من قتل الأزهر!

12/8/2017
حينما يتحول الأبيض إلى رمادي، ويتحول الرمادي إلى أسود، وحين يتحول الصدق إلى شك، ويتحول الشك إلى زور، ويتحول الزور إلى بهتان، وترى الفخ ينصب، والشاب لا ينضج، والشيخ لا يثبت، والأخلاق لا تطلب، والعقيدة لا تثبت، فتش حينها عن الأزهر.. حين نرى الشيوخ تعتلي المنابر لتكذب، قد تحتاج إلى ساذج يصدقهم ويصدق نفسه، أو خائف يسمع ولا ينصت، أو منافق يؤيدهم ويستغل الساذجين، ولكننا على أي حال لم نبق سُذّج.

من حقائق التاريخ أن لكل شيء إذا ما تم نقصان، ومن الحقائق أيضاً أن كل طاغيه بحاجة إلى كاهن يخدمه، والكاهن بحاجة إلى طغيان ينمو حوله. أينما تذهب عيونك ترى واحدة من أكشاك الفتاوى، أو تفتح التلفاز فتجد داعية يهتم بالأناقة أكثر من اهتمامة بالعلم، ترى الناس تجلس تحت أرجل قدمي طفل في الرابعة تستمع إليه بانبهار، ثم يكبر الطفل ويصبح الانبهار اتباع، ثم يصبح الاتباع إيماناً. وهكذا تستمر الحياة، في علم أصبح دون حكمة، ومعرفة دون فطنه، ونصيحة بغير ضمير، وشهوات دون لجام، وترى الناس تركض في زمن امتلأ بالعبث، لتجد ضالتها في من يثبتها ويدخل الطمائنية في قلوبهم، حتى وإن ذهبوا إلى دجال، ولكن اليوم لن يذهب أحد إلى تلك الأكشاك.

أخبرني يا عائداً من دولة الزمان الغابر
ماذا رأيت؟ حجران كبيران في القفر الهاجر
بالقرب منهما تمثال يغوص في الرمال ويرقد
يعلوه عبوس وتهجم الأمر وفم جامد

قد يبدو العنوان صادماً للبعض ولكنه ليس فصل جديد من المؤامرات المستمرة على الإسلام، الحقيقة أن المؤامرة لم تكن من المنتقدين أو الساعين إلى الإصلاح على قدر ما كانت المؤامرة من أصحاب العمم الحمراء. الاعتقاد الديني لم يتدهور حتى بعد أن استباح الفرنسيون ساحة الأزهر وعلمائه، أو محاولات الإنجليز لتفتيته وإضعافه، أو حتى تحت عواصف الأفكار المشككه كما تدهور اليوم، وحصر الإسلام بين هجوم مستمر، وخيانه مستمرة. فلم تشهد الأمه الإسلامية من قبل مثل تلك الشدائد والتغيرات التي أصابت الشريعه الإسلامية كما نشهدها اليوم فحق يكتم وكذب يقال، سمح للشامتين والمتربصين من التصيد دون عناء.

طعن الإسلام من الخلف، فطعنة المؤتمن أشد وطأة من طعنة الأعداء، وأضر الأزهر بالإسلام حين تحايل علماؤه على الشرائع، وارتموا تحت أرجل الحكام.

رويترز
قديماً كان الأزهر هو من تحمل على أكتافه الارتقاء الإنساني وتهذيب النفس الجامحة، وتقنين الرغبات، فكان منبرا للأخلاق والتربية لعصور طويلة. من صرح بناه المعز لتقريب المناهج المختلفة، إلى صرح للتعليم والجهاد ضد الغزاة بأفكارهم وأطماعهم، ثم بوق في يدي الاشتراكية، ثم مساند لانفتاح السادات ومشرعاً للصداقة الإسرائيلية، ثم ابن من أبناء مبارك، ثم خائناً للشعب وإرادته، ثم قاتلا بالصمت والكلمات الجوفاء في عهد السيسي.

وحين التهمت الدولة شيئاً فشيئاً أملاك الأزهر واستغلت سلطانه على قلوب الشعب، وأجبرته في الاشتراك في مغامراتها العبثيه، أصبح اليوم يدافع عن الدولة ولا يدافع عن الشريعة، يهاجم معارضي الدولة ولا يهاجم من يعبث بعقيدتهم، فأصبحوا ما بين حق يكتم وبهتان يقال، بين ولاء للدولة وبين ولاء للضمير.

بالطبع لا يمكن أن ينكر أحد فضل الأزهر، أخرج لنا علماء كالمراغي والنواوي ومحمد عبده والأفغاني وغيرهم، أفادوا الدين والدنيا والإنسانية، وكانوا خير حصن للإسلام وملجأ الناس المقدس من عبث الحياة. في أميركا وبريطانيا وكندا وفرنسا أين ما تذهب تجد من تعلم فيه أو على أيدي علمائه، أو من كان يدين له بالفضل.

ولكن لا يمكن أن ينكر أحد أيضاً، أنه هو من طعن الإسلام من الخلف، فطعنة المؤتمن أشد وطأة من طعنة الأعداء، أضر الأزهر بالإسلام حين تحايل علماؤه على الشرائع، وارتموا تحت أرجل الحكام، امتلأت عقولهم بالنصوص ولم تمتلئ قلوبهم بالإيمان، أو ضمائرهم بالحق، حين تركوا تلك الفجوة المظلمة في عقول الناس التي آمنت بهم ورفعهم درجات القداسية، وجاهد من أجل بقائهم، فخذلوهم حين طلبوا المساندة.

فما أكثر هؤلاء الذين يشترون، وما أقل الذين تحركهم ضمائرهم، وما أكثر الذين يبحثون عن الفتات، وما أقل الذين يبحثون عن الذات، وما أقل قدرة الكريم على التعلم. وعلى الله قصد السبيل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة