ياسر السيد عمر
ياسر السيد عمر
800

خير الأعمال أدومها وإن قل

22/8/2017
ينغمس كثير من الناس في اللحظة الحالية، فلا تعود لدى عيونهم القدرة على رؤية مواقعهم وأماكنهم في المستقبل، وتحت ضغوط الواقع الذي يعيشونه يرافقهم إحباط ويأس يمنعهم من الخروج عن التفكير في مساوئ القمقم الذي يقبعون فيه وينكد عليهم نهارهم قبل ليلهم.

المظلة التي نرفعها فوقنا بحيث نجعلها ملاصقة لرؤوسنا تحجب عنا رؤية الشمس وقوس قزح في منظر يبعث السرور ويبث الانشراح في الصدر، هذه المظلة هي ما يحرمنا من رؤية أبعد مما تخطوه أقدامنا، فنحرم أنفسنا من خير كثير كان سيغير حياتنا رأساً على عقب لو ابتسمنا له لحظة بروزه له.

يركز كثير من الناس على الساعات التي تضيع من أعمارهم، وتؤرقهم بحيث يعطونها كثيراً من اهتمامهم وهمهم، وهذا جيد لكنه ليس الأفضل، إذ الأفضل هو التركيز على ساعات محدودة يجمع فيها الإنسان كل طاقته ويحشد لها ما استطاع من همته وعقله، بدون مشوشات ولا مضايقات، فيكون ذروة إنتاجه فيها، وأهم أعماله وأفكاره تنطلق منها.

أسوأ ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا هو أن نبقيها في ذات المستوى المهني والمعرفي لسنوات عديدة دون تقدم ملحوظ أو تطوير يجعل من الشخصية أنضج وأقدر على تقديم ما هو أكثر خيرية للبشرية.
يقول علماء الإدارة بأن ساعة واحدة تقضيها في صباح يومك أو مساءك في دراسة إضافية أو قراءة مركزة في مجال عملك أو تخصصك تجعلك مميزاً ومختلفاً بشكل واضح عن أقرانك خلال ثلاث سنوات. هذه الساعة بتراكمها اليومي، وبكمية المعلومات المتراكمة على شكل بناء معرفي يشكل عقلك ويزيد إليه من المعارف والمهارات والعلوم ما يجعلك أفضل من غيرك خلال فترة لا تتجاوز 10% من عمرك المهني إذا افترضنا بأنك ستعمل لمدة 30 عاماً كمتوسط حسابي.

ساعة واحدة تقضيها صباحاً قبل العمل بينما يكون زملاؤك يغطون في نومهم، أو عند المساء بعد عملك بينما زملاؤك منشغلون بأمور حياتهم أو لهوهم، هي ما ستجعل منك رقماً مميزاً في مجالك، وستزيد من معدل الطلبات على أعمالك ومساهماتك في أعمال الآخرين. ربما لن تجد الفرق في بداية تطبيقك لهذه النظرية، إذ النتائج لن تظهر بسرعة، بل تحتاج لبعض الوقت لاستكمال بعض التأسيسات للبناء المعرفي الذي ترغب بتشييده.

أؤمن جداً بالتراكمية، وبأن "قليل دائم خير من كثير منقطع"، فهذا أجمل للعيش وأنعش، إذ لا ينغص عليك حياتك ولا يجعلها تنقلب بمجرد اقتناعك بضرورة تنفيذ فكرة حضرت إلى رأسك للتو، وهذا ما تمثله نظرية الكايزن اليابانية ذات الأثر الكبير على المدى الطويل.

ما ننفذه اليوم هو نتاج تخطيط وتفكير الماضي، وما سنصل إليه في المستقبل هو نتاج لما نخططه ونحضره الآن لأيامنا المقبلة، وأسوأ ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا هو أن نبقيها في ذات المستوى المهني والمعرفي لسنوات عديدة دون تقدم ملحوظ أو تطوير يجعل من الشخصية أنضج وأقدر على تقديم ما هو أكثر خيرية للبشرية. والواقع الأليم الذي تعيشه على مستوى الأمة أو العائلة أو العمل هو نتاج قرارات متراكمة اتخذتها ذات لحظة من حياتك، وبينت عليها أعمالك، ولتغيير كل هذا عليك البدء من الآن لتغيير قناعاتك واتخاذ قرارات أفضل، ولكن احذر فلا تحمل نفسك مالا طاقة لها به، واعلم بأن خير الأعمال أدومها وإن قل، وما لم تستطع تغييره خلال سنوات لن تستطيع تغييره خلال أشهر أو أسابيع.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة