أحمد حليوا
أحمد حليوا
801

وسوسة التاريخ الإسلامي

29/8/2017
للتاريخ الإسلامي وسوسةٌ لا بدَّ أن تراود الناسَ عند الاطلاع عليه، طارحةً عليهم تساؤلاتٍ كثيرةٍ تجعلهم في حيرةٍ من أمرهم وتفكّرٍ على حالهمُ الآنّي.. فيرى القارئ تناقضاً كبيراً بين زماننا وبين الأزمنة الماضية فجلُّ زماننا ضعفٌ وانحطاطٌ وبُعدٌ عن الدين وهشاشةٌ بين أوصال الأمّة الإسلاميّة، وكثيراً ما يتحدّث التاريخ عن أمجاد السابقين وتفانيهم في العبادة وانتصاراتهم وخنوعِ المعادي لهم وعن القُربةِ الشديدة للقلوب بين بعضها، ومع تناقض الحال عبر الزمان تبدأ الوسوسة بطرح الأسئلة، لماذا هذا التغيّر الحاصل؟ وأين تكمن المشكلة؟ وهل التاريخ مجرّد روائيٍّ مادحٍ لحُقَبِ الدّهر الماضية؟ وكيف السبيل إلى النهضة؟

التغيّر المؤلم للحال الإسلاميّ من القوة والمكانة إلى الضعف والسفول هو نتاجُ بُعد الشعوب الإسلامية عن حقيقتها الدينيّة وغياب القوة والحنكة السياسية لحكامها واتباعنا للتقاليد الرعناء التي تدسّها المشاريع الغربية داخل أفكارنا وبين أوصالنا.

المشاكل التي تشهدها الساحة الإسلامية ليست وليدة ما يتمُّ ترويجه من أفكارٍ حديثةِ الإنتاج قديمة الدراسة كفكرة أن الإسلام غير مناسبٍ لهذا الزمان وأنّ هذا الدين دينُ تخلّفٍ وأنه قد اجتاز الألفيّة من الزمان وأصبح بحاجةٍ إلى التعديل.. المشكلة ليست في الإسلام بل بالشعوب والقادة والساسة والعلماء والفقهاء وكل عوامل الدولة وعضُدِها، المشكلة في المسلمين ذاتهم، المشكلة في الناس! في الشعوب الإسلامية!

لم يكن الأولون مخلصين جهّالاً، بل كان العلم هو الأولويّة، فالإخلاص المجرّد من العلم هو آفّة الآفات وهادم الأمم والحضارات، فكم من مخلصٍ جاهلٍ أضرَّ بالأمّة أكثر من عدوٍّ مُتربّصٍ
ما نراه من ضعفٍ وخمولٍ فهو من تراخينا وتهاوننا ولأننا سَيّرنا الدين كما يرتضيه الأعداء المتربّصون بنا، المشكلة فينا نحن المتشرذمون المتفرقون المتعادّون فيما بيننا بالرغم من أننا حاملين للقب المسلمين.. جاء الإسلام على الأوس والخزرج في أوج اقتتالهم والدماء مُراقةٌ بينهم فتآخوا وأصبحوا كالجسد الواحد.

المشكلة ليست في الإسلام فهو ليس عبارةٍ عن أحكامٍ تُطبّق حسب الهوى وكما ترتضيه العقول المتخلّفة وكما تهواه الأنفس، المشكلة ليست في نصوصه وقوانينه بل هي كامنةٌ في تفسير الناس لها وآليّة تطبيقها. لو كان الدّين هو المُعضلة لما جاب مشارق الأرض ومغاربها وأصبح دستوراً وشرعاً يَحتكِمُ الناس به في يومٍ من الأيام حين قامت به سواعد أُناسٍ أخلصوا لما تعلموه من المدرسة النبويّة فكانت زهوة الدّين سائرةً في ربوع الأرض بهمّتهم وعزيمتهم.

لم يكونوا مخلصين جهّالاً، بل كان العلم -وما زال وسيبقى- هو الأولويّة، فالإخلاص المجرّد من العلم هو آفّة الآفات وهادم الأمم والحضارات، فكم من مخلصٍ جاهلٍ أضرَّ بالأمّة أكثر من عدوٍّ مُتربّصٍ. الشرائع لم تُبدّل والقوانين لم تُنسّخ وليس للزمان علاقة بل الناس تغيّرت وتغيّر فكرها ومسارها.

الإسلام دينٌ كاملٌ خالٍ من النواقص والشوائب، مستقطبٌ للناس وجاذبهم إليه وموجههم نحو التكريم الإلهي للإنسان ومكمّلٌ لكلّ معاني الإنسانية الحقيقية ومُرفّعها بين الخلائق. الإسلام يحثّ على العلم والعمل ويحثّ على الكفاح في إعمار الأرض بنشر أنوار العلم لا على خرابها بالجهل. يحثّ على الالتزام والرفعة بالأخلاق الكريمة السمحة الحميدة.. يحثّ على تآخي المسلمين وتحقيقهم لعزته..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة