د. معتز الخطيب
د. معتز الخطيب
1.5 k

الإرهاب.. ذلك المفهوم المخاتِل

3/8/2017
بات مصطلحا الإرهاب والجهاد من أشد المصطلحات إشكالاً؛ حيث يُستَخدمان على نطاق واسع لتسويغ سياسات وسياسات مضادة، ومن الطريف أن ثمة تشابهًا بين المعسكرين: معسكر المنتسبين إلى الجهاد ومعسكر مُدَّعي مكافحة الإرهاب، فكلاهما يبحث عن غطاء "أخلاقي" لأفعاله وممارساته اللاأخلاقية، وكلاهما يقوم بتوظيف المفاهيم في صراع سياسي تُستباح فيه مختلف الأدوات أحيانًا، وكلاهما يخفق في تحديد مفهوم دقيق وواضح للمصطلح الذي يرفعه وحدود المعركة التي يخوضها!.


فمصطلح الإرهاب أثار منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 الكثير من الجدل مع صياغة بوش الابن لشعار "الحرب على الإرهاب"، وعلى خطى بوش الابن سارت دول حصار قطر حيث صاغت شعار "مكافحة الإرهاب". أما مصطلح الجهاد فبات يشمل تشكيلة واسعة من الجماعات تبدأ من فلسطين وتتسع لتشمل ليبيا وسوريا والعراق وغيرها.

الإشكال الحقيقي ينشأ من الممارسات الحديثة لما يُسمى "الجهاد" التي تتصل وتلتبس بالعنف بفعل عوامل مختلفة، ولكن هذا الالتباس سيبقى قائمًا في ظل الصراع والإحباطات.

ومشكلة المفاهيم مسألة مركزية فيما جرى ويجري، ولكن لا بد من الوعي بأن هذه المشكلة ليست مفهومية بحتة، بمعنى أن المشكلة لا تَنتج فقط عن حالة التباس أو سوء فهم، فجزءٌ منها يتصل بسطوة التسمية واستراتيجية الغموض كما هو الحال مع مصطلح "الإرهاب" الذي تستخدمه دولٌ لإدانة أي مخالف لها وتبرير تصفيته معنويًّا بل ماديًّا أحيانًا خارج إطار القانون؛ فـ "الإرهابي" تَحَول إلى حكم قيمة يُفتَرَض فيه البداهة فلا تتم مساءلته أو البحث عن مسوغاته، أي أنه يُستَعمَل بهدف الإرهاب؛ لأنه تحول في بعض الأحيان إلى لعبة سياسية مخاتلة!


ولا بد من التذكير بأن أمريكا منذ عهد بوش الابن رفضت التواضع على تعريف محدد له؛ لأنه لا يُستَعمل هنا بوصفه مصطلحًا قانونيًّا يتم الاتفاق على مدلوله وفرض عقوبات واضحة على مرتكبيه، كما أنه منذ أحداث سبتمبر لم يَعد محصورًا في حدود الدولة القومية، ولذلك تمت صياغة مفهوم "الحرب على الإرهاب"؛ للإمعان في هذه السيولة التي يتم تكييفها وفق مصالح مختلف الأطراف، لأننا لا نبحث في مسألة قانونية كما أننا لا نناقش هنا في مفهوم أخلاقي وإنما نناقش في معايير سائلة تحددها مصالح الدول والجماعات وموازين القوى التي تسعى لسحب شرعية أي معارضة أو احتجاج عبر وصمها بالإرهاب.


فالتواطؤ على عدم وجود تعريف محدد للإرهاب ليس مسألة نظرية تتصل بالمفاهيم المجردة، بل تتعلق بجوهر الموقف العملي تجاه هذا السلوك أو ذاك مما يوصف بأنه إرهاب، ما يعني أن المفهوم المرن والسائل للإرهاب يحتوي في ذاته على عوامل تُمده بالحيوية والحركة والاستمرارية، ومن ثمّ فإن أي حديث عن محاربته ينطوي -في ذاته- على فاعلية واستمرار الإرهاب؛ لأن تلك الحرب تُشنّ على مفهوم سائل ومتجدد وقابل للتشكيل حسب المصالح والصراعات المتغيرة، كما أن حديث الأنظمة والقوى الدولية عن "مكافحة الإرهاب" أو الحرب عليه ينطوي على اعتقاد ممجوج ببراءة النفس وطهارة تلك النظم من ممارسة هذا النوع، ما يعني أن هذه المحاربة هي في حقيقة الأمر من أجل "احتكار" شرعية ممارسته وليس نفيه بالمطلق.

ترجع ظاهرة العنف إلى قمع "الدولة الوطنية" التي ورثت الاستعمار وسيطر عليها العسكرُ خلال العقود الماضية والتي تأسست شرعيتها على الانقلابات العسكرية وقمع الناس.

29.
الجزيرة


أما مفهوم الجهاد فمشكلته مختلفة وإن تشابه موقف معسكري الجهاد ومكافحة الإرهاب. ويرجع جزء من المشكلة إلى التباسات مفهومية حين يتم قَصْره على المعنى القتالي فقط؛ لأن الجهاد بالمصطلح القرآني أوسع من ذلك بكثير، اهتم الفقهاء بالمعنى القتالي فقط (مجاهدة العدو) لأنه يتصل بتخصصهم، واهتم المتصوفة بجانب آخر وهو (مجاهدة النفس والشيطان)، كما أن جزءًا آخر من المشكلة يتصل بالتطورات التي طرأت على المفهوم مع اختلاف الأزمنة والسياقات كما فعلت الجماعات المنتسبة للجهاد اليوم حين حولته من مفهومه الوظيفي الفقهي إلى معنى ثوري انقلابي على الأنظمة والعالم وعبأته بمضامين جديدة لم تكن معهودة للفقهاء السابقين وجعلت منه ركنًا من أركان الإسلام. والجهاد في مدلوله الأصلي مفهومٌ يقابل ولا يساوي الحرب؛ لأن الجهاد يستند إلى مقاصد وغايات أخلاقية وهو فعلٌ مشروطٌ قبل وأثناء وبعد قتال العدو؛ بخلاف الحرب التي تقوم على مصالح الدول أو ما تراه هي مصالحَ حيوية لها؛ خصوصًا مع تطور أدوات الحرب ووسائلها في العصر الحديث واتساع قدرتها على التدمير والتنكيل.


فالإشكال الحقيقي ينشأ من الممارسات الحديثة لما يُسمى "الجهاد" التي تتصل وتلتبس بالعنف بفعل عوامل مختلفة، ولكن هذا الالتباس سيبقى قائمًا في ظل الصراع والإحباطات، وفي ظل فشل مشروع الدولة الوطنية والتعقيدات التي أحاطت بتطبيق مفهوم الجهاد في ظلها، مع الاعتراف بأن جزءًا من المشكلة قائم لدى فئة من الناس تريد أن تعيد رسم العالم على صورة المجتمع الإسلامي الأول في المدينة المنورة قبل قرون، وتَعتبر الجهاد الوسيلة الوحيدة لتحقيق ذلك، أي أنها حولت الجهاد من فعل الجماعة دفاعًا عن وجودها وحقوقها إلى فعل مجموعات معزولة ضد الجماعة المسلمة ولتحقيق أيديولوجيات خاصة بالقوة.


فالعنف إذن ظاهرةٌ حديثة تعكس مأزق الدولة التحديثية أولاً، وهي الدولة التي حاولت فرض الحداثة من أعلى وبالقوة فدمرت البنى التقليدية لمجتمعاتنا ونتج عنها كل هذه الفوضى، فالانتقال من الأزمنة الكلاسيكية إلى الأزمنة الحديثة لم يكن انتقالاً منظمًا أو مدروسًا وإنما عبْر قَسْر وإكراهٍ وصراعات.

شكلت ظاهرة العنف منذ أحداث سبتمبر وحتى قيام الثورات عنوانًا لسياسات دولية، وتشكل الآن عنوان المرحلة الحالية لصراع الثورة المضادة.
رويترز
 

وثانيًا: ترجع ظاهرة العنف إلى قمع "الدولة الوطنية" التي ورثت الاستعمار وسيطر عليها العسكرُ خلال العقود الماضية والتي تأسست شرعيتها على الانقلابات العسكرية وقمع الناس؛ لأن نشوء هذه الدولة أصلاً لم يكن نتاج تطور داخلي في مجتمعاتنا، وقد قامت مشاريع عديدة لمواجهة هذه الدولة بعضها سياسي وبعضها عنيف. ثالثًا: إن الخطاب الحالي للتقليد فشل في الدفاع عن التقليد الفقهي فلم تَتَنبه الردود الفقهية والدينية على كتابات العنف إلى أن المشروع الجهادي يُعيد اكتشاف الإسلام ويتجاوز التقليد؛ شأنه شأن جماعات الإسلام السياسيّ، ولذلك أخفقت في الإمساك بجوهر الإشكال أو "بالبرادايم" الجهادي.

جذر المشكلة يكمن في هذه الدولة التي تسمى "وطنية" والتي كانت سببًا رئيسًا في ظهور العنف وتسهر على تغذيته؛ لأنه أساس شرعية بقائها واستمرارها!.

كما أن خطاب التقليد نفسه بات حليفًا لأنظمة الاستبداد وأداة من أدواتها. فمثلاً كان هناك رسالة مفتوحة وقعها (126) شخصيةً إسلامية وُجهت إلى أبي بكر البغدادي، وهي رسالة هزيلةٌ أخفقت في الإمساك بالإشكال الرئيس لدى تنظيم الدولة وجماعات العنف وهو كيفية تعامل الجهاديين -عامة- مع الموروث الديني والفقهي ومع التقليد في الزمن الحديث، وهو ما يتصل بما تسميه الرسالة نفسها "فقه الواقع".

فمنظّرو تنظيم الدولة يرون أنفسهم أدرى بالواقع ويتبنون تصورات مغايرة عن هذا الواقع المعقّد في تركيبته وصراعاته الطائفية والسياسية المحلية والدولية، وهو -في نظرهم- واقع صراعي، الحربُ على الإسلام والمسلمين مكونٌ رئيسٌ فيه، ويفتقر فيه المسلمون إلى العزة والكيان الجامع والهوية المميزة تحت وطأة العدو الخارجي المقاتل على طول الخط والعدو الداخلي القاهر والمعطِّل لشرع الله والمُعِين للعدو الخارجي، والمسلمون ضحية عدوان خارجي وقهر داخلي يمنعهم من تنفيذ "أمر الله" والعيش وفق هديه. وجماعات العنف ترى وفق هذه الرؤية أنها تملك مشروعًا متكاملاً لمعالجة هذا الواقع المأزوم وهو أفضل من كل المشاريع الأخرى المطروحة! وفي المقابل موقعو هذا الخطاب هم رموزٌ متحالفة مع دول الاستبداد ومعاديةٌ للثورات كان من بينها علي جمعة وعبد الله بن بيه وحمزة يوسف وآخرون.

شكلت ظاهرة العنف منذ أحداث سبتمبر وحتى قيام الثورات عنوانًا لسياسات دولية، وتشكل الآن عنوان المرحلة الحالية لصراع الثورة المضادة والأنظمة القمعية مع الثورات وحركات الاحتجاج والمعارضة، وإذا كانت مقاومة إسرائيل قد شكلت ذريعة لتعطيل كل مشاريع الإصلاح والتنمية لعقود، فإن ذريعة العنف والإرهاب تُستَخدم اليوم للقضاء على أي نزوع ثوري أو معارض ولإعادة تمكين الاستبداد مجددًا وإخراج السياسة من ميدان التداول والممارسة، ولكن جذر المشكلة يكمن في هذه الدولة التي تسمى "وطنية" والتي كانت سببًا رئيسًا في ظهور العنف وتسهر على تغذيته؛ لأنه أساس شرعية بقائها واستمرارها!.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة