

وفي ظل تعدد الحركات الإسلامية وتشعبها وكثرة الخلافات فيها واحتدام التنازع بين متنفديها، تكثر الانشقاقات والانسحابات من صفوفها، وكثير من هذه الخلافات يعود سببها إلى مكاسب شخصية والصراع على السلطة والاستحواذ على مكتسبات الحركة، ولذلك يستحيل التوفيق ببن الفرقاء أو التقريب بين وجهات النظر، وينتهي المطاف إلى التدابر والتباغض والانسحاب عن الحركة والجماعة. وليس عيبا أن يستقيل أو ينسحب العضو أو الأعضاء من الحركة، وقد يكون من مؤسسيها والداعمين لها، أو المدافعين عنها بكل ما أوتي من قوة سواء كانت محقة أم لا، ولكن الفاجعة والغرابة تكمن بأنه لا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يتحول إلى غريم وخصم للحركة ويلعب دور محامي الشيطان الذي لا يراعي حقوق الصحبة والزمالة، ويتبنى نسف كل عمل شارك في إنجازه نكاية بها والقائمين عليها.

مراعاة المصالح تتقدم كثيرا على المحافظة على المبادئ، ولكن نسي الجميع بأن المبادئ تبقى وإن تغير أصحابها وتغيرت اتجاهاتهم حسب مصالحهم ومآربهم العاجلة والآجلة.
وقد عرفت الساحة الإسلامية أعدادا ممن انسحبوا عن حركاتهم وحملوا على عاتقهم نشر ما أسموه بمثالب ومؤامرات التيار الإسلامي على المصلحة العامة، وأصبحوا الضيوف الدائمين على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة المعادية لدين الأمة وأخلاقها، وهو عمل دنيء لا يقوم به إلا من قلَّ حياؤه ورقَّ دينه، لأن الخلاف مع الحركات أو توجيه النقد البناء المبني على العدل والانصاف إلى أعمالها والقائمين عليها لا يفسد للود قضية، ولكن حظوظ النفس لا تعطي المرءَ مساحة للتعقل والتفكر.

وأذكر في هذا الصدد مثالا واحد ممن تخاصموا مع حركتي الاتحاد الإسلامي السلفية، والإصلاح الإخوانية الصوماليتين، فللحركتين جهود مشكورة في مجال التعليم والدعوة وخدمة المجتمع، وكما هو طبيعة العمل البشري اكتنف عمل هاتين الحركتين أخطاء وممارسات غير سوية مخالفة للنظام الداخلي للحركات، أو لا يتماشى مع أخلاق من يرفع شعار التدين والإصلاح، أو أن بعض المتنفذين حولوا الحركة إلى مزارع شخصية وعائلية.

فبهذا السبب قام بعض مؤسسي الحركتين بالانفضاض عليهما وإعلان النكير عليهما، بحجة أن الإصلاح الداخلي وإعادة الحركة إلى ما أسس لها وإخضاع مبدأ المساءلة والمحاسبة لجميع مفاصل وأعضاء الحركة وصل إلى باب مسدود، واستنفذت كل الجهود، ورفضت كل المبادرات، وأغلق باب أمل الإصلاح، والسعي في طريق نهايته غير معروفة وغير محمودة لا يمكن القبول بها، ولذلك أعلنوا الحرب على الحركتين، ونشر عيوبها بين الناس، وإهدار محاسنها، وتحويل مآثرها إلى معايب، وقد تناسوا بأنهم كانوا جزءا مهما وأصيلا في قرارات الحركتين، صحيحها وسقيمها، حلوها ومرها، ولكن لما اختلفت الآراء من أجل الصراع على السلطة خرج الأمر عن السيطرة.

والغريب أن الذين بقوا في صفوف الحركة وتمكنوا من بسط نفوذهم على مفاصلها لا تعوزهم الحجة في إلصاق التهم بزملائهم الذين غادروا الحركة، إعمالا بمبدأ العين بالعين والبادي أظلم، لأن مراعاة المصالح تتقدم كثيرا على المحافظة على المبادئ، ولكن نسي الجميع بأن المبادئ تبقى وإن تغير أصحابها وتغيرت اتجاهاتهم حسب مصالحهم ومآربهم العاجلة والآجلة.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة