صباح حمامو
صباح حمامو
750

كلمات في رثائي

12/8/2017
عندما نرحل، تنهال علينا فجأة كلمات المديح والمحبة، كلمات لو سمعناها ونحن أحياء، لخففت علينا الكثير من متاعب الحياة. أظن أننا نحتاج جميعاً إلى كلمات مشابهة، تشجعنا على الاستمرار في السعي وتستنهض فينا العزم. ألا نفرح كالأطفال بالكلمات الطيبة سواء على المستوى الشخصي أو المهني؟

مؤخراً كنت أشارك في برنامج دراسي قصير بجامعة مرموقة، طُلب مني أن أقدم عرضاً أشارك فيه حكايتي مع زملائي، الذين آتوا من 21 دولة مختلفة، ترك المنظمون لي حرية اختيار طريقة العرض. فكرت كثيراً في الأمر، وتمنيت أن أقدم العرض بطريقة مبتكرة، تمنيت أن أعرفهم بنفسي بصورة مختلفة عن الآخرين، طريقة "غير مسبوقة"! "غير مسبوقة؟" رددت العبارة بيني وبين نفسي مرة أخرى، وكأن لها صدى صوت، لمعت الفكرة وتوهجت في عقلي. سألت نفسي: لماذا لا أقص حكايتي من خلال الرثاء الذي سيكتب عني حين أرحل؟ هل هناك صورة أفضل من تلك التي يراها بنا الآخرون عند الرحيل (يمكنك أن تتخيل الآن ابتسامة خبيثة مفعمة بالرغبة في الاستكشاف على وجه كاتبة السطور"!

عرضت الفكرة على القائمين على البرنامج، استحسنوها، فبدأت التنفيذ. كتبت رسالة قصيرة إلى عدد من الأصدقاء، ممن عرفوني عن قرب خلال السنوات الماضية، شاركتهم الفكرة، والهدف من ورائها، البعض لم يتضح له الأمر مباشرة، والبعض كتب دون تردد، ووضعتني كلمات البعض في حالة من البكاء المفاجئ. اللطيف في الأمر هو تشابه ردود الأفعال الأولية من بعض الأصدقاء، رغم الاختلاف الكبير بينهم، فها هو رد صديقتي السويسرية التي أعرفها منذ 12 عاماً، يتشابه مع رد الأستاذ المصري الذي تعلمت منه الكثير خلال السنوات الخمس الماضية.

كتبت صديقتي:
"Oh boy, are you OK? Is all well with you?" نفس الرد تقريباً كتبه الأستاذ أسعد طه "صباح.. مالك يا بنتي؟".
أسعدتني كلمات الرثاء، لكن بعضها جعلني أتأمل، هل كنت فعلاً مزعجة؟ هل كنت فعلاً صديقة وفية؟ ومؤمنة تقية؟ هل قدمت كل ما أستطيع؟ أم خذلتني نفسي أحياناً؟ وكيف نمر من الحياة دون أن نتوقف ونحاول أن نرى أنفسنا كما هي.

في نهاية الأمر، تلقيت الكثير من عبارات الرثاء المتخيل من الأصدقاء، ولكن انتهى بي الأمر لتقديم العرض دون أن أضمنه هذه الكلمات الغالية، لأن مدته لم تكن تزيد عن 7 دقائق بحسب قواعد البرنامج، لذا فكرت أن أشارك ما كتبه الأصدقاء معكم.. وحتى لا أطيل.. نذهب مباشرة إلى ما كتب الأصدقاء الأعزاء "في رثائي":

كتب لي الأستاذ أسعد طه "كانت مزعجة وبتعمل مشاكل!"، عبارة قصيرة موجزة، أعقبها بالإيموچي الضاحك الباكي المعروف -شكرته بصورة سريعة وانصرفت، فظن الأستاذ أن الكلمات أغضبتني، لم يعلم أن البرنامج المرموق يحتفي هذا العام بـ"المزعجين"، ويشجع على "الإزعاج" ويتخذ كلمة disrupt شعاراً لهذا العام، فهؤلاء الذين يقلقلون الوضع الراهن، ولا يركنون إلى الـ status quo، يصنفون "مزعجون"، لكنهم في نهاية الأمر، أحياناً، يصنعون التغيير المرجو، لم يعلم الأستاذ أنني لو استخدمت كلماته في العرض لكانت أبلغ ثناء قيل في حقي.

أما أستاذتي التي عرفتني منذ 11 عاماً فقالت: "كانت امرأة تحب العالم، وتعشق الترحال وتستمتع بالمغامرة وتمنح البهجة، كانت صديقة وفية، ومؤمنة تقية، وروحاً غنية، كانت إنسانا" كدت أبكي عندما قرأت كلماتها للوهلة الأولى. ثم لاحظت أنها لم تشر إلى عملي، وساورني الشك، هل لم أقدم شيئا مهنياً يستحق الذكر؟ في اللحظة التالية، ساورني الشك مرة أخرى، هل أستحق كلماتها؟ وإذا لم أكن أستحقها، هل بي ما يكفي من العزم لأعمل لاستحقاقها؟

كتبت لي صديقتي السويسرية التي تعرفني منذ 12 عاماً: "صباح، مثل نسيم الصباح، طازج ومليئة بالحيوية والبهجة وجاهزة للمغامرة. لديها قلب كبير، وعقل حاد، لديها فضول ورغبة في معرفة كل شيء. تحب الناس وحكاياتهم، وتحب السفر ومعرفة ثقافات أخرى وطرق أخرى للتفكير. لم أرها أبداً خائفة، ولا يمكن تثبيط عزيمتها فيما تنوي فعله. يمكن أن تصنع من أي مكان وطنا لها، في أي اتجاه تأخذها فيه الحياة. شجاعة وقوية. هذه هي صديقتي صباح".

هل إذا خاطبت أحدا ممن اختلفت معهم بصورة حادة، طالبة منهم كتابة رثاء منصف فيّ؛ سيقولون عني مسني الجنون؟ وإذا كتبوا سيكون الأمر فرصة لي لأرى نفسي الكاملة؟

مواقع التواصل 


الأستاذ أيمن جاب الله، الإعلامي المعروف، كتب لي: "صباح، صحفية ذكية، تتمنى دائما أن تفكر خارج الصندوق، حتى عندما فكرت في الطريقة التي علينا تذكرها بها عندما تغادرنا إلى الأبد، كان أسلوبها في عرض ذلك، مختلفا عما سواه، في الحقيقة هي كسرت الصندوق نفسه!".
 
صديقتي الصحفية الدنماركية هيلي شولر كيه كتبت: "عرفت صباح كصديقة منذ 3 سنوات، لا نلتقي عادة، ولا نتحدث كثيراً، لأننا نعيش في أجزاء مختلفة من أوروبا، لكني أعلم أنها هناك بعقلها اللطيف، وقدرتها على أن تجد مكاناً لنفسها في أصعب الأوقات، ومحبتها لأصدقائها. لا أعلم كل شيء عن صباح، لكني أتذكرها تأخذ يدي في زحام القاهرة، في طريقنا لزيارة صديقة مشتركة، كانت طريحة الفراش، بعد أن أطلقت قوات الجيش الرصاص عليها في مظاهرة. الثقة بالله والإصرار الشخصي يشكلان الدافع الأساسي لصباح للإيمان الثابت بالخير والسعي للتعلم والنمو، رغم أنها تعيش بعيداً عن بلادها. ثمة معاني وراء ذلك، وأنا أغبطها على ذلك، وفخورة بها كصديقة".

صديقتي الغالية الكاتبة والمديرة الناجحة سهى جاد كتبت: "أنت شخص أصيل، يستفزك الظلم، تتوقين لتحسين نفسك كل يوم، تبذلين الجهد لفهم الآخرين من خلال وضع نفسك في موضعهم، حساسة وعاطفية".
 

أعتقد أن التجربة تستحق، وأتصور أن الرغبة في معرفة الطريقة التي سيكتبنا بها التاريخ بأقلام الآخرين تعنينا. ربما يكون الأهم، كيف سيؤثر علينا أن نقرأ الكلمات التي سيكتبها عنا الآخرون حين رحيلنا؟

الدكتورة نهى عاطف، أستاذة الإعلام، الصحفية والمدونة المعروفة والصديقة القديمة كتبت: "صباح مغامرة، تقضي الوقت في البحث عن أشياء جديدة لاستكشافها، ووجهات جديدة لزيارتها، وأناس جدد لتتواصل معهم. لا تتردد لفعل شيء، لذلك أظنها أصبحت صحفية. هي أيضاً صديقة تدعم أصدقاءها، ومضيفة كريمة، خلال عقد من الصداقة بيننا، كانت دائما هناك عند الحاجة لها، في كل وقت، وكل المدن والأماكن التي عاشت بها". 

جميلة هي الكلمات السابقة، أسعدتني لا شك، لكن بعضها جعلني أتأمل كثيراً، هل كنت فعلاً مزعجة للآخرين؟ هل كنت فعلاً صديقة وفية؟ ومؤمنة تقية؟ هل قدمت كل ما أستطيع؟ أم خذلتني نفسي أحياناً؟ وكيف نمر من الحياة دون أن نتوقف ونحاول أن نرى أنفسنا كما هي، ولماذا الصورة التي أرى بها نفسي، مختلفة عن الصورة التي يراني بها الآخرون، وهل فاتتني الجرأة أن أسأل من أظنهم ربما لا يحملون لي وداً عما سيكتبون عني كرثاء، إذا كتبوا بالطبع؟

ألم تكن أنا من كتب يوماً "اذكروا كل شيء عن موتاكم، لا تتركوا شيئا غير مذكور"، وهل إذا خاطبت أحدا ممن اختلفت معهم بصورة حادة، طالبة منهم كتابة رثاء منصف في سيقولون عني مسني الجنون؟ وإذا كتبوا سيكون الأمر فرصة لي لأرى نفسي الكاملة؟

وصف "المزعجة" ذكرني بتلك الواقعة، عندما صدر كتابي "يوميات صوحفية"، نوه عنه زميل إعلامي بصورة عارضة في برنامجه، "فانزعج" جداً زميل آخر واتصل به معاتباً، وقال له: "إنها صغيرة جداً على أن تضع كتاباً، لم يكن يجب عليك التنويه عنه!" كنت وقتها في السابعة والثلاثين من العمر (أي أصغر من رئيس فرنسا الحالي بعامين)، اغتاظ الزميل مقدم البرنامج من عتاب الزميل، فدعاني إلى حوار تلفزيوني عن الكتاب لمزيد من الإزعاج لهذا الزميل المنزعج دون سبب!

ما كتبه الأصدقاء أسعدني، للحق تنفيذ الفكرة كان يحتاج لبعض الشجاعة، على الأقل في مواجهة التعليقات الأولية المحتملة، والتغلب على التردد في التنفيذ خشية ما قد يظنه الآخرون سعياً لنيل كلمات مديح.

لكن في نهاية الأمر، أعتقد أن التجربة تستحق، وأتصور أن الرغبة في معرفة الطريقة التي سيكتبنا بها التاريخ بأقلام الآخرين تعنينا. ربما يكون الأهم، كيف سيؤثر علينا أن نقرأ الكلمات التي سيكتبها عنا الآخرون حين رحيلنا؟

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة